السبت، 3 يونيو، 2017

بل دراسة التاريخ مفيدة

                                                 
لا تنهض أمة من الأمم حتى تعطي كل العلوم والفنون حقها من الاهتمام والعناية والرعاية، وتسعى في تقديم الفرص للدارسين في شتى المجالات، وهذه الفرص تتمثل في المنح الدراسية والمكفآت والجوائز ومنح للقيام برحلات علمية وتساعد في نشر البحوث في شتى المعارف. فإن النهضة القائمة على العلوم والتقنية وحدها ليست نهضة حقيقية بل إنها نهضة عرجاء مشوهة. وما ارتقت أمة من الأمم بالعلوم والرياضيات والفيزياء والكيمياء فحسب. ولكن نفراً من بني قومنا يصرون على أننا نحتاج فقط إلى المتعلمين في المجالات العلمية حتى إن أحدهم كتب في صحيفة يومية ( الاقتصادية 23شوال1419) يقول وما ذا ستفعل شركة صافولا أو مصفاة كذا بمتخصص في التاريخ اليوناني أو متخصص في التاريخ الروماني ولعله خجل أن يقول ( والتاريخ الأموي أو العباسي أو الأندلسي..الخ)
سأبدأ الحديث من واقع تجربتي الشخصية ففي الخطوط الهولندية يعمل الدكتور شرويدر في إدارة الشؤون الدولية- وتعد هذه الإدارة قلب شركات الطيران حقيقة فهي التي تخطط شبكة الخطوط الجوية من خلال التفاوض مع الشركات الأخرى حول خطوط السير وعد الرحلات والسعة المطروحة ونوعية الخدمات وغير ذلك. وتعتمد هذه الإدارة على ما يصل إليها من دراسات من أقسام التسويق ومن أقسام الأبحاث والتخطيط كما على هذه الإدارة أن تعرف كثيراً من المعلومات الفنية حول الأسطول وطائراته وسعتها.
كان الدكتور شرويدر يعمل في هذه الإدارة التي تدخل مع الشركات الأخرى في اتفاقيات ثنائية واتفاقيات تجارية متنوعة منها اتفاقيات الصندوق المشترك (Pool) واتفاقيات التشغيل المشترك (Joint Venture) وغيرها من أنواع الاتفاقيات التي تتناول السعة المعروضة على الخط وسعة طائرات كل ناقلة ووحدة العمل في الصندوق المشترك. وثمة قضايا اقتصادية دقيقة في الموضوع لا أريد أن أزعج القارئ بها ولكن الدكتور شرويدر كان يعرف ذلك كله وكان يتقن دوره في المفاوضات مع الشركات الأخرى وبخاصة العربية بحكم تخصصه في مجال التاريخ.
ومن الطريف أن الخطوط السعودية كان يعمل في إدارة الشؤون الدولية متخصص في التاريخ حصل على الماجستير في هذا التخصص وهو على رأس العمل، وكان هذا الموظف على دراية تامة بتاريخ الاتفاقيات مع الدول الأخرى وملاحقها وقد أفاده حسه التاريخي في معرفة هذه المعلومات وحفظها بالإضافة إلى معرفته بالقضايا الاقتصادية المتعلقة بين الشركات. وعندما تكون المفاوضات مع الخطوط الهولندية يكون هذا الاجتماع ملفتاً للانتباه.
ونعود إلى التخصص في التاريخ وأهميته في العمل في الشركات فإن جزءاً من تعاملنا مع الشركات الأخرى فهم نفسية من نتفاهم معهم من الدول الأوروبية والأمريكية أفلا يفيد أن يعرف الموظف بعض الشيء عن تاريخ الذين يتفاوض معهم فيتفهم عقليتهم وتاريخهم ونفسيتهم.
وعودة إلى تاريخ هذه الأمة العظيم فإن علماء التاريخ الذين نبغوا في هذا المجال كانوا علماء حديث وعلماء لغة وتفسير. وكان من المؤرخين من أتقن فنون أخرى كالهندسة والفيزياء والطب والرياضيات. ومن الأمثلة على ذلك الأمام الطبري والإمام الحافظ ابن كثير والحافظ ابن الأثير وغيرهم كثير.
إن التاريخ إذا ما درس دراسة حقيقية فإنه فرصة لتوسيع المدارك والأفق وزيادة المعرفة وقد قيل من لم يعرف الماضي أحرى أن يقع في الأخطاء السابقة. إن خريج التاريخ لا ينبغي أن نقلل من قدراته الأخرى فقد يكون دخل هذا القسم مضطراً أو حتى لو كان راغباً فإنه لا شك قد يملك مواهب كثيرة يمكن للشركات أن تفيد منه. لماذا لا تعقد له الدورات المختلفة في أعمال السكرتارية مثلاً أو الكمبيوتر أو الإدارة.هل يصعب على المتخصص في التاريخ أن يتقن الميكانيكا أو السباكة أو النجارة أو الحدادة؟ لقد عرفت أستاذاً متخصصاً في اللغة العربية وشاعراً جيداً كان يعمل في إصلاح قماشات الكوابح (الفرامل).
فيا أخي الكريم يا من انزعجت من دراسة التاريخ اليوناني أو الروماني أرجو أن تعيد النظر في الإقلال من شأن هذه التخصصات الضرورية في حياة الأمة فلو لم يكن التاريخ مهماً لما كان تدريسه يستمر من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية.







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق