الأحد، 26 فبراير، 2017

صناعة المؤتمرات ومعوقاتها

كتبت ذات مرة معلقاً على مقالة الأستاذ محمد ناصر الحقباني التي نُشرت في جريدة الجزيرة وأعاد منتدى تفسير نشرها قائلاً سأتحدث هنا عن المسكوت عنه في مقالة الأستاذ الحقباني: ففي البداية ارتبطت الموافقة على المؤتمرات بالموافقة السامية، وهذا إجراء يستغرق زمناً طويلاً في الأحوال العادية. وقد رسخت هذه الثقافة لأن المؤتمرات كانت تعتبر منبراً لا يمكن السيطرة عليه، ولما جاء عصر الإنترنت والفضائيات أصبحت هذه القضية من الماضي لأن ما يقال ويكتب اليوم أكثر بكثير مما يمكن أن يقال ويكتب في المؤتمرات. فالخطوة الأولى أن تصبح المؤتمرات شأناً داخلياً داخل الجامعة ولا مانع أن تشعر الإدارات المختلفة بحصول المؤتمر إن أرادت أن تعرف ما يدور فيه. والأمر الثاني أن المؤتمرات يجب أن يكون فيها رسوم تسجيل (وليس الرسوم التي تكسر الظهر أو تكون استغلالية) وهذه الرسوم جعلت بعض الجامعات تجعل المؤتمرات فرصة لكسب المال غير الحلال. ولكن إن فرضنا الرسوم فعلينا أن نحرص على دعوة المتخصصين الذين يمكن أن يقدموا بحوثاً علمية رصينة، كما أنه ينبغي أن يكون لدينا آليات لنشر الأخبار عن المؤتمرات، فما زلنا في مؤتمراتنا العربية نعتمد على الأساليب القديمة من إرسال خطابات إلى السفارات فالوزارات فمدراء الجامعات وهذا يستغرق وقتاً طويلاً فخبر عن مؤتمر عام 2000 استغرق من وقت إرساله إلى وصوله إلى كلية الدعوة (فرع جامعة الإمام حينذاك ) أربعة أشهر وقد وصل مكتب العميد بعد يوم من آخر موعد لتقديم المقترحات. (وعلى الهامش عرفت عن الخطاب ليس لأن العميد أطلعني عليه ولكن تفرسي بما على مكتب العميد من أوراق -استراق النظر الحلال- فقلت له أعطني نسخة من هذا الخطاب. وأرسلت إليهم بانه نظراً للبيروقراطية في جامعتي لم أعلم عن مؤتمركم إلاّ اليوم فهل يمكن أن أبعث مقترحاً، وكانت المراسلة بالبريد الإلكتروني في بداية دخوله المملكة، ووافقوا وقبلوا الموضوع ولكن العميد رأى أن العولمة لا علاقة لها بالاستشراق جهلاً منه) 
عندما تتحرر الموافقة على المؤتمرات من الحصول على إذن من خارج الجامعة فعندها يمكننا أن نتعلم صناعة المؤتمرات الحقيقية بأن لا يكون المؤتمر فرصة لكسب المال (وإن كان المال شيئا طيبا إن كان حلالاً) بل لا بد أن يكون عملاً يحبه من يقوم به، والتمويل أمر ضروري للمؤتمرات. فقد كنت أتحدث بالأمس أن شركة شل تمول دراسات اجتماعية في ألمانيا عن الشباب فماذا تمول شل ونحن نغير زيوتنا منها ولها نصيب في بترولنا، فلماذا تمول في ألمانيا ولا نعرف عن مشروعاتها هنا؟ فأين البنوك والمؤسسات المالية الكبرى التي لا تكاد تقدم شيئاً للمجتمع؟ فلا بد أن تكون بين الجامعة وبين أصحاب الأموال علاقة قوية يدعمون المشروعات العلمية، ذكر أستاذ درس في ألمانيا أن شركة فوكس واجن مولت عمل قاموس عربي ألماني وربما عربي عامي ألماني.
بعد الانتهاء من قضية التصاريح والأذونات علينا أن نطور مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني إلى الأكاديمية السعودية للعلوم الاجتماعية وتكون هي الراعية والحاضنة للنشاطات الفكرية، فالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية كان مبناها عام 1947 لا يزيد على أربعة طوابق وفي عام 2000 صارت أكثر من عشرين طابقاً، وتكاد تبحث وتشجع كل أنواع البحوث. فلماذا يبقى المركز هو المكان الوحيد للحوار؟ يجب أن تشتعل البلاد حوارات ونقاشات في العلن. لقد عشت لأرى أقساماً علمية تمر عليها خمس وست وسبع سنوات لم تعقد ندوة واحدة ولا محاضرة ولا مؤتمراً بل بعض الرؤساء يعطلون ما كان موجوداً.
والمؤتمرات أنواع بعضها يتطلب الورقة كاملة (وهو أمر تصر عليه كل مؤتمراتنا في المملكة) بينما هناك مؤتمرات تكتفي بالملخص وللباحث أن يأتي ببحث كامل مكتوب أو يعد مسوّدة أولى لبحثه، وقد قدمت أربع أو خمس بحوث لم أكملها حتى اليوم وحين قدمت لم تختلف عن أي ورقة كانت مكتوبة بالكامل.
ومن صناعة المؤتمرات أن تلغى مسألة الوجاهة وغيرها ففي مؤتمر متخصص دعي بعض كبار المسؤولين لإدارة جلسات علمية لعلماء أفاضل يملكون من العلم والمعرفة أضعاف من يديرون تلك الجلسات، فينبغي أن نخرج من هذه الأساليب. لمؤتمراتنا عيوب كثيرة يجب أن نتعلمها ويجب أن نبحث عن الخبراء في شأن المؤتمرات فنفيد منهم. وأذكر أنه عقد مؤتمر في جامعة سعودية وكان كارثة في تنظيمه والأشخاص الذين حضروه من الجانب السعودي فكتب أحدهم إلى مدير تلك الجامعة بأسلوب رقيق ينتقد تنظيم ذلك المؤتمر، ولم يتلق أي رد ولا حتى شكر على اهتمامه وكتابته. وهو ما يجعل ثمة فرق بين مسؤول عندنا لا يرد ومسؤول في جامعة أخرى كما قال الابن محمد حطحوط المبتعث إلى الولايات المتحدة أنك تضمن رد مدير الجامعة خلال ساعات وليس خلال سنوات أو لا يأتي الرد مطلقاً.
المؤتمرات كما هي قضية اقتصادية كما أشار كاتب المقال (مؤتمر حضرته في إسبانيا حضره أكثر من ألفي شخص، احتلوا ألفي غرفة وأكلوا عدة آلاف من الوجبات واشتروا وغير ذلك) فهي قضية علمية حقة، حيث إن بعض المؤتمرات تقدم فيها بحوث رصينة تثري العلم والمعرفة كما تقيم بعض المؤتمرات معارض على الهامش وتقيم جوائز للكتاب. فأين نحن من كل هذا؟ 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق