الثلاثاء، 27 أكتوبر، 2015

الشيخ المجاهد مصطفى السباعي رحمه الله

الشيخ المجاهد مصطفى السباعي رحمه الله
كتب موريس أبو ناضر مقالة نشرتها جريدة (الحياة) اللندنية قبل عدة أعوام عن ريادة إدوارد سعيد في دراسة الاستشراق ونقده عليه وذلك من خلال كتابه المعروف الاستشراق الذي نشر باللغة الإنجليزية وترجم إلى العديد من اللغات ونال اهتماماً كبيراً في الأوساط الغربية والعالمية. ولما كان أبو ناضر قد زعم في مقالته تلك أن كتاب إدوارد سعيد هو أو دراسة تحليلية نقدية للاستشراق، فقد أزعجني هذا الزعم الذي يعد من قبل التعميمات الجارفة (أو الجزافية) فقد غمط حق شيخنا الفاضل الدكتور مصطفى السباعي. ولذلك كتب لجريدة الحياة، العدد 11550 في 27/4/1415الموافق 2 أكتوبر1994م أرد على موريس هذا بأن علماءنا المسلمين الكبار تناولوا دراسة الاستشراق ونقده منذ سنوات عديدة وكانت لهم جهود رائده في هذا المجال. وهذا المقال سيظهر إن شاء الله في هذا الموقع في المستقبل القريب ولكني سأتناول في هذا العدد شخصية الدكتور مصطفى السباعي باعتباره أحد الرواد الأوائل في مجال الدراسات الاستشراقية ولن يكون المقال مخصصاً للحديث عن هذا الجانب ولكنه تعريف عام بالشيخ الدكتور الفقيه المجاهد مصطفى السباعي رحمه الله.
المقال
نشرت جريدة الحياة اللندنية مقالة لموريس أبو ناضر زعم فيها أن كتاب إدوارد سعيد الاستشراق) هو أول دراسة تحليلية نقدية للاستشراق متجاهلاً الجهود الكبيرة التي بذلها علماؤنا الكبار في هذا المجال. ونظراً لمعرفتي بكتابات الدكتور السباعي حول قضايا الاستشراق وقيامه برحلة إلى أوروبا حاور فيها المستشرقين وتلاميذهم فيما كتبوه، كما أن كتابه (السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي يعد رداً موسعاً على موقف المستشرقين من الحديث الشريف وعلى رأسهم المستشرق اليهودي المجري إجناز جولدزيهر. ولذلك قررت الكتابة للتعريف بالشيخ مصطفى السباعي رحمه الله
وقد دعاني إلى الكتابة عن الشيخ مصطفى السباعي أيضاً أن جامعة اكستر البريطانية قد عقدت ندوة أو مؤتمراً بمناسبة مرور الذكرى الثانية لوفاة المؤرخ المصري محمد عبد الحي شعبان الذي عمل في هذه الجامعة رئيساً لقسم الدراسـات الإسلامية مدة طويلة. وقد اطلعت على بعض إنتاج المؤرخ المذكور فوجدته أساء إلى التاريخ الإسلامي أكثر مما قام بمثله كثير من المستشرقين، وهاهم يحتفلون بذكره أو ذكراه، فكم من مؤتمر عقدنا في الجامعات العربية الإسلامية احتفاءً بذكرى السباعي رحمه الله وأمثاله ممن قدموا جهداً ونتاجاً فكرياً مباركاً؟
نشأته وتعليمه
ولد الشيخ مصطفى السباعي عام 1334ـ1915م في مدينة حمص السورية لأسرة عريقة في العلم والتدين والجهاد. فقد كان والده حسني السباعي من علماء حمص المعدودين، وكان خطيب الجامع الكبير فيها. بدا رحمه الله تعليمه بحفظ القرآن الكريم ومبادئ العلوم الشرعية، ثم التحق بالمدارس النظامية حتى أنهى الدراسة الثانـوية عام 1930م، ولم يكن التعليم النظامي المصدر الوحيد للتعليم لدى السباعي
فقد كان يحضر مجالس أبيه التي كانت تضم كبار علماء حمص حينذاك، كما كان يتردد إلى العلماء، وكان يحب المطالعة كثيراً في كتب الأدب والثقافة عموماً، وفي عام 1933م التحق بقسم الفقه في الجامعة الأزهرية بالقاهرة، ثم انتقل إلى كلية أصول الدين ونال الماجستير منها، أما بحثه للدكتوراه فكان بعنوان: السنّة ومكانتها في التشريع الإسلامي) الذي ردّ فيه على شبهات المستشرقين حول السنة وبخاصة شيخهم المجري اليهودي إجناز جولدزيهر بأسلوب علمي رصين
حياته التعليمية
بدأ السباعي التدريس في المدارس الثانوية بحمص، ولم يجد في المدارس ما يشفي غليله من ناحية المنهج أو الأهداف التربوية فأسس المعهد العربي في دمشق وكان أول مدير له وفي عام 1950 انتقل للتدريس في كلية الحقوق بجامعة دمشق، ولكنه كان يرى أن الشريعة الإسـلامية يجب أن تحظى بكلية خاصة فدعا إلى ذلك وأسهم إسهاماً كبيراً في إنشائهـا وكان أول عميد لها حينمـا تأسست عام 1955م
ولم يقتصر عمله على التدريس أو العمل عميداً للكلية أو رئيساً لقسم الفقه ومذاهبه في الكلية نفسها بل كان له نشاط مكثف في إلقاء المحاضرات العامة رغم ما كانت تسبب له من إرهاق شديد، وكان يقاوم متاعبه الجسمية للقيام بهذه المهام الصعبة وكان يقول:" خير لي أن أموت وأنا أقوم بواجبي نحو الله من أن أموت على فراشي فالآجال بيد الله، وإن ألمي من حرمان الطلاب من دروس التوجيه أشد وأقسى من آلامي الجسدية، وحسبي الله عليه الاتكال "
حياته العملية والسياسية
بالإضافة إلى هذه الأعمال العليمة التي تحتاج إلى فريق من الناس، فقد تطلع السباعي إلى خدمة أمته في مجالات أخرى حيث دخل البرلمان نائباً عن مدينة دمشق، وقد اختير نائباً لرئيس المجلس، كما اشترك في وضع مسوّدة الدستور، فكان له جهد مبارك في تأكيد هوية البلاد الإسلامية
ومن المجالات التي عمل فيها السباعي: الصحافة حيث أنشأ جريدة " المنار " واستمرت حتى عام 1349م حيث تم إيقافها. وفي عام 1955م أسس جريدة "الشهاب" واستمرت في الصدور حتى عام 1958م. وفي الوقت نفسه أصدر السباعي " مجلة المسلمون" التي أصبحت تحمل اسم مجلة " حضارة الإسلام" منذ عام 1958م
علامات بارزة في حياة السباعي
إن المتتبع لحياة الشيخ الدكتور السباعي يجدها غنية بالمواقف والنشاطات والإنتاج العلمي الغزير. ومن هذه المواقف مقاومته للغزو الفكـري المتمثل في المدارس الأجنبية والإرساليات التنصيرية فقد ذكر محمد بسام الأسطواني أن السباعي رحمه الله كان صاحب مواهب وحماسة وهمة وإمكانات  أكبر بكثير من سنّه، فقد كان أول عمل من أعماله محـاربة الغزو الفكري الذي اتخذ من المدارس الأجنبيــة أداة لتنفيذ هذا الغزو ويضيف الأسطواني: "وكان أول عمل قـام به تأليف جمعية سرية لمقاومة مدارس التبشير الأجنبية التي أنشئت بمسـاعدة وحماية السلطات الاستعمارية أيـام الانتداب ، هذه المدارس كانت تنفث سمومهـا الاستعمارية الخبيثة في أبناء الطبقة الراقية وتحبب إلى طلابها الثقافة الغربية والأخلاق والعادات الإفرنجية، وتعمل على إبعادهم عن عقيدتهم وثقافتهم الدينية والعربية، فعمل على محاربتها وأخذ يكتب المنشورات ويعمل عـلى طبعها سراً أو يتولى مع رفاقه توزيعها على الناس داعياً فيها إلى محاربة الاستعمار ومدارسه ومظالمه وجرائمه. "مجلة حضارة الإسلام: عدد تذكاري جمادى الآخرة –رجب 1348هـ.تشرين الأول-كانون أول 1964م
السباعي والاستشراق
 ولقد بدأ الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله تعالى خطوة عملية في مواجهة الاستشراق سبق بها زمنه بعشرات السنين، ولكن هذه الخطوة لم تجد من يواصل طريقها اللاحب، لذلك عندما ظهر كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق" ظن كثيرون أنه أول من فضح الاستشراق وعرّاه. وبالرغم من أهمية كتاب إدوارد سعيد إلاّ أن أعمال الشيخ السباعي لم تنل ما تستحقه من الاهتمام والإشادة بها، فهي محطة بارزة في المواجهة مع الاستشراق. وقد تمثلت خطوات السباعي أولاً برسالة الدكتوراه حول السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي التي انتقد فيها موقف المستشرق المجري جولدزيهر كما فضل كثيراً من الآراء الاستشراقية حول علماء الحديث كالإمام الزهري وغيره
وفي عام 1956م اتخذت جامعة دمشق خطوة مباركة حيث أوفدت الدكتور السباعي رحمه الله لزيارة الجامعات الغربية للاطلاع على مناهج الدراسات الإسلامية هناك. فزار تركيا وإيطاليا وبريطانيا وإيرلندا وبلجيكا وهولندا والدنمارك والنرويج وفنلندا والنمسا وسويسرا وفرنسا. واجتمع في هذا البلاد كلها بالمستشرقين من أساتذة الدراسات الإسلامية والشرقية. ويذكر الأسطواني أن هذه الزيارة كان فرصة لمناقشة المستشرقين في مؤلفاتهم وتوضيح أخطائهم المنهجية وكان السباعي صاحب حجة وبيان مما دعا بعض المستشرقين إلى التراجع عن افتراءاتهم وأخطائهم
وكان من نتائج هذه الزيارة إصدار كتاب صغير في الحجم كبير في القيمة الأدبية والعلمية ذلكم هو كتابـــــه (الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم) الذي تحدث فيه عن هذه الجولة وأبرز المناقشات التي دارت بينه وبين المستشرقين، وكم كان مضراً بالمواجهة بين الإسلام والاستشراق أن هذه الخطوة الإيجابية الرائعة لم تتعبها خطوات أخرى مماثلة، وبخاصة أن المواجهات كانت تحتاج إلى علمـاء متمكنين في العلوم الشرعية يعتزون بانتمائهم للإسلام ولهم حجة قوية وبيان ناصع. وحبذا لو قام أكثر من باحث بدراسة "مجلة حضارة الإسلام" ومجلة الدراسة لدراسة الاستشراق في بداية الصحوة الإسلامية
ومما يمكن أن يضاف إلى مواجهة الاستشراق الكتابة الإيجابية عن الحضارة الإسلامية أو ما أطلق عليه الدكتور أكرم العمري " تمثيل أنفسنا أمام أنفسنا " فقد أصدر الشيخ الدكتور السباعي كتابه " من روائع حضارتنا " أبرز فيه أهم معالم الحضارة الإسلامية والأسس التي قامت عليها هذه الحضارة واختلفت فيها عن الحضارات الأخرى. وقد كتب الشيخ محمد حميدة – أحد علماء المدينة المنورة المعاصرين-يؤكد على ضرورة أن يقرأ شباب الأمة الذين قد تخدعهم الحضارة الغربية بمنجزاتها المادية وزخرفها هذا الكتاب. واقترح الشيخ حميدة ضرورة ترجمة الكتاب إلى اللغات العالمية ليعرف العالم حقيقة حضارتنا
ومن الجهود الإيجابية في الرد على الاستشراق كتابه القيم المرأة بين الفقه والقانون الذي أوضح فيه حقيقة موقف الإسلام من المرأة وانتقد فيها وضع المرأة في الحضارات الأخرى وبخاصة الحضارة الغربية وقد تناول موضوعات كثيرة تخص المرأة من أبرزها العلاقة بين المرأة والرجل وموقف تشريعات الإسلام من المرأة مقارناً إياها بالتشريعات الغربية. وفي الكتاب معلومات وإحصائيات دقيقة حبذا لو طبع الكتاب طبعة جديدة مع تحديث هذه المعلومات القيمة
السباعي -عالم مجاهد
عرف السباعي رحمه الله مسؤولية العالم معرفة حقيقية فلم يحصر نفسه بين القرطاس والقلم، ولكنه كان صاحب مواهب قيادية ففي مصـر حيث الاستعمار الإنجليزي وقف السباعي في وجه هذا الاحتلال حتى اعتقل عام 1934م، واستمر في الكفاح فاعتقل مرة أخرى عام 1940 بتهمة تأليف جمعية سرية لتأييد ثورة رشيد عالي الكيلاني، وسجن شهرين ثم أُطلق سراحه ثم سُلّم للسلطات الإنجليزية في فلسطين التي سجنته مدة أربعة أشهر ، ثم عاد إلى سوريا وفي عام 1941 أُلقي القبض عليه من قبل السلطات الفرنسية التي تركته في السجن قرابة سنتين ونصف تنقل خلالها في عدة سجون ومعتقلات منها معتقل : "الميّة الميّة " و" قلعة راشيا " بلبنان حيث عاني خلالها من التعذيب الوحشي والمعاملـة القاسية
ولا شك أن قضية فلسطين كانت محور جهاد الشيخ الدكتور السباعي فما أن خرج من المعتقل حتى أخذ يتجول في نواحي سوريا يخطب ويكتـب في الصحف ويدعو الشعب السوري للصحوة للمؤامرة الخطير التي تحاك ضد الأماكن المقدسة في فلسطين بل فلسطين كلها. وحمل السلاح عام 1945حينما شددت السلطات الاستعمارية الفرنسية حملتها ضد الشعب السوري فكان لجهاده أبعد الأثر في تكبيد العدو خسـائر فادحة
وعندما أُعلن تقسيم فلسطين عام 1947م ما كان أمام هذه الأمة إلاّ الجهاد فقاد الشيخ السباعي كتائب المجاهدين إلى فلسطين وهنا أبدى صنوفاً من الكفاح والتضحية ولكن المؤامرة كانت تحاك ضد الجهاد في الخفاء فقبلت الدول العربية الهدنة وبدأت تحارب المجاهدين وتخرجهم بالقوة من المعركة، وما عاد السباعي إلى بلده ليستريح ويعيش حياة الدعة بل واصل الكفاح في حث الجماهير المسلمة على مواصلة الجهاد لاستخلاص فلسطين من أيدي المغتصبين اليهود
رحم الله الشيخ الدكتور مصطفى السباعي رحمة واسعة فقد كان مثالاً للعلماء العالمين الذين ينبغي أن تُدرَسَ حياتُهم وتُنشر أعمالهم


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق