الاثنين، 16 نوفمبر، 2015

محاضرة هاري سنايدر التدريب لماذا؟ Harry R. Snyder في حفل تأسيس جمعية نساء الظهران الأمريكيات 24 فبراير 1955م

ترجمة مازن مطبقاني
        حمل النبي {صلى الله عليه وسلم} مشعل التعليم قبل ألف ومائتي سنة، وعلى الرغم من أنه كان أمّياً إلاّ أنه حث أتباعه على "طلب العلم"؛ فالتعليم يمكّن صاحبه من التمييز بين الصحيح والخطأ، إنه ينير الطريق إلى الجنة، إنه الصديق في صحراء الحياة، والرفيق في الوحدة والصاحب عندما لا يكون لك صديق، إنه الدليل إلى السعادة، إنه يمكننا من مواجهة المصائب، إنه المفخرة بين الأصدقاء وسلاح ضد الأعداء. كم يجب علينا أن نكون ممتنين لكلمات محمد {صلى الله عليه وسلم} شكراً للعرب على حكمة اليونان والرومان وعلومهم وثقافات الشرق الأوسط القديمة فهم الذين حافظوا عليها ونقلوها إلينا. يطلق على الشرق الأوسط بحق أنه "محضن" الحضارات، فالعمران والأحساءب وعلم الفلك، وأول عجلة والحروف الأبجدية والري  ومعمل للصلب كما أن الأديان التوحيدية كلها منبعها الشرق الأوسط، فقد كانت اللغة العربية قبل عصر النهضة بكثير هي لغة التعليم الكلاسيكية. وحتى وقت متأخر في عام 1148عندما اصطحب ملك فرنسا لويس السابع الملكة إلينور في الحملة الصليبية الثانية حاولت أن تقنع زوجها أن يتركها لتعيش في أنطاكية بسوريا بدلاً من العودة إلى فرنسا؛ لأن الثقافة والناس في  أنطاكية كانوا أكثر تحضراً من أهل باريس. ولكن بعد العام 1500بدأت الحضارة العربية في التراجع والانحدار والآن إن من مصلحتنا نحن الأمريكيين أحدث الشعوب المستفيدة من حكمة الشرق أن نساعد العرب في نهضتهم.
لقد أثار الشرق الأوسط طموحات الجنود والسياسيين والتجار منذ بداية التاريخ، وربما ليس هناك موقعاً أكثر إستراتيجية في العالم يؤلف جسراً يربط القارات الثلاث أوروبا وأفريقيا وآسيا، وفوق هذه الأرض الجسر عبرت القوافل المثقلة بالبضائع من البهارات والحرير من الشرق الأقصى متجهة إلى أوروبا ، وكذلك الجيوش المنتصرة من كل الأمم. وقد صرح الكاتب المتخصص في الشؤون العسكرية ليدل هارت Liddle Hart أن وادي زرعين في فلسطين قد تخضب بدماء البشر إلى حد لم يشهده أي جزء آخر من العالم. ومع ذلك فقد مثّل هذا الوادي طريقاً قديماً لجيوش مصر وآشوريا وبابل في صراعاتهم المستمرة للسيطرة على العالم. من منكن لم يزر نهر الكلب على الطريق بين بيروت وطرابلس، يجب أن تفعلن ذلك في المرة القادمة حين تزرن لبنان، وهناك سترون نقوشاً على الصخور تدل على الجيوش العظمية التي مرت به، وسوف ترون حتى الآن نقوشاً تمثل الأدلة على الجيوش العظيمة التي مرت به: وسوف تقرؤون بعض القصص بعض الحملات التي قادها قادة مشهورين سواء في التاريخ القديم أو الحديث : رمسيس ونبوخذنصر وسارجون وأشوربانيبال وهي أسماء مألوفة لنا في قصص الإنجيل. وبجانب هذه الأسماء هناك أسماء من التاريخ الأحدث مثل نابليون الثالث وأللنبي وبعض جنرالات الحرب العالمية الثانية والتي ستنقش أسماؤهم بجوار الأسماء الأخرى.
         وفي العام 1725 عندما مات الملك الروسي بيتر العظيم ترك توجيها للشعب الروسي في وصيته يقول فيه: "تقدموا إلى بعد نقطة ممكنة نحو القسطنطينية والهند، فمن يملك تلك المناطق فسيكون السيد الحقيقي للعالم" ومنذ ذلك الحين لم تتغير السياسة الخارجية الروسية.
        وهكذا أصبح العالم الغربي مهتماً فعلاً بالشرق الأوسط في نهاية القرن الثامن عشر عندما أدرك نابليون صحة إستراتيجية بيتر العظيم فقام بالإبحار  إلى مصر عام 1798م بجيش جرار وأسطول بحري للسيطرة على الشرق الأوسط كخطوة أولى للسيطرة على العالم. إن أهمية غزو نابليون لمصر لا ترجع فقط لأنها أول غزو لجيوش غربية  للشرق الأوسط منذ الحروب الصليبية قبل خمسمائة سنة، ولكن أيضاً لأن غزو نابليون لم يكن بالجيوش فقط ولكنه كان بالعلماء والمعلمين كذلك. فقد صحب نابليون معه مئات من العلماء. وقد تمزقت حملة نابليون عندما هزم على يد الجيش المسلم في معركة عكا، وقد كتب نابليون رسالة إلى وزير الحربية بوريين Bourienne صائحاً:" ذرة رمل حطمت حُلُمي ، لو سقطت عكا لهزمت العالم" ، لقد سحب نابليون جيوشه إلى أوروبا ولكنه ترك خلفه العلماء والمعلمين الذين استطاعوا في النهاية في كسب الدول التي قاومت جيوشه، فاليوم ثقافة مصر ودول عديدة أضحت فرنسية نتيجة جهود علماء نابليون.
        لقد أثارت حملة نابليون في الشرق الأوسط اهتمام القوى الأوربية الأخرى، ولقد كانت بريطانيا العظمى أكثر نجاحاً حيث أسست مناطق نفوذ عسكري في أنحاء الشرق الأوسط، وحاولت ذلك إيطاليا وألمانيا بسبب الغيْرة من بريطانيا العظمى ولكنها فشت في تحقيق مناطق نفوذ لها.
        ولم تصبح حكومتنا (الولايات المتحدة الأمريكية) مهتمة في ذلك الحين بذلك الجزء من العالم حتى نهاية الحرب العالمية الأولى، ومع ذلك فقبل ذلك بكثير شارك الأمريكيون أفراداً في القرنين التاسع عشر والعشرين في الحملات تجاه آسيا. فأول أمريكي قدم للعيش في الشرق الأوسط كان عام 1819م أي بعد وقت قصير من الفرنسيين والبريطانيين.
        ففي 10 فبراير 1822م أسست أول مطبعة أمريكية في جزيرة مالطا، ومن المشوق أن نلاحظ أنها كانت ثاني مطبعة حديثة في منطقة البحر المتوسط حيث كانت المطبعة الأولى هي التي حملها جنود نابليون إلى مصر وأطلقوها قبل ربع قرن، ولكن النهضة الحديثة في الشرق الأوسط بدأت حقيقة بالمطبعة الأمريكية.
        قام كل من دانيال تمبل Daniel Temple وإلي سميت Eli Smith ممثلين لمجلس البعثات التنصيرية الخارجية بتأسيس المطبعة وتشغيلها، وفي خلال ثنتي عشرة سنة استطاعا نشر ثلاثمائة وخمسين ألف كتاب ومطوية، ولكنها لم يكونا راغبين في البقاء في مالطا فعيونهما كانت متجهة إلى دول الشرق الأوسط نفسها والتي توفر انطلاقاً أكبر لما يقومان بنشره. وفي 6 مايو 1834م نجحا أخيراً في الحصول على الإذن من السلطان العثماني لنقل المطبعة إلى بيروت.
        وكان إيلي سميث نفسه عالماً كلاسيكياً ولم يكن متمكناً فقط في اللغة العبرية واللاتينية واليونانية، ولكنه كان يعرف جيداً لغات حديثة هي الإيطالية والفرنسية والألمانية والتركية. وعندما انتقل إلى بيروت أتقن العربية  كذلك. وهنا شرع في تصميم حروف عربية قام بترتيبها في مدينة لايبزج Leipzig  وكان هذا النوع من الحروف الذي أصبح يطلق عليه الحروف الأمريكية العربية تطوراً عظيماً في النوع العربي حتى إن استخدامه اتخذ أساساً للطباعة في كل أنحاء العالم الإسلامي، ومازال هو النوع الأكثر استعمالاً حتى الآن.
        وفي عام 1848م كُلّف هو ومساعده اللبناني بطرس البستاني بترجمة الإنجيل من الإنجليزية إلى العربية. وقد كانت الترجمة مهمة كبير فهي ليست فقط ترجمة المفردات من لغة إلى أخرى ولكن كانت أيضاً التعبير عن المفاهيم للنص الأصلي بمصطلحات الشرق الأوسط. فالترجمة تعد دائماً من أصعب الأنواع الأدبية، وقد ثبتت صحة هذا في ترجمة الإنجيل. لقد صارع الدكتور سميت مدة تسع سنوات في هذا العمل في ترجمة العهد القديم قبل أن يموت عام 1857م عن عمر يناهز الخامسة والسبعين.
        وهنا تولى الدكتور كونيليون فان ألن فان دايكConilius Van Allen Van Dyke مهمة الترجمة غير المكتملة، والدكتور طبيب شاب جاء إلى بيروت عام 1840م وقد ولد في مدينة كندرهوك Kinderhook بولاية نيويورك. وعندما وصل انغمس في اللغات وأثبت عبقرية حيث استطاع خلال سبع عشرة سنة أن يتقن العربية والسريانية والعبرية واليونانية والفرنسية والإيطالية والألمانية {هل يستطيع الذين يريدون دراسة الاستشراق أن يفعلوا مثله؟}. لقد أصبح متمكناً من اللغة العربية حتى إن العرب أنفسهم كانوا ينظرون إليه بصفته خبيراً في لغتهم. لقد كان  من المنطقي وبلا نقاش أن يتولى المهمة من الدكتور سميث لإكمال ترجمة الإنجيل على الرغم من أنه لم يكن متخصصاً في اللاهوت. لقد تفرغ بعناية واهتمام كلياً، ولم يكمل ترجمة العهد الجديد فقط بل قام بمراجعة ترجمة الدكتور سميث للعهد القديم.
        وفي عام 1864م (قبل تسعين سنة) طبع الإنجيل باللغة العربية في المطبعة الأمريكية في بيروت باستخدام الحروف العربية الأمريكية التي صممها دكتور سميث، وقد طبع منه حتى الآن خمساً وثلاثين طبعة (حتى عام 1955م) وقد وزع أكثر من مليون نسخة مما جعله أكثر الكتب مبيعاً في الشرق الأوسط. لقد قدم الشرق الأوسط الإنجيل للعالم، ولكن كان الأمريكيون هم الذين أعادوه إلى الشرق الأوسط في لغة يستطيع الناس فهمها. (ولإعطاء القصة لمسة إنسانية أحضرت معي الشيسة التي كان يدخنها دكتور فان دايك حين يحتاج إلى راحة واسترخاء خلال السبع سنوات التي عملها في الترجمة)
        وهكذا وبمنتصف القرن التاسع عشر نجح العلماء الأمريكيون مثل علماء نابليون فيما فشلت فيه الجيوش، وقد أصبح العلماء الفرنسيون والأمريكيون ذوي وجود راسخ في الشرق الأوسط. وحتى هذا اليوم يمارس هؤلاء العلماء تأثيراً في حياة شعوب الشرق الأوسط وفكرهم أعظم مما استطاع جيش نابليون وأسطوله أن يفعلاه.
        وكان الحدث الثاني الأكثر أهمية في الاقتحام الأمريكي للشرق الأوسط هو تأسيس الكلية البروتستانتية السورية في بيروت في ديسمبر 1866م. لقد قرر الدكتور دانيال بلس Daniel Bliss أن شعب الشرق الأوسط بحاجة إلى تعليم عال منظم فانطلق لتأسيس معهد أصبح مشهوراً في العالم بالجامعة الأمريكية في بيروت، وحملت هذا الاسم عام 1920م. وقد عبّر دكتور بلس عن هذا الأمر بقوله:" هذه الكلية لكل الأوضاع والطبقات دون النظر إلى اللون أو الجنس أو العرق أو الدين. يستطيع أي إنسان (رجل) لونه أبيض أو أسود أو أصفر، نصراني أو يهودي أو محمدي {مسلم} أو لا يؤمن بأي دين أن يدخل الجامعة ويستمتع بكل مزايا هذا المعهد مدة ثلاث أو أربع أو ثماني سنوات، ويخرج منها يؤمن بإله واحد أو آلهة متعددة أو لا يؤمن بأي إله. ولكن سيكون من المستحيل لأي شخص أن يستمر معنا مدة طويلة دون أن يعرف أن ما نؤمن به هو الحق وأسباب ذلك الإيمان"، والجامعة الأمريكية في بيروت حققت الاعتراف بأنها واحدة من الجامعات المتميزة في الشرق الأوسط. لقد حققت تأثيراً على التطور الفكري والسياسي والاجتماعي في الشرق الأوسط أكثر من أي مؤسسة منفردة ، وقد كانت الناقل الرئيس للثقافة الأمريكية إلى العالم القديم. كما كانت كذلك المحضن للحركات القومية العربية فهنا ألّف خمسة من الشباب العرب من الأساتذة والتلاميذ جمعية سرية والتي بذرت بذور التمرد والعصيان التي كانت نتائجها تدمير  قيود الحكم التركي.
        وفي سنة 1920 وهي السنة التي تحولت فهيا الكلية السورية البروتستانتية إلى الجامعة الأمريكية في بيروت وقعت الحادثة الثالثة المهمة وهي التي  كان مصيرها أن تدخل الولايات المتحدة في شؤون الشرق الأوسط لسنوات عديدة وربما للأبد. فقد قرر الرئيس هاردنج Harding أنه نتيجة لإسهامنا في الحرب العالمة الأولى أن الولايات المتحدة الأمريكية تستحق جزءاً من احتياطات النفط المكتشف حديثاً والتي كانت أساساً تحت سيطرة بريطانيا العظمى وفرنسا. وبعد مفاوضات طويلة منحت بريطانيا العظمى حقوقاً لبعض شركات النفط الأمريكية للمشاركة في شركة النفط العراقية المؤسسة حديثاً. ولم تكن النشاطات البترولية الأمريكية كبيرة لعدة سنوات. ومع ذلك فإن الامتياز الذي أعطاه الملك عبد العزيز لأرامكو عام 1933م كان علامة على مرحلة نشاط محموم بارز. وقد انشغلت الصناعة الأمريكية بقوة في السنوات التالية. لقد اكتشف البترول في المملكة العربية السعودية عام 1938م ولكن لم ينتج بكميات معتبرة حتى عام 1944م وبالتحديد بعد مائة وخمسة وعشرين سنة من وصول أول أمريكي للإقامة في الشرق الأوسط. والآن سيأتون بأعداد كبيرة. وبعد عام 1944 تناسب  عدد السكان الأمريكان في السعودية مع الزيادة الحادة في إنتاج النفط حتى أصبحت الأحساء وطناً لأكبر مجتمع أمريكي خارج الولايات المتحدة الأمريكية.
         إن الشراكة التي نشأت بين السعودية والولايات المتحدة الأمريكية في تطوير مصادر البلاد البترولية قادت إلى تأسيس برنامج واسع للتدريب عام 1949م لإعداد السعوديين لاستخدامهم في كل أنواع الوظائف في كل المستويات والتي يمكن أن يكونوا مؤهلين لها. وهذا البرنامج كان مبنيا على أفضل أساليب التدريب فعالية التي طورت في الولايات المتحدة الأمريكية خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها وفي المؤسسات الصناعية خارج البلاد. ومع ذلك فقد وجدنا أن تعديلات مهمة يجب أن نحدثها في آليات التدريب لمواجهه الظروف غير الطبيعية في السعودية. فمثلاً كانت نسبة الأمية في السعودية تصل إلى وقت قريب إلى 85% ، فهم أميون في لغتهم وكذلك في اللغة الإنجليزية. فكيف نقدم تدريباً صناعياً لأشخاص استعدادهم ضعيف لتقبله. بالطبع لا نستطيع. فقبل التعيين في عمل دوام كامل أو في وقت متزامن مع العمل فإن الموظف  الجديد يحب أن يعطى ثلاث دورات (3 R's) لتمكينه من استيعاب تدريب متخصص في المهارات أو حتى يتعلم بسرعة من تجربة العمل اليومي. ولذلك وجدنا أن علينا أن نقدم تدريباً في أثناء العمل،  وكذلك من خلال دراسة ليلية اختيارية في التعليم العام. وعادة يتلقى الشباب التعليم في مواطنهم قبل أن يصبحوا عمالاً صناعيين. ولكن  احتياجات أرامكو والسكك الحديدية  والمؤسسات الأخرى في منطقة الأحساء لليد العاملة كانت كبيرة جداً تزيد كثيراً عن المتوفر.
        وعندما يكون بالإمكان توظيف سعوديين ممن تلقوا تعليماً في المدارس بين ست سنوات إلى إحدى عشرة سنة فإن مشكلة التدريب الصناعي ستكون بسيطة. ولكن التعقيدات ذات الطبيعة التعليمية والسياسية تظهر لحظة يوجه البرامج التعليمية لوظائف أرامكو. فالجميع يوافقون على أن التعليم العام يجب أن لا يكون مظهراً دائماً لتدريب أرامكو وإنما في الوقت الحالي لا يوجد بديل حيث إن هناك أعداد محدودة من المدارس الابتدائية في شرق المملكة العربية السعودية. ومن أجل مساعدة وزارة المعارف في مقاطعة الأحساء بمهمته الصعبة التي تحتاج إلى تصميم وعزيمة،  فإن الشركة قد شرعت في برنامج بناء المدارس والتي سأقدمها لكم الآن.
        هناك  أوجه كثيرة جداً لبرنامج التدريب التي يمكن أن أناقشها هنا ولكني أود أن أقترح أن نؤجل مناقشة التفاصيل حتى نهاية حديثي هذا. ومع ذلك فكل واحدة منكم ستحصل قبل أن تغادر على كتيب بعنوان "تدريب الموظفين السعوديين" ويحتوي القصة الكاملة لتاريخ أرامكو في مجال التدريب وسياساتها وإجراءاتها، وواضع الكتيب هو روي ليبكيكر Libkicher مدير التدريب الذي أعدّ الكتاب السنوي لعام 1954 المنشور بالاشتراك بين جامعة لندن وجامعة كولومبيا بنيويورك.
        ومع ذلك فأرغب في أن أوضح بعض النقاط من إنجازاتنا في رفع مستوى القوى العاملة السعودية والذي يعكس فعالية التدريب. دعونا ننظر إلى وضع القوى العاملة في نهاية 1949م والآن بعد خمس سنوات في نهاية عام 1954م. لقد وجد 301 من العمال السعوديين شبه المهرة على قوائم الرواتب والآن في نهاية عام 1954 وصل العدد إلى 1843، والأكثر روعة أنه في نهاية عام 1949 كان السعوديون في كل المهن والعمل المكتبي والمناصب الإشرافية (في الدرجة 6 فما فوق) عددهم 84وبنهاية عام 1954 أصبح هذا العدد 1131، فمن أين أتوا؟ لم يكن من الممكن توظيفهم في سوق العمل المفتوحة. ودعونا ننظر فيما حصل للسعوديين في الميادين المتقدمة من التدريب. فخلال السنوات الثلاث الأخيرة أرسل 49 شاباً سعودياً في منح دراسية لمهمات تدريبية في كلية حلب والجامعة الأمريكية في بيروت وفي مستشفى كنيدي  التذكاري في طرابلس. وباستثناءات قليلة كان هؤلاء الشباب أميين تقريباً عندما التحقوا بالعمل في أرامكو قبل ثمان إلى عشر سنوات. فالخلفية التعليمية الوحيدة التي حصل عليها معظمهم هو ما يعادل أربع سنوات من الدراسة الابتدائية في اللغة العربية والإنجليزية والحساب التي يقدمها برامج تدريب أرامكو. وبهذا الاستعداد الضعيف جداً استطاع أحد عشر من التسعة والأربعين الحصول على دبلوما في التمريض من مستشفي كنيدي وهناك ستة على وشك التخرج من حلب ومن الجامعة الأمريكية في بيروت، وسبعة من المجموعة  في السنة الثانية من الجامعة وخمسة منهم في السنة الثالثة. ونتوقع أن نحصل على 29 خريجاً من التسعة والأربعين الذين أرسلوا إلى معاهد التعليم العالي. وأين تجد في العالم إنجازاً يضارع هذا الإنجاز. وهذه الأرقام إنما هي تنسب للجهود التدريبية المخلصة لأزواجكن وللقدرات الاستثنائية للسعوديين الموهوبين ليتعلموا بسرعة ويتلاءموا بسرعة مع الظروف الجديدة.
        وتعد سنة 1954 و1955 من السنوات المميزة بسبب النشاطات المكثفة لأرامكو في بناء المدارس. لقد تم تحديث مدرسة الفرصة  Opportunity School في رأس تنورة وتمت توسعتها وهناك مبنى جديد للمدرسة على وشك الانتهاء في كل من أبقيق والظهران. كما تمت إعادة تصميم مبنى التدريب الصناعي في الظهران وتوسعته. ولكن برنامج البناء الذي بلا شك سيؤثر في شعب المملكة العربية السعودية وحكومتها هو مشروع المدارس الابتدائية الذي يتم حالياً. فأرامكو تبني الآن وتجهز وتقدم الصيانة لعشر مدارس ابتدائية لتضم ألفين وأربعمائة طالب كإسهام تعليمي من الشركة لسكان مقاطعة الأحساء. وقد تم بناء مدارس لثلاثمائة تلميذ في كل مدرسة في  كل من الدمام والخبر والهفوف. ويتم بناء مدارس لمائتي تلميذ في كل من المبرز و سيهات والرحيمة. وثمة مبنى مدرسي ثان في الدمام وواحد في الثقبة سيبدآن حوالي الأول من مايو، وهناك مدرستان إضافيتان سيتم بناءهما في مواقع يتم تحديدها فيما بعد. ويجب أن أوضح أن وزارة المعارف في حكومة المملكة العربية  السعودية سوف تقوم بتعيين المدرسين وتضع المناهج وتشغل هذه المدارس بصفته جزءاً من نظامها المدرسي العادي. إن أرامكو تبني وتدفع للتشغيل ولكن هذا هو كل شيئ. آمل أن تزرن واحدة من هذه المدارس، سيكون انطباعكن جيداً بالتأكيد.
        هذه قصة قرن ونصف من الغزو السلمي أو التغلغل الأمريكي في الشرق الأوسط. وستدركن بالتأكيد أن تاريخ الشرق الأوسط الحديث قد صبغ بالنشاطات التوسعية الأمريكية. وسواء اعترفنا أو لم نعترف بحقيقة الفلسفة السياسية والاقتصادية الأمريكية فإن الديناميكية العملية الأمريكية والمؤسسات الأمريكية قد أثرت في تاريخ الشرق الأوسط خلال القرن الماضي. إن النقاط الأربعة عشر وبخاصة مبدأ "تقرير المصير" أصبح جزءاً من الفلسفة السياسية لشعوب الشرق الأوسط من ضمن الأشد تأييداً للرئيس ويلسون في الولايات المتحدة الأمريكية. ومازال نيلسون يمثل المثال الأمريكي لآلاف عديدة من الشرق أوسطيين.
        وبخصوص الاقتصاديات والتجارة والصناعة فإن الأساليب الأمريكية والمنتجات قد تغلغلت بعمق في حياة الشرق الأوسط منذ الحرب العالمية الثانية وقد غيرت أنماط الثقافة الأساسية وربما للأبد واحدة من أقدم الحضارات في العالم. وهذا صحيح بصفة خاصة في المملكة العربية السعودية بسبب عمليات أرامكو في العشرين سنة الماضية. ولا يمكن إدارة عقارب الساعة إلى الخلف مطلقاً. لقد اختار السعوديون. وبغض النظر فيما إذا كان الاختيار جيداً أو سيئا بالنسبة لثقافتهم المحلية فإنهم يتبعون نجمنا بإيمان واضح بأن هناك حياة أفضل في المستقبل.
        ومن أجل إنجاز العمل بأفضل وجه نجد أننا في السعودية مضطرين للقيام بمهمات ليست عادة مما تقوم بها المؤسسات التجارية في الولايات المتحدة الأمريكية.  ولكما زادت مزايا الموظفين وكلما قدمنا خدمات مجتمعية أكثر وأصبحت جزءاً أساسا من نشاطات أرامكو (التعليم كما هو فيما نتحدث عنه) حتى أصبحنا نعمل كأننا "دولة رعوية" لقد كانت الشركة مدركة دائماً للأخطاء لتوسيع نطاق المزايا والخدمات مع الاهتمام بالدراسات البترولية. ففي ميدان التعليم والتدريب نحن مهتمون حتى إننا سنصبح غارقين في التفكير في مسألة فلسفة التعليم والمناهج والإدارة المدرسية حينما ندخل في مجال التعليم العام. وبالتالي علينا بالتأكيد أن نسأل أنفسنا السؤال الآتي: "التدريب لماذا؟"
        يقول إي. إل. دو جولير E. L. De Golyer مدير معهد البترول وهو رجل معروف لكثير منكن: "إن شركات البترول تقوم بواجبات هو العمل المعتاد من الدولة. ومن مصلحة الدولة والشركة أن تقصر الشركة عملها على العمل المناسب من إنتاج الزيت ونقله وتكريره  وتسويقه. ولكن في عملية ريادية فإن على الشركة أن تدخل في نشاطات إضافية من أجل أن تعتني بموظفيها ولكن حتى  تستقر الأوضاع وعندها تقوم الدولة بمهماتها التي تقوم بها حاليا الشركات وتستطيع الشركات أن تتقاعد من القيام بهذه الأعمال.
       أخذت الظروف في الاستقرار في مجال التعليم والتدريب  والتي كان التركيز الأساسي فيها على التدريب المكثف على مهارات العمل. لقد احتجنا مهنيين سعوديين وقمنا بتطويرهم. أعتقد أننا بالفعل في نهاية مرحلة في السعودية. وحيث نبدأ برنامجاً تدريبياً جديداً- ربما يستمر خمس سنوات- يجب علينا بالطبع أن نعرف إلى أين نتجه. يجب أن نوسع تدريبنا لوظائف أرامكو لا أن ندرب من أجل المواطنة. أريد أن الفت انتباهكم إلى تقارير ثلاثة مهمة وتصريحات سوف تؤثر في قراراتنا. أولها اللقاء الصحفي مع سمو الأمير فهد وزير المعارف كما نشر في صحيفة مكة " البلاد السعودية" يوم 18 أغسطس 1954، والثاني تقرير لممثل الحكومة السعودية لمؤتمر "التعليم الإلزامي والمجاني في الدول العربية الذي عقد في الفترة من 29 ديسمبر 1954 حتى 11يناير 1955م" ، والثالث المقالة المعنونة "عصر جيد من التعليم العام في المملكة العربية السعودية" في الصحيفة اليومية ديلي ستار البيروتية في 18 فبراير  1955م. وكل هذه الثلاث تغطي النقاط نفسها وهي:
1-             أن ميزانية الحكومة السعودية للتعليم زادت عن الضعف لهذا العام لتبلغ ثمانية وأربعين مليون مقارنة بعشرين مليون في العام الماضي. وخصص تقريباً نصفها للتعليم الابتدائي حيث سيبنى مائتين وتسع وستين مدرسة.
2-             ستبني مدرستان صناعيتان.
3-             ستبنى معاهد إعداد المعلمين في عدة مناطق
4-             التربية البدنية والتعليم الصحي (مع وحدات صحية متنقلة تتكون من سيارة إسعاف وطبيب وممرض) ستخصص لكل المدارس.
        ولا يعني هذا كله بالضرورة أن مشكلاتنا قد حُلّت، وأن السعوديين أنفسهم يفهمون أهدافنا ويجيبون سؤالنا: "التدريب لماذا؟" ولكن هذا يعني أنه بسبب الثورة الاجتماعية الكبرى التي توشك أن تحدث في السعودية أن التزامات أرامكو وعملها سوف يتغير. فخلال المرحلة الانتقالية فإن أولئك الذين لديهم مسؤوليات تتعلق بالعلاقات الحكومية والعلاقات الصناعية والنشاطات التدريبية يحتاجون إلى مساعدة منكن أيتها النسوة لمساعدتنا للقيام بتقويم ذكي للثقافة الأمريكية والسعودية. لا أحد يملك الحكمة أو لديه المعلومات الكافية ليغامر وحده في دراسة التراكم وبخاصة عندما يجب أن نعمل مع ثقافات متشعبة في بعض الأوقات مثل الثقافات الشرق أوسطية والثقافات الغربية. وها هنا نشاط يمكن لمجموعة النساء أن تقوم به بصفته جزءاً من برنامج دراسة منتظم. إنني أطلب منكن النظر في تكوين مجموعات دراسية في موضوعات مثل الدين الإسلامي، وعلم الإنسان التطبيقي، والتربية المقارنة، والتثقيف، وصحة المجتمع ...إلخ. إن بعضاً من أزواجكن يقومون بمثل هذه الدراسات الآن ولكن ليس هناك حتى الآن عملاً بحثياً كافياً في هذه الميادين . إنكن أيتها النسوة ستقدمن إسهاما معتبراً لعمل أزواجكن وفي الوقت نفسه ستضيفون نكهة حقيقية للحياة بدراسة الثقافة السعودية عندما تنغمسن في المشروع. لديكن الآن معملاً يدخل السرور على قلب أي عالم اجتماع أو متخصص في علم الإنسان.
لقد قال برنارد شو Bernard Shaw  في كتاب موجه للنساء الأمريكيات ختمه بهذه الكلمات: "المرأة الأساسية ستكون هي التي تأخذ من وطنها أكثر مما تعطيه، والشخص العادي سيكون هو الشخص الذي يعوض ما يأخذ، والسيدة هلي التي ستترك الأمة مدينة لها، والعالم عالماً أفضل مما وجدته."

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق