السبت، 2 يناير 2016

الفهم السقيم لدى بعض المتلبرلين ومنهم تركي الحمد

                                   بسم الله الرحمن الرحيم
      أريد هنا مناقشة بعض أفكار الدكتور الأديب -الروائي- تركي الحمد فأبدأ بالتساؤل أولاً: ما التدين الذي يراه الدكتور زائداً عن الحد المطلوب؟ ينبغي أن نعرف معنى التدين أولاً والدكتور أستاذ جامعي يدرك أن تحديد معاني المصطلحات ينبغي أن يأتي قبل النقاش. والتدين هو معرفة هذا الدين معرفة حقيقية من مصادره والتمسك بأركانه الأساسية في السياسة والاقتصاد والاجتماع …الخ. والتاريخ يحكي لنا أن هذه الأمة حينما كانت متدينة -بالرغم من وجود بعض الانحرافات التي لا يخلو منها مجتمع بشري- كانت في القمة في العالم وما زلت أذكر كلام الشيخ الغزالي رحمه الله -في مناظرته لفؤاد زكريا وجماعته- إننا كنّا "العـالم الأول" خمسة قرون لا يشاركنا أحـد في الأولية.
       فتدين هذه الأمة هو الذي قاد أبا بكر الصديق رضي الله عنه يقف في وجه القبائل العربية التي ارتدت عن بكرة أبيها ولم يكن معه سوى ثلاث مدن (المدينة ومكة والطائف). وهو الذي قاد عمر بن الخطاب رضـي الله إلى أن يفتح بيت المقدس ويكتب العهد الذي لم يعرف العالم حتى اليوم تسـامحاً وعدلاً أعظم منه.  هـذا التدين هو الذي جعل عمر بن الخطاب يجري أول استفتاء في التاريخ الإسلامي حينما رأى أن يبقي أرض السواد في أيادي أهلها ولا يقسمها بين الجيش الفاتح. وخالفه من خالفه فلم يكن عمر ليجبر أحداً من المسلمين على الرأي الذي رآه. وهو الذي جعل عمر بن عبد العزيز يرسل قاضياً ليحقق في شكوى أهالي سمرقند حينما دخلها الجيش الإسلامي مخالفاً ما توصل إليه من اتفاق مع أهالي تلك المدينة. وحكم القاضي المسلم على الجيش بالخروج لتدخل المدينة في الإسلام ويصبح لها شأن وأي شأن.
        والتدين هو الذي أبعد الأمة الإسلامية عن أن تكون دولة استعمارية تُسَخِّرُ الشعوب الأخرى وتَسْخَرُ منها، وتستغلها وتنهب خيراتها وثرواتها. التدين الذي لم يجعل العلم والعلماء حكراً على منطقـة واحدة بل انتشر في مشارق الأرض ومغاربها. التدين الذي جعل الأمة الإسلامية قوية مرهوبة الجانب دون تطوير لأسلحة جرثومية وبيولوجية ولا ذرية ولا هيدروجينية. ولكن مادام الآخرون قد امتلكوها فوجب على المسلمين في العصر   الحاضر أن يمتلكوها عملاً بقوله تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} (الأنفال 60)
       والتدين هو الذي جعل جوستاف لوبون- رغم نظرته العنصرية القائلة بتفوق العنصر الأوروبي- يمتدح الفتوحات الإسلامية ويصرح بأن التاريخ البشري لم يعرف فاتحاً أرحم من المسلمين. وهو الذي جعل زيغـرد هونكه تكتب كتابها (شمس الله تشرق على الغرب) توضح فيه إنجازات العالم الإسلامي في مجالات الطب والفـلك والكيمياء والفيزياء، والصناعة.  ويمكن للقارئ أن يعود إلى كتاب الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله تعالى- (من روائع حضارتنا) ليعرف كيف كان التدين هو الذي قاد هذه الأمة إلى الإخلاص في القول والعمل.
    والتدين أيضاً هو الذي أبدعت من خلاله هذه الأمة العظيمة نظام الحِسْبة فيكفي أن يدرس الإنسان هذا النظام ليعلم أن اهتمام الغرب بالمواطن وبالحق والعدل والصدق في التعامل سبقهم المسلمون فيه بأكثر من ألف سنة. ليس العيب في التدين ولكن العيب في أننا لا نعرف معنى التدين الصحيح. فليس التدين بعض المظاهر التي يتظاهر بها البعض -مع اهتمام الإسلام بالمظهر-التي يزعم البعض أنها تغني عن الجوهر. والإسلام دين الجوهر ألم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم (إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى القلوب التي في الصدور) وجاء في الآية الكريمة (إلاّ من جاء بقلب سليم)
        أما قضية الزمن والفهم المقلوب أو المعادلة المقلوبة. نعم قد يكون فينا من يتمسك بالحديث عن الماضي من باب الفخر والاعتزاز ولكنه لا يعمل بما في هذا الماضي من قيم ومبادئ فليس هذا عيب في الماضي أو البحث عن الماضي. إن أوروبا حينما بدأت نهضتها وأخذت أسس النهضة من العالم الإسلامي أصرت على جذورها اليونانية الرومانية. وما زلت أذكر مواد تدرس في جامعة أريزونا الحكومية تهتم بما كتبه أرسطو حتى إنه بالنسبة لهم قد كتب في جميع المجالات فهناك أرسطو والأدب وأرسطو التربية الخ. ولا يمكن أن يكون الأديب فيهم أديباً ما لم يعرف آداب اليونان والرومان، وما لم يعرف آداب عصر النهضة ففي الإنجليزية لا بد أن يكون قد قرأ شكسبير وميلتون وتشوسر ولا بد أن يعرف كوليردج ووردزورث ولورد بايرون وشيلي وغيرهم. ولا بد أن يعرف كتابهم المقدس. وتقدم الجامعات الأمريكية مادة في آداب "الكتاب المقدس". 

        ومن نقدهم لتمسك المسلمين بالماضي أن نعتوا هذا الاهتمام بلفظ مشبع بالسخرية والتهكم - وما هكذا تورد الإبل يا حمد- فيسمون المهتمين بماضي هذه الأمة بالماضويين أو يسمون هذا الاهتمـام بالماضوية. ولمـاذا هذه الصيغ؟ لقد فسّر أحد الماركسيين وهو الدكتور صادق جلال العظم ذلك بقوله إنهم ابتدعوا هذه الصيغ ليؤكدوا قناعتهم بعدم قداسة اللغة. فما الماضوية؟ فما العيب في الماضوية إذا كانت  السير على منهـج الكتاب والسنـة وما كان عليه الخلفاء الراشدون في السياسة والاقتصاد والاجتماع ومحاولة السير على هـذا النهج الذي قال فيه صلى الله علـيه وسلم ( تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك)    أما حديثه عن خيرية هذه الأمة فقد كفاني الأستاذ عبد الله خياط الرد عندما استشهد بما جاء  في تفسير ابن كثير وكذلك ما جاء في كتاب سيد قطب ( في ظلال القرآن) الذي أكد فيه أن هذه الأمة عليها  أن تكون هي التي تعطي الأمم الأخرى في الاعتقاد وفي السياسة وفي الاقتصاد وفي الاجتماع … 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق