التخطي إلى المحتوى الرئيسي

جئناهم بالحجاب والحياء وجاؤونا بالخنا والفجور وعظائم الأمور


        وقف مسؤول ياباني كبير قبل مدّة يعلن اعتذار بلاده عمّا ارتكبته في حق بعض شعوب دول جنوب شرق آسيا، وعندما فكّرت أن هذه لفتة حضارية إنسانية ولكني تراجعت بعد قليل لأتساءل ولماذا ارتكاب تلك الجرائم في المقام الأول؟ وما ذا يفيد الاعتذار منها؟ هل يعيد الشرف إلى من دُنّس شرفها، وهل يعيد العفة إلى من فقدت عفّتها؟ وهل يعيد للأيتام آباءهم أو للأرامل أزواجهن أو للثكالى أبناءهن؟ هل يعيد المشردين إلى ديارهم؟
    نقل المستشرق الهولندي الكبير رينهارت دوزي ، المتوفى في القاهرة سنة ١٨٨٣ ، في كتابه ( المعجم المفصل بأسماء الملابس عند العرب - مادة : إزار ) نصوصا كثيرة عن رحالة غربيين زاروا مصر والشام والعراق والمغرب ذكروا فيها كيف أن المرأة العربية كانت تستر نفسها عند الخروج من منزلها بلحاف ودثار طويل من رأسها حتى قدميها . بل إن نساء طرابلس بلبنان كن يسترن أيديهن . وفي القاهرة كانت المصرية تغطي جسدها تغطية شاملة بحيث لا يبصرن الطريق إلا من ثقب واحد !
وليس هذا خاص بالمسلمات ، بل شمل ذالك المارونيات .
ويأتيك من يتحدث بلساننا - من السَّقط والخُشارة - من يزعم أن تغطية المرأة لوجهها بدعة نجدية حنبلية
        وتساءلت لو قُدّر للعالم العربي الإسلامي أن يطالب الدول الغربية التي احتلت دياره وقتلت شيوخه ونساءه وأطفاله، ونهبت ثرواته وخيرات وأفسدت عقول بعض أبنائه، لو قُدّر للعالم الإسلامي هذه الدول الاعتذار فما يُجدي الاعتذار؟ وهل يعترف الغرب بهذه الذنوب؟
        لا يُنكر الغرب أن حركته الاستعمارية كان هدفها الأساس البحث عن الثروات الطبيعية لتشغيل مصانعه وجعل بلادنا أسواقا لمنتجاته حيث يتدخل في تغيير طبيعة الحياة الاجتماعية لتصبح عالة على منتوجاته وغلّف الغرب هذه الحملة الاستعمارية الإمبريالية بمزاعم متنوعة منها تحضير الشعوب وتعليمها والارتقاء بمستواها الحضاري. وشاركت الجمعيات التنصيرية ومجلس الكنائس العالمي في هذه الحملات الاستعمارية فكان المنصّرون أحياناً هم الرواد للحملات الاستعمارية
        لقد حقّق الغرب نجاحاً ضخماً في تحقيق أهدافه الاستعمارية فقد نهب الثروات الطبيعية مقابل بعض الهبات والقروض والهدايا، وظلت مصانعه تدور بما يصلها من هذه الثروات والطاقة، ونجح في التأثير في الحياة الاجتماعية فتغيرّت الأنماط الاجتماعية وأصبحت دول العالم العربي الإسلامي عالة على المنتوجات الغربية وعلى الرغم من مضي عشرات السنين فما زلنا نقدم المواد الخام بأرخص الأسعار ويعيدون إلينا الآلات والأدوات ومنتجات مصانعهم بأغلى الأسعار.
        ولو اقتصر الأمر على الجانب المادي لهان الخطب، ولكن هذه الدول ما أن احتلت جيوشها ديارنا العربية الإسلامية حتى بدأت حرباً لا هوادة فيها للتعليم الإسلامي فسيطرت على الأوقاف التي كانت الممول للتعليم واستولت على المساجد فهدمت البعض وحوّلت البعض إلى كنائس أو مستودعات أو مخازن سوى ذلك.
        أما زعمهم بأنهم جاءوا لتحضير هذه الشعوب فإنها أكذوبة كبرى حيث فتحوا مدارسهم لعدد محدود جداً من أبناء البلاد المستعمَرَة وأخضعوا هؤلاء لغسيل دماغ أفقدهم هويتهم وارتباطهم بأبناء بلدهم وتاريخها وعقيدتها حتى بلغ بأحد أن ينكر وجود هُوُيّة عربية إسلامي ذلك أنه كان يتعلم في المدارس الفرنسية (نحن الغاليّون والغاليّون أجدادي)
        وكان من جهودهم الحثيثة لتحضير الشعوب العربية الإسلامية في زعمهم أنهم تدخلوا في المناهج الدراسية فأضعفوا دراسة اللغة العربية والدين الإسلامي وقسّموا التعليم إلى تعليم علماني وآخر ديني. وزيادة على ذلك استخدموا الفنون المسرحية والسينمائية لإخراج المجتمعات العربية الإسلامية من عقيدتها وأخلاقها. ولم يكتف الاحتلال الأوروبي بكل هذا بل إنهم فرضوا على البلاد التي احتلوها أن تسمح بالبغاء "الرسمي" وقد صحب نابليون معه عدداً من البغايا كما يروي ذلك الجبرتي. وفي إحدى الدول العربية فرضت السلطات الاستعمارية فتح ناد ليلي دون رضى الحاكم المسلم فما كان منه إلّا أن بعث بعض أعوانه فافتعلوا مشاجرة حطّموا أثاث النادي مما حدا بتلك السلطات تغيير خطتها أو تأجيلها.
        والآن حين ينتقل مجموعة من المسلمين (صاروا ملايين) للعيش في أوروبا ليس حبّاً في هجر بلادهم ولكن لأن الاحتلال وما تلاه أخلّ بأوضاع هذه البلاد أو أن آباءهم أو أجداد هؤلاء جاءوا إلى أوروبا مكرهين لخدمتها في أثناء الحربين الأوروبيتين (العالميتين) وقرروا أن يتمسكوا بهويتهم ومن مظاهرها الحجاب أقام بعض المسؤولين الفرنسيين –وبخاصة فرنسا- الدنيا ولم يقعدوها وأعلنوا أن المسلمين "جاءوا إلى بلادنا بوصفهم مستعمرين، إنهم يفرضون الحجاب في المدارس وهذا الاعتداء لا يمكن التسامح معه" (جان كلود بارو عن عاصم حمدان، المسلمون العدد 405)
        وأخيراً نتساءل هل استعمارنا خير أم استعمارهم؟ استعمار يأتي بالعري والفجور أو استعمار يأتي بالحشمة والعفاف والأدب؟


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

حوار مع المستشرق برنارد لويس

               عندما شرعت في إعداد بحث الدكتوراه حول منهج المستشرق برنارد لويس كان لا بد من الإعداد للقائه، وقد زرته في مكتبه في جامعة برنستون التي كان قد تقاعد منها ولكنه كان يحتفظ بمكتب فخم كبير. وأجريت معه لقاءً مطولاً قدمت له فيه عدة أسئلة فأجاب عنها وسجلتها في آلة التسجيل ثم نسخت المادة وبعثتها إليه لتوثيقها. وتأخر كثيراً في توثيق الحوار وفي الأخير أرسل الحوار مطبوعاً كله ومعه رسالة اعتذار يبدي فيها أسفه للتأخر في الرد ولو لم أزعجه بالتعقيب لما اعتذر.        وفيما يأتي الأسئلة وإجابات لويس ثم تعليقي على الإجابات. وعلى الرغم من أنني ناقشت تلك الإجابات في طيات رسالتي للدكتوراه لكني هنا جمعت تلك التعليقات في مكان واحد. الأسئلة والإجابات:        لهذا الحوار قصة طريفة، فقد سبقه مراسلات بين الباحث والمستشرق، وقد اتسم رد لويس بالتردد والممانعة. كما إنه كال التهم جزافاً للباحثين والمؤرخين في دول العالم (غير الحر) من حيث عدم تمتعهم بما يتمتع به الباحثون في (العالم الحر) من حرية الرأي، وأن بح...