الاثنين، 31 أكتوبر، 2016

من الذاكرة (المخرومة) ما أبشع الظلم


كانت الكلية بعد أن عدت إلى المدينة المنورة وأسندت الإشراف للدكتور محمد خليفة حسن أحمد وكان رجلاً طيباً ومشرفاً متميزاً علمياً وخُلُقيا. واشترطوا عليّ أن أكتب تعهداً بأن ألتزم النظام والطاعة، فما كان أمامي سوى التوقيع وكنت الوحيد الذي وقّعت مثل ذلك التعهد. وكان من طيبهم (هو حقّي) أنهم لم يحتسبوا المدة التي كُنتُ فيها منفياً إلى الرياض بقرار تعسفي (صدر القرار يوم 15 من الشهر وكان عليّ أن أكون في الرياض بعد يومين، فاضطررت للسفر إلى الرياض وبقيت أسرتي في المدينة المنورة وعانى أبنائي من ظلم القريب قبل البعيد. وفي ذات يوم كنت مسافراً إلى الرياض بسيارتي فصحبني في الطريق مهندس مصري (مهندس زراعي ولكنه تحوّل إلى مهندس طرق) فسألته حينما تسافر من يعتني بأسرتك؟ فقال نحن مجموعة من الأخوة المصريين (الإخوان) عندما يسافر أحدنا أو يغيب عن بيته لأي سبب يتكفل أحدنا بإيصال الأولاد إلى المدارس، ويتكفل آخر بمستلزمات البيت وآخر بالعلاج والمستشفى، فقال بارك الله في أخوتكم والله لإنها أفضل من بعض أخوة النسب والقرابة.
وحين طلبت تمديداً وافق القسم على التمديد مدة سنة لأنه كان التمديد الأول ولما انتقل الموضوع إلى مجلس الكلية استبد العميد وجعل السنة ثلاثة أشهر وهي أغرب مدة في الجامعات وليس هناك جهة يمكن أن تشكو لها فالجامعة هي الخصم والحكم، ولكنهم نسوا أحكم الحاكمين الذي لا يقبل الظلم. ولزيادة النكاية كتب لي وكيل الجامعة وهو صالح سعود العلي يخبرني أن هذا هو التمديد النهائي والأخير، يا الله كيف يتجرأ من درس الشريعة والفقه أن يكون وقحاً لهذه الدرجة ، فسابقت الزمن أو الساعة كما يقال مع أن المشرف سافر في إجازة إلى بلده (مصر) وذهب في رحلة علمية مع الطلاب إلى الرياض مدة أسبوعين فلم يبق من الثلاثة أشهر سوى شهران وأتممت كتابة الرسالة ولكن بقيت الطباعة أو النسخ.
حينما انتهت المهلة قال لي العميد العوفي انتهت مهلتك ولذلك عليك أن تتقدم بطلب الإذن لك بالطباعة ونكتب للرياض فقد يوافقون وقد لا يوافقوا، فقلت له ولماذا الرياض؟ ألا تستطيع أن تتخذ أنت القرار بالإذن دون استئذان الرياض، وهل من المنظقي أن أكون أمضيت ثماني سنوات وعند الطباعة قد لا توافقون؟ قال الأمر هكذا  وكأنّي غضبت من هذا التعنت، وربما رفعت صوتي غاضباً، ولكني في النهاية رضخت كما نرضخ دائماً وكما يرضخ الجميع ، فكتبت الاستجداء المطلوب (جامعات تكرس ثقافة الاستجداء والاستخذاء)، وبدأت الطباعة قبل الموافقة لأنهم إن لم يوافقوا فستكون كتاباً وإلّا ستصبح الرسالة التي أنال بها الدرجة.
بعد أن أودعت الفصل لدى ناسخ الآلة (يعمل في المعهد أو الكلية صباحاً) واسمه محمد مقلة (في التاريخ الإسلامي خطاط اسمه مقلة وشتان بين المقلتين)، رجعت له بعد أيام وكان بيته في حي السحمان في شمال المدينة المنورة وهو من الأحياء العشوائية التي أشبهها بقصور التيه لأنه إن جئت صباحاً واهتديت إلى ما تريد فلا تضمن أن تهتدي للمكان نفسه مساءً، وقبل أن أصل إليه أصاب السيارة عطب في إحدى العجلات فأكملت المشوار مشياً على أن أعود للسيارة مساءً فلم يكن لدي عجلة احتياطية.
فوجئت وهو يعيد إلي الفصل يعيد معه الفصل الثاني وما بعده معتذراً عن إتمام النسخ، فقد وصلت الخسة والدناءة ببعضهم في كلية الدعوة أن تآمروا مع الناسخ أن لا يُكمل النسخ، وربما تعهدوا له بمساعدة أو تجديد العقد ( وما أقبح المكر السيء ، وإنه ليحيق بأهله لا محالة)، فأخذت أوراقي وخرجت مهموماً حزيناً ، أين أجد ناسخاً يُكمل المشوار؟ فاهتديت إلى مكتب جديد أسسه عميد متقاعد من الجيش واسمه القرني فذهب إليه.
ونظراً لخبرتي بألاعيب النسّخ من تكثير الصفحات باختراع فقرات ليست في الأصل وتوسيع الهوامش حتى لا يبقى من الصفحة إلّا نصفها وربما لأقل، ولتكبير حجم الخط بطريقة سخيفة فقد اشترطت عليهم أن تكون الهوامش 2,5 من كل جهة وأن يكون البنط 15 وأن لا يزيد فقرة من عنده بل يلتزم بما هو مكتوب أمامه، فاتفقنا على أن الصفحة تُطبع ب 11 ريال ولكن بعد أيام اتصل بي العقيد القرني وقال نحن قررنا أن تكون الصفحة ب 15 ريال فإن قبلت وإلّا فخذ رسالتك. وعرف أنني مضطر فقبلت وقد كان عرضه مثل عرض المافياً تقبل أو يدنا على الزناد.
ومن الطريف أن القرني كان يستخدم برنامج ماكنتوش والناسخ الأول يستخدم الحاسوب الآي بي إم فخفت أن المناقشين لا يقبلون أو الكلية ترفض الرسالة لهذا السبب ولكنّ الله سلّم فلم يُدركوا الفرق في الخط بين الفصل الأول والفصول التالية.
ولم يكن التعامل مع مكتب النسخ بالسهل فصاحبه عقيد وعقليته عقلية عسكرية فكان علي أن أصبر وأتحمل حتى انتهيت من الطباعة وسلمتها في محرم 1414هجرية وكانت المناقشة في 4رمضان 1414هـ
وإلى حلقة أخرى من الذكريات


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق