الثلاثاء، 11 أكتوبر 2016

ما كتبه الأستاذ عادل بن بوزيد عيساوي

ص 90
ونذكر هنا محاولات أخرى نادى بها الدكتور مازن مطبقاني مبكراً في الوسط الأكاديمي السعودي والعربي، ولكن الرجل خذله أهله قبل غيرهم ..فكانت أفكاره وإن لقيت الرواج في الأوساط الثقافية إلا أنها لم تلق القبول في الأوساط السياسية مما أفقدها الاستمرارية، لأن مركز الثقل في فكر الرجل ورؤيته هو نقل وترجمة المادة التنظيرية إلى المجال المؤسساتي، ولما عطل هذا الجانب تعطل المشروع  .

106
والثاني مازن صلاح مطبقاني وهو إسلامي التوجه والنزعة متخصص في نقد المذاهب الاستشراقية له الفضل في تأسيس شعب دراسة الاستشراق في العديد من الجامعات السعودية.(لم أؤسس أي شعبة وإنما كنت أول من حصل على الدكتوراه في الاستشراق من كلية الدعوة وأول من نشر رسالته للدكتواره وكتابات أخرى)
ـــ ثانيا: نموذج مازن صلاح المطبقاني :
   إذا أردت أن تعرف قيمة التخصص كفكرة مثمرة بين أبناء التيار الإسلامي المعاصر، فيكفي أن تنظر إلى الدكتور محمد مازن مطبقاني (محمد ابني) يندرج اسم الرجل ضمن المتخصصين في دراسة الاستشراق المعاصر والمتابعين لمنحنياته وإنتاجه المعرفي في الغرب، وكتابات ناقديه في الشرق، وكان كاتبا للعديد من الدراسات عن الاستشراق والغرب كما كان في الوقت ذاته مترجما للكثير من الأبحاث في الغرب، وهو مع ذلك كله أحد الأصوات التي حفرت في الذاكرة العربية والإسلامية المعاصرة فكرة "دراسة الغرب" منتهيا في ذلك إلى نفس النهايات والقناعات التي توصل إليها العديد من الكتاب الذين تمرسوا في نقد الاستشراق والدراسات النقدية المعاصرة للمذاهب الغربية، من ضرورة الاتجاه إلى تأسيس شعبة الاستغراب لدراسة وتشريح الظاهرة الغربية .(ليس شعبة في قسم وإنما أقسام وكليات، وليس لدراسة الغرب فقط بل لدراسة الشعوب والأمم الأخرى)
  ويعتبر مازن من خلال كتاباته ونقده للظاهرة الاستشراقية أن أي دراسة عن الاستشراق في الشرق إنما هي إضافة نوعية بصورة ما إلى رصيدنا في دراسة الغرب ،ويحمل بالنقد على أولائك الذين يعتقدون أن لا طائل من تأسيس علم الاستغراب بحجة أننا لم نرق بعد إلى المستوى الذي وصل إليه الغرب في مذاهبه الفكرية المعاصرة ،ففي كتابه "الغرب من الداخل : دراسات للظواهر الاجتماعية" يرد على منتقدي فكرة الاستغراب، أمثال عبد الرحمن العرابي وهاشم صالح من تلامذة أركون، ويدافع بقوة عن مشروع حسن حنفي ويثمن منطلقاته وأفكاره. ويعتبره صوتا جديدا ينضاف إلى هذا المشروع الحضاري الكبير.
    ومن ردوده على منتقدي كتاب حسن حنفي وتعجب بعضهم من فكرة الاستغراب قوله: "وما يمكن قوله لهذا المتعجب من دراسة المسلمين للغرب هو هل من الضروري أن يمر المسلمـون بالأدوار الفكرية والفلسفية التي مرّ بها الغرب حتى نفهم الغرب؟ وهل من الضروري أن  ننقـد القرآن الكريم والسنة المطهرة وفقاً لنقد النص الذي قام به الغربيون لنصوصهم "المقدسة" حتى يمكننا أن ندرسهم؟.... فهذا هو المنطق المعكوس أن نتوقف عن التفكير في دراسة الغرب حتى نمر بجميع المراحل الفكرية التي مر بها الغرب ".([1])
    مع ملاحظة جديرة بالاهتمام في هذا السياق، وهو أنه كان أسبق من حسن حنفي بسنوات في دعوته إلى دراسة الغرب صراحة، ويشير إلى هذا في معرض دفاعه عن مشروعه في دراسة الغرب لما اعتبره البعض بأنه مجرد صدى لما نشر من بعض الأكاديميين المصريين، وننقل هنا في جوابه عن هذا السؤال بقوله إنها "أفكار سبق أن تناولتها منذ أكثر من خمس عشرة سنة، بل ربما أبعد من ذلك حين نشرت ثلاث مقالات بعنوان (مشاهدات عائد من أمريكا) في مجلة المجتمع الكويتي عام 1395ه (1975م) وفيها ملامح عن أهمية معرفة الغرب من الداخل، ثم عدت مرة أخرى للكتابة حول أهمية دراسة الغرب في عدد من كتبي وفي كثير من المقالات التي نشرتها في العديد من الصحف والمجلات ففي كتابي (الغرب في مواجهة الإسلام، المدينة المنورة:1409ه، والطبعة الثانية عام 1418ه، ص134، كتبت قائلاً: انظر كيف يدرسوننا، وكم يبذلون من الجهد والأموال لمعرفة ما يدور في بلادنا، وهل نحن ندرسهم بالمقابل، بل قبل ذلك هل عرفنا أنفسنا كما يعرفون عنا؟   .
    كما جاءت عناوين مقالاتي في صحيفة المدينة المنورة تعبر عن هذا وعلى سبيل المثال مقالتي المعنونة (لماذا لا ندرسهم كما يدرسوننا؟) و(ألا نتعلم من الغرب ويتعلم منا؟) و(نحاورهم إذا قبلوا الحوار) وغيرها كثير، ومن أهم مقالاتي الداعية لهذا الأمر، مقالتي التي نشرت في مجلة الفيصل( متى ينشأ علم الاستغراب؟)، وفوق ذلك كله نشرت كتاباً أنموذجاً في دراسة الغرب، وهو (الغرب من الداخل دراسة للظواهر الاجتماعية) ،والآن أعد الطبعة الثانية منه مع اضافات مهمة ومن هذه الإضافات قسم ثالث حول بعض الجوانب الإيجابية في الغرب"([2]).
   لقد استطاع مازن صلاح المطبقاني غرس فكرة الدراسات النقدية للاستشراق ودراسة الغرب في المملكة العربية السعودية وجامعاتها وصناعة اتجاه قوي مع شلة من الباحثين ، وتجدر الملاحظة هنا أنه لم يتوقف على مستوى التنظير لهذه الفكرة كما فعل ويفعل غيره ممن كتب في الاستغراب، بل كان مع ذلك كله صاحب مشاريع ميدانية واقتراحات ساهم فيها وألح على تطبيقها، بل واستوى الكثير منها على سوقها على أرض الواقع، وفي الكثير من الفضاءات المعرفية.
     ولعلنا نستهل هذه المناسبة لنؤكد أنه ليس شرطا أن تكون مؤسسا لاتجاه علمي أو ثقافي ما، أن يكون لك العشرات والمئات من الكتب التي تظهر مقالاتك فيها، فتنزيل الأفكار إلى مشاريع ميدانية كتلك التي أسسها أوساهم فيها المطبقاني. هي في أحيان كثيرة أكبر من التأليف ذاته، وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن الرجل جمع بين الحسنيين ( تنظيرا ،وتأسيسا واشتغالا ) فقد اجتمع لديه ما لم يجتمع لغيره، ونستطيع أن نقول هنا، إن الرجل فك عقدة التنظير التي صاحبت الكثير من الكتاب العرب والمسلمين التي تتعلق عادة ببقاء المنظرين في أبراجهم العاتية،(العاجيّة) دون الارتباط بالواقع وترجمة نظرياتهم في شكل أوعية مؤسساتية على عكس لفيف المستشرقين الذين زاوجوا بين التنظير الاستشراقي والعمل الميداني، وتلك أحد نقاط القوة في استمرارية الاستشراق.
   وإذا كان الكثير ممن نظر للاستغراب ونقد الاستشراق بقيت أبحاثه نمطية تقليدية في التنظير ونقصد بالنمطية التنظيرية" مراوحة العالم ، أو المنظر، صاحب الاختصاص أو المعلم على نفس المنهج الذي درسه، والذي يدرسه، بدون أن يظهر أي عنصر تطوري، أو إبداعي، أو تجديدي متمخض عن فهم للعلوم التي حفظها عن ظهر قلب والتي يسمى بأنه مختص بها أو صاحب اختصاص "([3])، فإن مازن مطبقاني استطاع الانفكاك إلى حد كبير منها، ولهذا غدا إبداعه وتميزه ثمرة لتخصصه ومزاوجته بين التنظير والتطبيق .
  ويكفي أن نطلع على مسيرته العلمية التي تراوحت بين التأليف والتنظير وبين تقلد مناصب في مؤسسات لها علاقة بأفكاره،  فهو مدير مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق ، انتدب للعمل في وحدة الاستشراق بعمادة البحث العلمي بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، كما ترأس وحدة دراسات العالم الغربي في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية ،وقد دعا ولا يزال يدعو إلى تأسيس الجمعية السعودية لدراسة الاستشراق، وإنشاء وحدة الدراسات الأوروبية والأمريكية، وساهم في إقامة ندوات مكثفة تعريفية بموضوع الاستشراق والاستغراب في أرجاء المملكة، وشارك في مؤتمرات عالمية كانت تتمحور حول التعرف على الآخر ودراسته ..هذا مع مؤلفاته وأبحاثه الكثيرة حول الاستشراق والاستغراب.وقد لفت انتباهي أثناء إعداد هذا البحث ، خطاب باسم الدكتور مازن المطبقاني ، موجه إلى عميد كلية الدعوة في المدينة المنورة سنة  1423هـ يقدم فيه طلبا لتأسيس نموذج جمعية علمية لدراسة الاستشراق في السعودية.
      " فضيلة عميد كلية الدعوة بالمدينة المنورة : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته : يسرني أن أهديكم والزملاء أطيب التحيات سائلا المولى عزوجل لكم التوفيق والسداد . أخي الكريم لقد اطلعت على نظام الجمعيات العلمية فرأيت أن أقترح عليكم النظر في أن يقوم قسم الاستشراق بتقديم اقتراح بإنشاء (الجمعية السعودية لدراسة الاستشراق ) فحتى الآن لم يفكر أحد في التقدم بطلب الترخيص لقيام جمعية بهذا الخصوص. ونظرا لا القسم هو القسم الوحيد في العالم الإسلامي الذي يهتم بهذا المجال فلعلكم تقنعون معي بضرورة هذا الأمر . وأرجو أن تتاح لي الفرصة بموافقة عميد البحث العلمي لأقدم إليكم لمناقشة هذا الأمر خلال الأسابيع القادمة  .
        وتقبلوا تحياتي والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...2 شعبان 1423ه 
( نموذج رسالة لتأسيس جمعية علمية لدراسة الاستشراق)
    لقد حاول الرجل جاهدا طوال هذه الفترات التي اشتغل فيها في السعودية ،وفي كل مرة ينزل في العالم العربي والإسلامي الدعوة إلى مَأسَسَة فكرة الاستغراب والاستشراق، ولذا فمن الطبيعي أن يدعو إلى تحويل الاستغراب إلى تخصص متكامل الأركان له فلسفته ومراجعه ومرجعياته في الجامعات حتى يؤتي ثمرته مبكرا، ومنطلقه في ذلك كما يقول في أحد دراساته ،" أن دراسة الغرب تتطلب تخصصاً كالقانون أو الاجتماع أو السياسة أو علم الإنسان أو التاريخ...الخ.. وقبل أن يتساءل القارئ وما شأننا بكل هذا فنقول أليس الغرب أمة يجب أن نتوجه إليهم بالدعوة ونحـن مطالبون بالشهادة على الأمم فكيف للشاهد أن يشهد دون أن يعرف معرفة دقيقة موضوع شهادته "([4])
    كان حجر الزاوية في استغراب مازن صلاح مطبقاني الانطلاق من الاستشراق لدراسة الغرب ، ليس لمجرد أن نحول الآخر من ذات دارس إلى ذات مدروس، وإن كان هذا سيتحقق تباعا في سياق تشغيل هذه الفكرة ، وإنما من منطلق آخر أيضا لا يقل أهمية وهو كون الاستشراق " جزءاً من الغرب؛ مما يتطلب أيضاً فهم الحضارة الغربية وجذورها، وفهم المجتمعات الغربية من النواحي العقدية والسياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية. وإن ريادة جامعة الإمام في إنشاء هذا القسم قد لفتت انتباه كثير من الغربيين ممن لقيت في المؤتمرات والندوات أو في المحافل الثقافية والفكرية داخل المملكة وخارجها، ومن هؤلاء على سبيل المثال القنصل الأمريكي السابق في جدة ستيفن بك Steven Buck الذي قال لي: "هل حقاً لديكم قسم لدراسة الاستشراق؟"، وطلب منّي لقاءً خاصاً لأحدثه عن القسم. " ([5])
    ومن الطبيعي أن يثير هذا النشاط الكبير منه ومن أقرانه في المملكة انتباه والتفاتة الكثير من الملاحظين والمتابعين لهذا الشأن في الغرب وما أكثرهم، ولم يتوقف الأمر على مجرد الاهتمام والإثارة ، بل إنهم ضاقوا به ذرعا وتوجسوا منه خيفة، خشية أن يتحول إلى تيار علمي في دولة تملك المقومات المادية واللوجستيكية للارتقاء به وترقيته إلى مستوى المساجلة الحضارية مع العالم الغربي، ولذلك حاولوا تظاهرا منهم الانتقاص والتهوين منه باعتباره مجرد موضة لا أكثر، وبتعبير "الباحث البريطاني فريد هاليداي Fred Haliday الذي كتب عن الاهتمام بالاستشراق في المملكة العربية السعودية أنه (موضة)، حيث قال: "وهناك موضة من الإقبال على كتب "الاستشراق" الذي يفهم على أنه دراسة العالم العربي في إطار مؤامرة إمبريالية. وفي المكتبات العامرة يجاور قسم الاستشراق قسم الجاسوسية والمؤامرات الغربية أو الصهيونية".([6])
   يمثل مازن صلاح مطبقاني نموذج الاستغراب السعودي الذي شق طريقه منذ عقود من الزمن، وفي خطوات هادئة مثقلة بهموم الأمة، وزاد من تباطئه الفجوة الهائلة بين كثافة التنظير الاستغرابي ورمزية التشجيع الحكومي، في بيئة تملك من المقومات والروافع المادية الكثير للريادة بهذا المشروع عالميا، وهو إذ ذاك لا يزال يسعى لزيادة تضمينات جديدة إلى حيزه ومكاسبه .
 ص 107-112
   كتب الأستاذ مازن المطبقاني وهو الخبير في ميدان الاستشراق والاستغراب يقول : وكتبت أدعو إلى إخضاع الغرب إلى الدراسة في شتى المجالات بالقول "لا شك أن دراسة الغرب تتطلب تخصصاً كالقانون أو الاجتماع أو السياسة أو علم الإنسان أو التاريخ ... الخ .. وقبل أن يتساءل القارئ وما شأننا بكل هذا فنقول أليس الغرب أمة يجب أن نتوجه إليهم بالدعوة ونحن مطالبون بالشهادة على الأمم فكيف للشاهد أن يشهد دون أن يعرف معرفة دقيقة موضوع شهادته، وهو ما ورد في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) {2/143}."([7])
ص 181-182

([1]) أنظر: السيد محمد الشاهد. "الاستشراق ومنهجية النقد عند المسلمين المعاصرين" في الاجتهاد. عدد 22، السنة السادسة ، شتاء عام 1414هـ/1994م. ص191-211.نقلا عن مازن صلاح المطبقاني: الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي، الرياض، دراسته وتصنيفه : مكتبة الملك فهد الوطنية، 1995.ص 136




([1])مازن صلاح مطبقاني ، الغرب من الداخل :دراسة للظواهر الاجتماعية ،الطبعة الثانية 2005 الرياض ، ص 20
([2]) انظر: http://www.alriyadh.com/Contents/28-08-2003/Mainpage/Thkafa_7565.php

([3]) ليث عبد الحسن العتابي ،الأنثروبولوجيا الإسلامية " علم الإنسان الإسلامي " ، مجلة المسلم المعاصر ،السنة السابعة والثلاثون ، العدد 148  ، القاهرة .ص:219
([4]) مازن صلاح مطبقاني ، الغرب من الداخل :دراسة للظواهر الاجتماعية ،الطبعة الثانية 2005 م، الرياض ، ص 17
([5]) مازن بن صلاح المطبقاني ، أثر المملكة العربية السعودية الرائد في الاهتمام بالدراسات الاستشراقية خلال ربع قرن ،الطبعة الأولى :2005 ، السعودية ،ص 27
([6]) مازن بن صلاح المطبقاني ، أثر المملكة العربية السعودية الرائد في الاهتمام بالدراسات الاستشراقية خلال ربع قرن ،الطبعة الأولى :2005 ، السعودية ،ص 31.
([7]) مازن صلاح مطبقاني ، الغرب من الداخل دراسات للظواهر الاجتماعية ، ص: 21

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق