التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أبناؤنا والشجاعة الأدبية

                                      بسم الله الرحمن الرحيم
                
دعيت قبل مدة لإلقاء محاضرة في إحدى المدارس الثانوية في المدينة المنورة حول المحافظة على الهوية الإسلامية في عالم يموج بالهويات والثقافات. وانتظرت بعد حديثي الذي لم يزد كثيراً على نصف ساعة أن أسمع أسئلة الطلاب ونقاشهم وقد كدت أظن أن الطلاب لم يفهموا المحاضرة أو أن الموضوع لا يهمهم لولا أن قام طالبان أو ثلاثة فسألوا بعض الأسئلة الجيدة. ثم قام بعض المعلمين بطرح بعض الأسئلة. وهنا تساءلت لماذا لا يملك أبناؤنا الشجاعة الأدبية للسؤال والنقاش؟
وفي هذا المجال تذكرت محاضرة سابقة في ثانوية أخرى بالمدينة المنورة أن الطلاب قدموا أسئلتهم مكتوبة في رقاع صغيرة فكانت أسئلتهم كثيرة جداً ومتنوعة بعضها يتعلق بموضوع المحاضرة وكثير منها لا علاقة له بالمحاضرة. فقلت في نفسي إنهم لو طلب إليهم أن يسألوا شفهياً لما سئلت ربع هذه الأسئلة.
كيف لنا أن ننمي الشجاعة الأدبية عند طلابنا في المرحلة الثانوية أو في الجامعة؟ هل نبدأ من المرحلة الابتدائية أو نبدأ بعد ذلك أو حتى لماذا لا نبدأ تدريبهم على الشجاعة الأدبية قبل ذلك في المنـزل؟ إنني أترك مسألة الإجابة عن هذه الأسئلة للتربويين وإن كان هناك رأي بأن كل أب لا بد أن يكون تربوياً- ولكني أريد أن أرى اليوم الذي يقف فيه الطالب في المرحلة الابتدائية أو المتوسطة أو الثانوية فيناقش أستاذه في فكرة قدمها أو رأي ارتآه.
ومن التجارب التي مررت بها في أثناء دراستي في الولايات المتحدة أنني دعيت إلى إحدى المدارس الثانوية لأتحدث عن الموقف العربي في الصراع العربي الإسرائيلي وكان الفصل الدراسي قد استمع إلى حديث يهودي أو إسرائيلي أو أمريكي صهيوني عن الجانب الآخر. وبعد أن استمع الطلاب للجانبين بدءا مناظرة بين فريقين من الفصل الدراسي ، وكانت لجنة من الحكّام تستمع إلى المناظرة لتبدي رأيها في قدرة كل طرف على طرح رأيه وإقناع الخصم به.
إن الشجاعة الأدبية إذا ما تم تكوينها لدى الشباب في هذه المرحلة فإننا نسهم في تطوير البلاد وتقدمها فحين يتخرج هذا الشاب ويعمل في مجال من المجالات ويجد نفسه في اجتماع مع مديره أو أحد رؤسائه فإنه يجد الشجاعة الأدبية ليناقش رئيسه ولعله يقدم رأياً تستفيد منه المؤسسة أو الشركة أو القسم الذي يعمل فيه.
ولنا في السيرة النبوية الشريفة قدوة في تشجيع الشجاعة الأدبية فقد سأل الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه ذات يوم :"أخبروني بشجرة مثلها مثل المسلم تؤتي أكلها كل حين بغذن ربها ولا تحت ورقها ،" ولما لم يجب أحد أخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنها النخلة . وبعد أن انفض المجلس قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما:" يا أبتاه وقع في نفسي النخلة ، فقال عمر : ما منعك أن تقولها؟ لو قلتها كان أحب إلي من كذا وكذا ..(البخاري ومسلم)
وقد روت لنا الأحاديث الشريفة أن الرسول صلى الله عليه وسلم " كان يصحب الأطفال معه في الطريق ، ويركب معهم على الدابة دون تأفف أو ازدراء " وقد وردت أحاديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم " يا غلام احفظ الله يحفظك ..الحديث" وغيره.
وما زلت أذكر أنني طلبت من أستاذ اللغة العربية في المرحلة الثانوية أن يكلف أحد الطلاب أن يقرأ كتاباً ويأتي في الحصة ويتحدث عن الكتاب ويناقشه الطلاب فيما قرأ. ولكن الأستاذ لم يكن متحمساً فقد كان كتاباً واحداً قرأه أحد الطلاب وهو ( هاتف من الأندلس ) لعلي الجارم.ولم تتكرر التجربة.
والشجاعة الأدبية كما يقول الدكتور سالم سحاب ( المدينة المنورة 23صفر1419) : أقفلنا أبواباً كثيرة للإبداع والتفوق تحت أعذار واهية وتوهمات خاطئة ، فاعتبرنا النقاش البناء خروجاً على الطاعة وقله أدب في حق المعلم والرئيس ، وعددنا الحرية المنضبطة معول هدم في أنظمة حياتنا، ونظرنا إلى الأفكار الجديدة نظرة شك وريبة دون أن نفندها أو ندرسها أو نضع لها الموازين القسط." ولنا في سلفنا الصالح قدوة في هذا المجال حيث كان عبد الله بن عباس وشباب الصحابة كانوا يجالسون الكبار حتى قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما( كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر .."
نعم إننا بحاجة إلى الشجاعة الأدبية التي تتمسك بالخلق والأدب ولسنا بحاجة إلى أطفال أو شباب لا يحسن توجيه سؤال أو انتقاد فكرة أو اقتراح رأي، وإن الأمة لا يمكن أن تتطور حقيقة إلاّ إذا أضحت الشجاعة الأدبية خُلُقاً عاماً ، والله الموفق.
 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

حوار مع المستشرق برنارد لويس

               عندما شرعت في إعداد بحث الدكتوراه حول منهج المستشرق برنارد لويس كان لا بد من الإعداد للقائه، وقد زرته في مكتبه في جامعة برنستون التي كان قد تقاعد منها ولكنه كان يحتفظ بمكتب فخم كبير. وأجريت معه لقاءً مطولاً قدمت له فيه عدة أسئلة فأجاب عنها وسجلتها في آلة التسجيل ثم نسخت المادة وبعثتها إليه لتوثيقها. وتأخر كثيراً في توثيق الحوار وفي الأخير أرسل الحوار مطبوعاً كله ومعه رسالة اعتذار يبدي فيها أسفه للتأخر في الرد ولو لم أزعجه بالتعقيب لما اعتذر.        وفيما يأتي الأسئلة وإجابات لويس ثم تعليقي على الإجابات. وعلى الرغم من أنني ناقشت تلك الإجابات في طيات رسالتي للدكتوراه لكني هنا جمعت تلك التعليقات في مكان واحد. الأسئلة والإجابات:        لهذا الحوار قصة طريفة، فقد سبقه مراسلات بين الباحث والمستشرق، وقد اتسم رد لويس بالتردد والممانعة. كما إنه كال التهم جزافاً للباحثين والمؤرخين في دول العالم (غير الحر) من حيث عدم تمتعهم بما يتمتع به الباحثون في (العالم الحر) من حرية الرأي، وأن بح...