الخميس، 31 ديسمبر 2015

وآت ذا القربى حقه

                 
صاح العم غاضباً: وهل له حق عندي؟ هل بلغت الجرأة أن يدّعي ابن أخي أنني استدنت منه؟ ومن هو حتى أستدين منه أو اقترض منه؟ وكأنه كان يقول في نفسه "أنا صاحب الأموال الطائلة يزعم هذا أنه له حقاً عندي." كان هذا رد العم صاحب الملايين عندما قال له أحد مساعديه المقربين: لماذا لا تساعد أحد أقاربك فهو بحاجة للمال لمساعدته في حياته في الوقت الذي تساعد الغرباء فقريبك أولى بالمساعدة.
أليس هذا التفكير عجيباً أن ينسى كثير من الناس هذه الآية الكريمة (وآت ذا القربى حقه) الذي يقول الإمام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيرها (وأمر بإيتاء ذي القربى لِقُربِ رَحِمِه، وخير الصدقة على الأقارب، وفيها صلة الرحم. وقد فضّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة على الأقارب على عتق الرقاب.. أما المسألة الثانية في الآية فهي كما يقول القرطبي:" بل للقريب حق لازم في البر على كل حال. وقال مجاهد: لا تقبل صدقة من أحد ورَحِمُه محتاجة."
ويقول صاحب الظلال في تفسير قوله تعالى (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين): " والقرآن يجعل لذوي القربى والمسكين وابن السبيل حقاً في الأعناق يوفى بالإنفاق، فليس هو تفضلاً من أحد على أحد إنما هو الحق فرضه الله، ووصله بعبادته وتوحيده. الحق الذي يؤديه المكلف البريء ذمته ، ويصل المودة بينه وبين من يعطيه ، وإن هو إلاّ مؤد ما عليه لله."
فهو إذن بالمفهوم القرآني حق لازم وليس منّة ولا فضل. ولكننا نجد بعض الأثرياء في العصر الحاضر يسعون إلى التصدق على الغريب والإحسان إلى الغرباء وقد يعيش أقرباؤهم في ضنك من العيش لا يعلم به إلاّ الله. ويرجع البعض كما ذكر الأستاذ سراج فتحي في مقالة له عن التفاوت الكبير في بعض الأسر في مستويات المعيشة أن الأقل دخلاً أو المحتاجين لديهم من عزة النفس ما تمنعهم من السؤال فإنهم إذا احتاجوا لجؤوا إلى الغريب وتركوا قريبهم.
ولعل البعض من الأثرياء يشترط في تقديم المساعدة أن يتحول القريب المحتاج إلى تابع ذليل يقدم فروض الولاء والطاعة والخضوع، ويتبرع بنقل الأخبار والرخيصون عادة يصنعون الأخبار ولا ينقلونها كما هي لينعموا هم وحدهم بالمكاسب- والحقيقة أن مساعدة القريب يجب أن تكون لوجه الله تعالى. فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان ينفق على قريب له، فلما خاض هذا القريب في أمر الإفك أقسم ألّا يساعده فنزل قول الله تعالى (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله فليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) وعندها عاد الصديق رضي الله عنه للإنفاق على قريبه.
وهناك من المساعدة لذوي القربى وبخاصة إذا كانوا من طلاب العلم وكان هذا العلم مما يمكن أن ينتفع به فلا تنقطع ثمرته بمجرد موت صاحبه كما جاء في الحديث الشريف (ينقطع عمل ابن آدم إلاّ من ثلاث، ومنها وعلم ينتفع به) ولقد تقدمت الأمة الإسلامية وازدهرت حضارتها حينما كان الإنفاق على العلماء وطلاب العلم ديدنها.  ورحم الله المقنع الكندي في قصيدته المشهورة:         
يعاتبني في الدين قومي وإنما                   ديوني في أشياء تكسبهم حمداً
        أسد به ما قد أخلوا وضيعوا                    ثغور حقوق ما أطاقوا لها سداً
إلى أن يقول:

      لهم جلّ مالي إن تتابع لي غنى                    وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق