السبت، 15 يوليو، 2017

معهد الدراسات الأمريكية ملاحظات ومقترحات


      اطلعت على إعلان لمعهد الدراسات الأمريكية التابع لجامعة لندن أسرعت بإرسال رسالة هاتفية (فاكس) إلى مدير المعهد البرفسور جاري ماكداول أطلب منه بعض المعلومات عن برنامج الدراسة في معهدهم. وقد تفضل بإرسال الكتيب الخاص ببرنامج الماجستير لعام 1996/1997م.
     يقدم معهد دراسات الولايات المتحدة الأمريكية برنامج الماجستير الذي يمكن أن ينظر إليه على أنه إعداد لمزيد من الدراسات للحصول على الدكتوراه أو البحث في هذا المجال، وقد تخرج العديد من الطلبة في هذا البرنامج وهم يعملون الآن في العديد من المجالات ومنها التعليم أو السياسة أو الأعمال والتجارة. ومدة الدراسة سنة واحدة إذا كان الباحث متفرغاً كلياً للدراسة أو سنتان للتفرغ الجزئي ويشير كتيب المعهد إلى أن معظم مواد البرنامج تدرّس بعد الساعة الخامسة مساءً.
       أما المواد التي يدرسها الطلاب في هذا البرنامج فهي: الجغرافيا الاقتصادية والتاريخ الاقتصادي والتاريخ والعلاقات الدولية والآداب والموسيقى. وقد تضمن الكتيب تفصيلاً لدراسة هذه المواد فدراسة التاريخ تتضمن مثلاً المواد الآتية: الهجرة والعرقية في الولايات المتحدة منذ عام 1820-1880م. ومنها أيضاً مادة التاريخ الدستوري حتى منتصف القرن التاسع عشر، ومن هذه المواد أيضاً هوليوود وتاريخ الفيلم الأمريكي الشعبي. وتهتم دراسة الولايات المتحدة بموضوع العلاقات الدولية فمن المواد التي تدرس تحت هذا التصنيف: الولايـات المتحدة بصفتها قوة عظمى في سياسات العالم في القرن العشرين، وكذلك الولايات المتحدة والعالم: السياسة الأمريكية الخارجية بعد نهاية الحرب الباردة.
    ولا شك أن ما يهم الإنجليز أن يدرسوه يختلف إلى حد ما عما يمكن لنا أن ندرسه نحن فإن الإنجليز والأمريكان يشتركون في الجذور الفكرية اليونانية والرومانية والأصول النصرانية اليهودية- وإن لم يعترفوا بتأثير الإسلام- فإننا يجب أن نهتم بهذا الجانب. كما أن برنامج الماجستير وحده قد لا يكفي للمبتدئ في التعرف إلى الغرب ولذلك فقد يطلب أن يكون ثمة تخصصاً فرعياً في المرحلة الجامعية للتعرف على الفكر الغربي والثقافة الغربية.   وليس معهد دراسات الولايات المتحدة الأمريكية التابع لجامعة لندن هو المعهد الوحيد لمثل هذا النوع من المعاهد فقد علمت أن ثمة معهد بهذا الاسم في مونتريال بكندا. ولذلك فإنني أقدم بين يدي المشرفين على معهد أصيلة لدراسة الولايات المتحدة أن يفيدوا من تجارب هذين المعهدين في لندن ومونتريال. وأعتقد أن الدول الأوروبية الأخرى مثل ألمانيا لا تخلو من معاهد أو تخصصات مماثلة.
      فقد تأسس في الغرب منذ عدة قرون أقسام للدراسات العربية الإسلامية أو ما كان يسمى الاستشراق ولئن كانت تلك الدراسات تبدأ باللغة العربية وفقه اللغة ثم ينطلق المستشرق بعد ذلك ليتناول كل ما يخص العالم الإسلامي عقيدة وشريعة وتاريخاً واجتماعاً. وقد كان من آخر المستشرقين هاملتون جب الذي بدأ اهتمامه باللغة العربية وآدابها فكتب بعد ذلك في التاريخ وفي الاجتماع وفي الاتجاهات الفكرية والسياسية في العالم الإسلامي. وانتهى به مشواره العلمي في جامعة هارفارد خبيراً في شؤون الشرق الأوسط. ومن نماذج المستشرقين المعاصرين برنارد لويس الذي تخصص في التاريخ ثم كتب في كل ما يتعلق بالإسلام تاريخاً وعقيدة وسياسة واقتصاداً.
       ونحن إن أردنا أن نعرف الغرب معرفة صحيحة فيجب أن نبدأ من حيث انتهى القوم لا من حيث بدؤوا. فقد كنت في زيارة لجامعة كاليفورنيا في مدينة بيركلي فوجدت أن الاهتمام بالشرق الأوسط قد تـوزع الآن على ثمانية عشر قسماً يقوم مركز دراسات الشرق الأوسط بالتنسيق بينها. وكم من رسالة علمية أشرف عليها أكثر من أستاذ في أكثر من قسم علمي. ولذلك ينبغي أن تكون دراستنا للولايات المتحدة الأمريكية مبينة على التخصص العلمي الدقيق فلا بد أن يتكون لدينا متخصصون في التاريخ الأمريكي وفي الاجتماع الأمريكي - بمختلف تخصصات علم الاجتماع - ومتخصصون في الأدب الأمريكي، وفي التيارات الثقافية والفكرية الأمريكية، ومتخصصون في الجغرافيا السياسية والاقتصادية والطبيعية والبشرية لأمريكا، كما نحتاج إلى متخصصين في الجيولوجيا الأمريكية ونحتاج إلى متخصصين في المجالات المختلفة.
وفي الوقت الذي يبدأ فيه معهد الدراسات الأمريكية لتكوين نفر من المتخصصين في هذه الدراسات فإننا بحاجة إلى إنشاء معاهد ومراكز وأقسام عليمة تهتم بالدراسات البريطانية والإيرلندية، ونحتاج إلى متخصصـين في الدراسات الاسكندنافية وفي الدراسات الألمانية وغيرها حتى لا تبقى دولة من دول العالم ليس لدينا متخصصون فيها. وحبذا لو فكرنا جدياً في إعداد متخصصين في دراسات جنوب شرق آسيا وفي الصين وفي الهند.
     وبعد أن يتكون لدينا عدد من المتخصصين فإننا يجب أن نفكر في إنشاء جمعيات ورابطات للدراسات المختلفة حتى يتم التنسيق بين مختلف الباحثين في شتى المجالات. ولا شك أن الصلة التي تربط المتخصصين في أي مجال من المجالات إنما هي الدوريات العلمية والمؤتمرات والندوات والنشر. فإن الأمر يتطلب عقد المؤتمرات والندوات ونشر الكتب والدراسات والموسوعات. فكما خطط اتحاد المستشرقين الدولي في بداية القـرن العشرين لإصدار دائرة المعارف الإسلامية وقام بإصدارها في طبعتيها الأولى والثانية، فإننا يجب أن نفكر بإصدار دائرة المعارف الأوروبية نهتم فيها بما كتبه الأوروبيون عن أنفسهم ولكن يجب أن تكتب بأيد عربية إسلامية ونأخذ في الاعتبار أن يشارك فيها منهم من تتسم كتابته بالعلمية والموضوعية.
        ويمكننا في الوقت الحاضر أن نبدأ بإعداد باحثينا في الدراسات الأوروبية في أن يتخصص بعض أبناء العالم الإسلامي الذي يدرسون للحصول على الدرجات العليا (الماجستير والدكتوراه) في دراسة قضايا تختص بأوروبا وأمريكا بدل أن يتخصصوا في دراسات تخص العالم الإسلامي. وقد يرى البعض أن الجامعات الغربية قد لا تسمح لهم بمثل هذه الدراسات حيث إن الجامعات الغربية تهتم بمعرفة العالم الإسلامي من خلال أبنائه الذين يدرسـون في تلك الجامعات وهو ما بدأه معهد الدراسات الإسلامية في جامعة ما جيل بكندا حيث كان يحث طـلابه المسلمين على دراسة مشكلات بلادهم في كندا حتى يكونوا بعيدين عن التأثيرات المختلفة فإننا يجب أن نصل إلى اتفاقات مع الجامعات الغربية على أن تسمح لطلابنا بعدم الاقتصار على دراسة قضايا العالم الإسلامي.

    ومن الفوائد التي تحققت من دراستنا للاستشراق أنها لفتت انتباهنا إلى مجال يمكن لنا أن نطرقه وهو أن يقوم نفر من العرب المسلمين بحضور الندوات والمؤتمرات التي تعقد في الغرب وتتناول الموضوعات التي تخص الدول الغربية. فقبل أسابيع عقد مؤتمر ضخم في بودابست بالمجر حول الدراسات الأسيوية والشمال أفريقية حضره ما يزيد على ألفي عالم من أنحاء العالم فمتى يأتي اليوم الذي نعقد فيه نحن مؤتمرات حول الدراسات الأوروبية والأمريكية ويحضره علماء من شتى أنحاء الدنيا. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق