الأربعاء، 30 ديسمبر، 2015

أبناؤنا والشجاعة الأدبية

                                بسم الله الرحمن الرحيم
                            
دعيت قبل مدة لإلقاء محاضرة في إحدى المدارس الثانوية في المدينة المنورة حول المحافظة على الهوية الإسلامية في عالم يموج بالهويات والثقافات. وانتظرت بعد حديثي الذي لم يزد كثيراً على نصف ساعة أن أسمع أسئلة الطلاب ونقاشهم وقد كدت أظن أن الطلاب لم يفهموا المحاضرة أو أن الموضوع لا يهمهم لولا أن قام طالبان أو ثلاثة فسألوا بعض الأسئلة الجيدة. ثم قام بعض المعلمين بطرح بعض الأسئلة. وهنا تساءلت لماذا لا يملك أبناؤنا الشجاعة الأدبية للسؤال والنقاش؟
وفي هذا المجال تذكرت محاضرة سابقة في ثانوية أخرى بالمدينة المنورة أن الطلاب قدموا أسئلتهم مكتوبة في رقاع صغيرة فكانت أسئلتهم كثيرة جداً ومتنوعة بعضها يتعلق بموضوع المحاضرة وكثير منها لا علاقة له بالمحاضرة. فقلت في نفسي إنهم لو طلب إليهم أن يسألوا شفهياً لما سئلت ربع هذه الأسئلة.
كيف لنا أن ننمي الشجاعة الأدبية عند طلابنا في المرحلة الثانوية أو في الجامعة؟ هل نبدأ من المرحلة الابتدائية أو نبدأ بعد ذلك أو حتى لماذا لا نبدأ تدريبهم على الشجاعة الأدبية قبل ذلك في المنـزل؟ إنني أترك مسألة الإجابة عن هذه الأسئلة للتربويين وإن كان هناك رأي بأن كل أب لا بد أن يكون تربوياً- ولكني أريد أن أرى اليوم الذي يقف فيه الطالب في المرحلة الابتدائية أو المتوسطة أو الثانوية فيناقش أستاذه في فكرة قدمها أو رأي ارتآه.
ومن التجارب التي مررت بها في أثناء دراستي في الولايات المتحدة أنني دعيت إلى إحدى المدارس الثانوية لأتحدث عن الموقف العربي في الصراع العربي الإسرائيلي وكان الفصل الدراسي قد استمع إلى حديث يهودي أو إسرائيلي أو أمريكي صهيوني عن الجانب الآخر. وبعد أن استمع الطلاب للجانبين بدءا مناظرة بين فريقين من الفصل الدراسي، وكانت لجنة من الحكّام تستمع إلى المناظرة لتبدي رأيها في قدرة كل طرف على طرح رأيه وإقناع الخصم به.
إن الشجاعة الأدبية إذا ما تم تكوينها لدى الشباب في هذه المرحلة فإننا نسهم في تطوير البلاد وتقدمها فحين يتخرج هذا الشاب ويعمل في مجال من المجالات ويجد نفسه في اجتماع مع مديره أو أحد رؤسائه فإنه يجد الشجاعة الأدبية ليناقش رئيسه ولعله يقدم رأياً تستفيد منه المؤسسة أو الشركة أو القسم الذي يعمل فيه.
ولنا في السيرة النبوية الشريفة قدوة في تشجيع الشجاعة الأدبية فقد سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه ذات يوم: "أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ولا تحت ورقها،" ولما لم يجب أحد أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنها النخلة . وبعد أن انفض المجلس قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:" يا أبتاه وقع في نفسي النخلة، فقال عمر: ما منعك أن تقولها؟ لو قلتها كان أحب إليّ من كذا وكذا... (البخاري ومسلم)
وقد روت لنا الأحاديث الشريفة أن الرسول صلى الله عليه وسلم " كان يصحب الأطفال معه في الطريق، ويركب معهم على الدابة دون تأفف أو ازدراء " وقد وردت أحاديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم " يا غلام احفظ الله يحفظك...الحديث" وغيره.
وما زلت أذكر أنني طلبت من أستاذ اللغة العربية في المرحلة الثانوية أن يكلف أحد الطلاب أن يقرأ كتاباً ويأتي في الحصة ويتحدث عن الكتاب ويناقشه الطلاب فيما قرأ. ولكن الأستاذ لم يكن متحمساً فقد كان كتاباً واحداً قرأه أحد الطلاب وهو (هاتف من الأندلس) لعلي الجارم. ولم تتكرر التجربة.
والشجاعة الأدبية كما يقول الدكتور سالم سحاب (المدينة المنورة 23صفر1419): أقفلنا أبواباً كثيرة للإبداع والتفوق تحت أعذار واهية وتوهمات خاطئة، فاعتبرنا النقاش البناء خروجاً على الطاعة وقله أدب في حق المعلم والرئيس، وعددنا الحرية المنضبطة معول هدم في أنظمة حياتنا، ونظرنا إلى الأفكار الجديدة نظرة شك وريبة دون أن نفندها أو ندرسها أو نضع لها الموازين القسط." ولنا في سلفنا الصالح قدوة في هذا المجال حيث كان عبد الله بن عباس وشباب الصحابة كانوا يجالسون الكبار حتى قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ..."
نعم إننا بحاجة إلى الشجاعة الأدبية التي تتمسك بالخلق والأدب ولسنا بحاجة إلى أطفال أو شباب لا يحسن توجيه سؤال أو انتقاد فكرة أو اقتراح رأي، وإن الأمة لا يمكن أن تتطور حقيقة إلاّ إذا أضحت الشجاعة الأدبية خُلُقاً عاماً، والله الموفق.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق