الجمعة، 4 أغسطس 2017

معذرة خديجة ولكن.....


عندما ذهبت إلى المكتب السياحي للحجز إلى برشلونة قررت أن أسافر قبل المؤتمر بيوم حيث يبدأ في السابع من شعبان (18 يوليو) وهو يوم أحد،  يعني أن أصل برشلونة يوم 6 شعبان (18 يوليو) وأما العودة فينتهي المؤتمر يوم 24 يوليو والحقيقة أن المؤتمر انتهى يوم 23 ولا أدري هل الخطأ مقصود لإيهام المشاركين بالبقاء يوماً إضافياً ليدعموا السياحة أو ماذا؟ المهم قررت العودة يوم 25 ووسطت أحد الإخوة في وكالة سياحية ليحجز لي ولأشتري التذكرة من مكتبه، فإذ بحجز العودة يوم 26 يوليو وأصل الرياض يوم 27. ولم أتفطن لذلك إلاّ بعد أن وصلت اسبانيا.
المهم وجدت أن لدي يومين إضافيين. ومن حق خديجة زوجي أن تنتظر عودتي مباشرة بعد نهاية المؤتمر، وهو من حقوقها وأمر نبوي كريم (فإذا قضى نهمته فليعد إلى أهله) ووالله ما قصدت مخالفة الحديث الشريف ولا إغضاب خديجة وقد تسبب عدم مرافقتها لي أنني لم أستمتع كما أردت فكنت أمر بالأشياء مسرعاً وحتى آلة التصوير لم أجد مزاجاً لإخراجها وتصوير الأماكن أو تصوير نفسي في تلك الأماكن. ولكن كيف أكون في برشلونة عدة أيام ولا أرى إلاّ قاعات المؤتمر والزملاء والأصدقاء والأعداء. ولذلك أعجبني الخطأ أو النًصْب من الوكالة السياحية. فكانت الجولة في شارع الرمبلة أو الرملة كما زعم أحد كتاب الإنترنت إنما هو تحريف لاسمه الحقيقي "الرملة" لأنه امتداد للشاطئ ورماله، والإنترنت هي (الصحف الحائطية التي كنا نعدها في المدارس حيث لا يسمح لنا بالكتابة في الصحف السيارة، وهكذا وجدنا الإنترنت اليوم فنحن –أقصد مجموعة من الناس وليس أنا وحدي- لم نجد الفرصة للكتابة في الصحف السيارة فأتاحت لنا الإنترنت لنخربش ونقول ما في أنفسنا إلى حد ما.
وشارع الرمبلة يمتد من ساحة كاتلونيا إلى الشاطئ مسافة كيلومتراً ومائتين من الأمتار. وهو شارع يمتلكه المشاة حيث إن المسافة المسوح بسير العربات فيها لا تتجاوز المسار الواحد في كل اتجاه. وهناك العديد من محطات المترو (قطار الأنفاق أو القطار التحتي) وتكثر الفنادق الفخمة والأقل فخامة حتى المتواضعة جداً، والشقق المفروشة على جانبي الشارع ويحذر أحد الكتاب من الضجيج في هذا الشارع الذي تستمر الحياة فيه حتى الثالثة صباحاً حتى لو كنت في أحد الفنادق الفخمة فإن الضجيج سيصل إليك مهما كانت العوازل. ويتضمن الشارع السياحة البريئة والسياحة غير البريئة التي لا أسمح لنفسي بالكتابة عنها لأمرين ترفعاً عن ذكر الأشياء الدنيئة ولأنني لم أسر في الشارع بعد غروب الشمس (وكانت تغرب على التاسعة تقريباً)، وأما الأشياء التي تجذب السياح فيه فكثيرة ومن أهمها وأغربها ولا يكاد يوجد في غير هذا الشارع هي التماثيل البشرية. وترى أشكالاً عجيبة من البشر ترتدي أزياءً من القرون الماضية وتقف وكأنها تماثيل حقيقة،حيث تحتاج إلى ساعات طويلة من ارتداء تلك الأزياء العجيبة ولديها القدرة الكبيرة على الوقوف  أو الجلوس دون حركة مدة طويلة.ولكن قد تقف لتنظر وتتأمل التمثال ويتحرك أمامك فجأة  ترى أسنان التمثيل وابتسامته حين يطلب منه أحدهم أن يتصور معه. وهذه الصور تغري السياح بإخراج بعض القطع النقدية.
ويكثر في الشارع المتاجر السياحية والمطاعم والمقاهي، وأسعار كل شيء هنا مبالغ فيه، فكتيب صغير يحتوي صور برشلونة بست يورو ونصف أي بأكثر من ثلاثين ريال، وربما كان  في مكان آخر لا يتجاوز ثلاثة يورو. ولكن يمكن للإنسان أن يتناول فنجان من القهوة أو الشاي ليشاهد الشارع وحركته، (ويشرب غيرنا كدراً وطينا، خمراً وسكرا)
وفي هذا الشارع أكبر تجمع للرسامين وهم على درجات بالطبع كما كل الناس في كل المهن، ويصطادون الزبائن المغرمين أن يرسمهم أحد وبخاصة من لم يمنحه الله جمال الشكل فتراهم أكثر الناس غراماً بمن يرسمهم، ونحن تعلمنا أن الإنسان إن نظر في المرآة أن يقول: ( اللهم كما حسّنت خَلقي فحسّن خُلُقي) وهم من جميع الجنسيات فليسوا إسباناً فقط. ويعرض بعضهم صوراً مما رسموا من قبل، وأتساءل لماذا لم يأخذها أصحابها؟ هل اختلفوا مع الرسام أو إنهم وجدوا الصورة قبيحة أو هي صورة طبق الأصل للواقع فكره أحدهم أو إحداهن أن تدفع مقابل لصورة لا تعجبه أو تعجبها، وبالإضافة إلى صور الأشخاص فهناك الرسوم الأخرى ولا أملك القدرة على الحكم عليها فقد يكون بعض هؤلاء الرسامين أصحاب موهبة حقيقية ولكنهم لم يكتشفوا أو لم تتح لهم الفرصة للظهور. ولكن عددهم كبير حقاً. ويوجد في الشارع نصابون كثيرون وانتهازيون ولصوص وسارقون،وقراء الحظ أو البخت كما يقول الشوام، وقراء الطالع كما يقول المصريون، والمنجمون والكهنة والعرافون كما هم فعلاً(من أتى عرّافاً أو كاهناً فصدّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد)(صلى الله عليه وسلم).
 وقد وضع أحدهم تعليمات للسلامة في هذا الشارع. وقد وصف أحد الغربيين لعبة أين الكرة التي يمارسها بعض النصابين هناك وكيف يبتزون السياح. ويقول هذا الكاتب إن هذا الشارع على الرغم من كل المناظر الجذابة والممتعة فيه قد يقرر فيه مصير حياة إنسان فقد يرتكب أحدهم جريمة قتل أو تدمير حياة إنسان قبل أن تصل الشرطة على الرغم من أنها موجودة فعلاً في كل نواحي الشارع. وعلى الرغم من رحلاتي الكثيرة لم أتصور أن تكون السياحة خطيرة إلى هذا الحد.
وعلى الإنسان أن لا يكتفي بالسير في الشارع الرئيسي بل عليه أن يسير قليلاً في الشوارع الفرعية، ومن أهم الأمور التي تجذب السياح واعتنى بها مجلس المدينة (للمدينة مجالس فأين مجالس مدننا؟) الآثار القوطية. والقوط هم حكام إسبانيا حين فتحها المسلمون، والعناية بالآثار القوطية أمر ملفت للانتباه، فهل هو فقط اهتمام بالماضي وجمالياته وآثاره أو إن لدى الكتالون هدفاً آخر التنبيه إلى أمجادهم السابقة.
وأنت في الرمبلة أو الرملة تمتع بالعصير الطازج
كأني قلت لك لا تكتفي بالسير في الشارع الرئيس كن مثلي لديك حب استطلاع وفضول (وملقوف، بالحجازية) وسر في أي اتجاه تقودك قدماك، فإن ضعت فرأسمال الأمر أن تسأل وإن لم تسأل أن تبحث عن سيارة أجرة إن كنت مستعداً أن تصرف خمسين ستين سبعين ريالاً أو أكثر لمشوار لا يزيد عن أربعة يورو في بلادنا المعمورة. وكما كان يقول أبي رحمه الله (اللي تعرف ديته اقتله) (ليس المعنى القتل المادي الحسي، ولكن نفذ إن كنت قادراً) نعم كن فضولياً وأنت مسافر، لا تكن فضولياً دائماً ، فيصيبك ما يقوله المثل الحجازي من أدخل يده في الغيران تلسعه ...وأكملوا)
وقد قادني حب الاستطلاع إلى سوق سينت جوزيف وسينت فلان وسينت فلان، والسينت في لغة القوم هو القديس فما أكثر القدادسة أو المقدسين! فهل صحيح أنه كان لديهم كل تلك القداسات وحالهم هو الحال الذي عندهم؟ والأمر ينطبق علينا فأحياناً يكون عندنا ألف شيخ وشيخ ولا شيخ! والمعنى في بطن الشاعر، وكما كان الغزالي رحمه الله (أبو حامد) يحب أن يتمثل ببيت الشعر: يا قراء البلد أنتم الملح، فما يُصلح الملح إذا الملح فسد؟ فما معايير القوم في إطلاق لقب قديس على بعض الأشخاص، وبالمناسبة فمعظم أو الغالبية العظمى من تلك القداسة تذهب للرجال، أفلا تستحق النسوة عندهم هذا اللقب. صحيح أن الحديث الصحيح يقول (كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء غير مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ) صحيح البخاري، المجلد 5 (كتاب 62). ولكن القرآن الكريم ضرب مثلاً للذين آمنوا امرأة نوح ومريم ابنة عمران ، وضرب الله كذلك مثلاً للذين كفروا من النساء. وفي تاريخنا الإسلامي احتفاء بالنساء اللاتي بلغن درجة عالية من العلم، وأمهات الأعلام والعلماء وأخواتهم وغير ذلك.
كن فضولياً محباً للاستطلاع فقد قادني هذا الحب لأدخل سوق القديس (عندهم) جوزيف وهو سوق طريف للغذاء أو للطعام فأول السوق متجر يبيع الفواكه، ويبيع إلى جوارها العصير الطازج من البرتقال إلى المنقة والتفاح والموز والباباي والأناناس، فطلبت كأساً من الباباي، وكان الثمن اثنين ونصف من اليوروات.  وكان عندهم تمر يباع بالغرام واشتريت مائة غرام بأكثر من اثنين يورو وبقيت معي تمرة أو تمرتين كانتا من نصيب فاطمة (ابنتي ابنة الثلاثة أعوام). يعني أربعة تمرات بعشرة ريالات، فماذا فعلنا في تصدير التمر إلى العالم؟ ألا يمكن أن نثقف العالم بفوائد التمر بكل اللغات الحية ونوزع الكتيبات وننتج البرامج في كل القنوات الفضائية الغربية عن التمر، لماذا لا نسوق التمر وفي الوقت نفسه نسوّق اللحم الحلال؟ كم من البرامج تحدثنا عن اللحم الحلال وعن التسمية على الذبيحة ومن يأكل الأوروبيون وغيرهم من المطاعم التي تقدم اللحم الحلال ألا يمكن أن ننتج مطوية صغيرة توضح فوائد اللحم الحلال.

ووجدتهم يبيعون الزعفران واشتريت ثلاث غرامات، ومع أنني أعتقد أن السوق ليس للسياح وحدهم فهو سوق تاريخي والذين يعملون في السوق هم من أحفاد الأحفاد للآباء المؤسسين لهذا السوق، فإنه كان سوق المدينة قبل أن يتحول إلى معلم سياحي. ولذلك فقد تكون الأسعار مرتفعة شيئاً ما. ويباع في السوق اللحم والسمك والمأكولات بأنواعها. وبياعي الفاكهة ابتدعوا طريقة لبيعك الفاكهة المقطعة الموضوعة في علب بلاستيك. وعندهم بطيخ أحمر أحمر، ومتماسك القوام، فتعجبت لماذا لا يكون البطيخ في بعض البلاد إلاّ أحمراً ومسكين الشاعر الذي ابتلي بالبطيخ الأبيض دائماً حتى قال: حظي أحمر في كل شيء ما عدا البطيخ أبيض، وكنت أقول لو اجتمع أهل المدينة ليبحثوا عن بطيخة بيضاء لكانت من نصيبي، ولا أحب أن أشتري البطيخ على السكين فمتى كانت سكين البيّاع نظيفة، وقد قلت ذلك لأحد البياعين وخفت منه ومن سكينه وتراجعت قبل أن يهم بغسل السكين، لأنه يستخدمها وتبقى مكشوفة ومعرضة للغبار والجراثيم.  لماذا بطيخهم أحمر وفي بطيخنا الأبيض والوردي والخربان من داخله؟ هل تربتهم أحسن من تربتنا، هل زراعهم أحسن من زراعنا، هل يتعاملون مع البطيخ بهدوء في نقله ولا يرمونه رمياً كما شاهدت في بعض أسواقنا، يباع البطيخ عندنا بالكوم بعشرة ريالات ليكسب صاحب البطيخ الكثير إلاّ إن ازدادت الحرارة فخسر البطيخ وما دفع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق