الثلاثاء، 29 نوفمبر، 2016

الغزو الثقافي والمثقفون

 (المدينة المنورة العدد  (12486)16صفر 1418هـ  (21يونيو 199م المقال:288)



          أتعجب كثيرا من الذين يزعمون أن الغزو الثقافي أمر وهمي، هل غاب عن أذهانهم أن العالم يتسع لعشرات الهويات والمذاهب والشخصيات وأن الحضارة العربية مهما كانت قوتها ونفوذها لن تستطيع أن تمحو تلك الهويات والشخصيات؟ هل غاب عنهم ما حاولت الدول الاستعمارية أن تفعله بالشعوب العربية المسلمة التي وقعت تحت نير الاحتلال ؟
          من السهل أن أحيل القارئ الكريم إلى عشرات الكتب التي تناولت هذه القضية مثل كتاب الدكتور محمد حسين رحمه الله تعالى  (حصوننا مهددة  من داخلها، أو في وكر الهدامين) أو كتابه  (الإسلام والحضارة الغربية) أو كتابه الاتجهات الوطنية في الأدب العربي الحديث)، وأو كتاب الشيخ محمود شاكر  (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) أو كتابه  (أسمار وأباطيل) وغيرها من الكتب، ولكنني أود أن أنقل صورا من واقعنا المعاصر الذي نعيشه للغزو الفكري الذي ابتلينا به بعد أن رحل المستعمر الأبيض وحل محله المستعمر الأسمر.
          ونبدأ بالجانب العقدي فقد تأثر العالم الإسلامي الطرق الصوفية، وضعف تمسك المسلمين بالعقيدة الإسلامية من حيث حقيقة الإيمان بالله عم وجل وأن الله هو الخالق الرازق المحي الميت، وأتساءل دائما لماذا تفوق المسلمون الأوائل ؟ ولا أجد إجابة أصدق من القول بان المسألة تتعلق بالعلاقة بين الفرد وربه سبحانه وتعالى، فمتى استقامت العقيدة علم المسلم أن الرزق والحياة والموت بيد الله سبحانه وتعالى، وكم توقفت عند وصف أحد العرب الذين كانوا في الجيش الروماني في أثناء فتوحات الشام حيث قال، جئت من عند قوم ورهبان بالليل وفرسان بالنهار، والموت أحب إليهم من الحياة، وهذا مصداق لقوله صلى الله عليه وسلم،  (توشك أن تداعى عليكم الأمم كتداعي الأكلة إلى قصعتها قالوا أو من قلة نحن يومئذ قال: لا... أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.
          ألم تتأثر العقيدة الإسلامية بالغزو الثقافي الذي جعل العلاقة بين المسلمين وغيرهم مسألة مصالح أو صراعا اقتصاديا وليس مسألة إيمان أو كفر. وقد تناول مؤلف كتاب  (واقعنا المعاصر) مسألة النزاعات الوطنية التي خلت من التوجه الإسلامي وكانت ترى الصراع مع قوى الاحتلال الأجنبي مسألة وطن وتراب ومصالح.
          ظهر الغزو الثقافي في مجال الأدب فكم ظهرت من دعوة في العالم الإسلامي تنادي بتبني المذاهب الأدبية الغربية في الكتابة وفي النقد حتى غفلنا أنلنا تاريخيا عظيما ولغة من أعظم اللغات في العالم. زمن العجيب أن اللغة العربية التي كتبت وقيلت منذ أكثر من ألف وخمسمائة سنة يمكننا أن نفهمها في العصر الحاضر بينما لا يمكن للناطقين باللغة الإنجليزية ما يطلقون عليه اللغة الإنجليزية المتوسطة ومنها التي كتب بها تشوسر  (حكايت كونتيري). نعم قد يصعب على بعض العرب فهم بعض المفردات العربية في الشعر الجاهلي أو في المقامات أو في بعض ما كتبه الجاحظ وهذا ليس لأن اللغة تغيرت ولكن لأن قدراتنا اللغوية ضعفت كما أننا لم نعلم أبناءنا استخدام معاجم اللغة من المرحلة المتوسطة وربما الابتدائية.
          ومن يرد أن يعرف ما حدث في ذائقتنا الأدبية فعليه الرجوع إلى كتاب الشيخ محمود شاكر  (رسالة في الطريق إلى ثقافتها). وقد أفسدت الذائقة أكثر فأكثر عندما شاع ما يطلقون عليه الحداثة وما أسميه أحيانا الكلمات المقطعة.
          ومن الغزو الثقافي اللغوي أننا في معظم جامعتنا العربية الإسلامية مازلنا ندرس العلوم والطب باللغات الأوربية فهل عجزنا اللغة العربية أن تكتب بها هذه العلوم. وها هو الدكتور زهير السباعي يكتب تربته في تعليم الطب باللغة العربية فيذكر إحصيات دقيقة أن المصطلحات الطبية في الكتب التي تدرس الطب لا تتجاوز ثلاثة بالمائة من المادة العملية. وقد أدركت هذا وأنا أساعد ابني في مادة تجهيز المختريات في كلية التقنية الطبية. فمن العبارات التي وردت باللغة الإنجليزية أن حجرة المختبر يجب أن تكون جدارنها مطلبة بلون كذا وأن تكون سعتها كذا وغير ذلك من المعلومات التي يمكن بكل سهولة قولها باللغة العربية وكذلك الحال في مواد أخرى.
          ثم ألم يكن غزوا ثقافيا ذلك الذي أدى إلى انتشار المذاهب الشيوعية والاشتراكية في الحكم في العديد من البلاد العربية الإسلامية، وحتى طغى الفكر الاشتراكي المادي على كثير من المثقفين في عالمنا الإسلامي. وانتشر التأميم في بعض البلاد الإسلامية وتضخم القطاع العام حتى أصبح معظم الشعب في بعض البلاد يعمل في هذا القطاع وكان هذا القطاع أنشئ ليس للإنتاج وإنما لتقديم رواتب للبطالة المقدمة. ومن طرائف هذا القطاع أن المكتب الواحد يحتله أكثر من موظف. بل أصبح شائعا أن يأتي الناس صباحا للتوقيع ثمّ يعودون ظهرا للتوقيع بالانصراف.
          ولعل من الأمثلة على تأثير التفكير المادي ما صرح به الأستاذ مشعل السديري في البرامج بأنه ليس هناك غزو ثقافي وأن كل ما في الأمر مصالح لدولة في دولة أخرى. فتعجبت مما سمعت وأتمنى أن أكون مخططا فيما سمعت. فكيف نغفل عن هذا التاريخ والواقع الذي أمامنا ثم نصر على حتميات المصالح وقد سقطت الحتميات في البلد الذي نشأت فيه.

          والغزو الثقافي واضح في أغراق أسواق العالم بالإنتاج التلفزيوني بأرخص الأسعار وبخاصة في مجال أفلام الكرتون الموجهة للأطفال وذلك حتى لا يقوم المسلمون والأمم الأخرى بإنتاج ما يناسبها مع تشجيع السينما التي تعد امتدادا للغزو الثقافي الغربي. أرجو أن يتصل الحديث في هذا الموضوع مستقلا. والله الموفق.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق