الأحد، 9 أبريل، 2017

مشاهدات ومؤانسات من تلمسان


     أعتذر من أحبابي في الجزائر والمغرب فقد وجدت نفسي أكتب بانفعال "والله المغاربة والجزائريين ما يستحوا" ولمن لا يفهم هذا التعبير أقول المقصود منه العتب على شيء كان ينبغي أن يفعلوه ولم يفعلوه، فقد ذهلت للتشابه الكبير بين البلدين وبخاصة منطقة تلمسان التي جئتها بعد أن ارتبطت بالمغرب برابطة المصاهرة حوالي العشر سنوات وزرتها مرات ومرات. فالتضاريس متشابهة من ناحية الجبال والسهول والأشجار والنباتات. أما البشر فاللهجة متشابهة إلى درجة كبيرة فإني أسمع الناس في تلمسان وأظنني في فاس أو في الدار البيضاء أو مراكش. ويتشابهون في الأكل فليس الكسكسيه وحده هو الذي يجمع المغرب العربي من ليبيا حتى موريتانيا بل هناك أكلات خفيفة متماثلة مثل الزعلوكة وغيرها،  بل أكثر من ذلك فإن أستاذاً جامعي قال لدينا فكرة أن الرجل عندما يتقدم في السن لا يتمنى أن يعود شاباً إلاّ ليتزوج من مغربية، فقال له أحدهم حتى أنت؟ فقال حتى أنا ولكني تزوجت جزائرية وكان أول بلد نزوره هو المغرب وهي تحب المغرب مثلي.
     فلماذا يتفرقون ولماذا تكون الحدود مغلقة والاتهامات متبادلة. وإن لاحظت الشحن في المغرب أقوى منه في الجزائر وإن كنت لم أستقص الموضوع تماماً.  يا لنا نحن العرب كيف تحولنا إلى أكثر من عشرين دويلة ودولة ولا دولة، وكيف تعددت الجنسيات والأعلام والأعياد وتنوعت الأحقاد والتعصبات والتحزبات. يقولون تجمعنا الجامعة العربية وهي جامعة جامدة لم تستطع أن تفعل شيئاً حقاً.
     صنع الاحتلال الأجنبي تلك الحدود المصطنعة فتمزقنا وازددنا بعد ما يسمى الاستقلال تمزقاً وتفرقاً. وكان الأولى أن يبدأ التعاون والتبادل بين العلماء والمثقفين. وعندما ينظر الإنسان إلى الاتحاد الأوروبي تجد أنهم صنعوا شعوباً متوافقة بالتبادل الثقافي، بل لدى الغرب والولايات المتحدة البعثات المتبادلة من المرحلة الثانوية حتى الجامعة.
     وقد لاحظت أن الأوضاع الأمنية في الشارع والحياة العامة عادية وبخاصة في تلمسان التي أمضيت فيها يومين فقط ولكن الإجراءات الأمنية في المطارات ما تزال صعبة فالتفتيش يتكرر أكثر من مرة، والسفر الداخلي تحول كأنه سفر للخارج فمن تعبئة النماذج والمرور بأكثر من نقطة تفتيش.
      ومما أزعجني كثيراً طول الانتظار في كل مكان حتى يتعجب الإنسان لماذا هذا البطء في إيصال العفش من الطائرة إلى الصالة؟ ولماذا التعرف على الحقائب قبل صعود الطائرات في الرحلات الداخلية؟ ولماذا الانتظار في مراجعة موظفي الخطوط الجزائرية لماذا لا يزيدون عدد الموظفين؟ وكذلك في الدخول إلى صالة المغادرة؟  وكذلك عند ركوب الطائرات فقد تقف الحافلة أمام باب الطائرة عشرة دقائق؟ كما لاحظت في الجزائر وفي غيرها محاولة البعض تجاوز الدور أو ما نسميه في الحجاز (السرا)، فلماذا يحدث هذا؟ إنها نوع من الأنانية وسوء الأدب مع الآخرين. فلست أفضل من غيرك يا من تجاوزت من سبقك؟ ولعل أسوأ أنواع تجاوز الدور هو ما يحصل من بعض من لهم وساطات أو معارف في المكان الذي يقف فيه الناس. وقد حاول أحدهم أن يسبقني أمام موظف الخطوط فسحبته وقلت له نريد أن نتساوى هنا على الأقل. بل فعل الشيء نفسه مع شخص أراد أن يدخل قبلي فدفعته بحقيبتي بشيء من القسوة.  ومع كل هذا الانتظار فقد كانت معاملة الجمارك معي رائعة فقد مشيت ببطء أمام الجمارك فما كان من رجل الجمارك إلاّ أن قال لي اذهب.
     لم تتح لي الفرصة للاطلاع على الصحافة ولكن لاحظت أن المبالغة في مدح الرئيس لا تختلف فيه هذه الصحافة عن بقية الصحافة العربية في معظم البلاد العربية قبل ثورة مصر وتونس.
     كانت المياه المقوررة أو المعبأة بالقوارير الأكثر شهرة هي "سعيدة" ولكني وجدت الآن نوعاً آخر هو "أفري" مع وجود سعيدة. وعلى الرغم  أنني من أنصار القديم لكن طعم المياه الجديدة مقبول، وربما يومين لم تكن كافية للحكم على المياه الجديدة.
    مدينة تلمسان مدينة ممتعة لسبب بسيط أنك ترى الجبال الخضراء من كل اتجاه فكأنّ المدينة تحتضنها الجبال فتضفي عليها جمالاً وبهاءً وروعة. والمدينة مبنية على عدد من التلال ففي بعض المواقع تستطيع أن  تشرف على الوديان وعلى الأجزاء المختلفة من المدينة.
     سمعت قصيدة من الشعر الملحون لأستاذ جامعي قالها في الاعتراض على السماح للمغني اليهودي من أصل جزائري يعيش في فرنسا وقد أراد أن يزور الجزائر وحدث أن أجرت معه صحيفة فرنسية لقاءً أبدى فيها حبه لإسرائيل وإنه لا خلاف بين حب إسرائيل وزيارة الجزائر فقامت حملات شعبية كبيرة في الجزائر لمنعه من دخول البلاد. ولم أفهم القصة كاملة ولكن أحد الأساتذة الجامعيين قال قصيدة رائعة بالشعر الملحون ضد قدوم هذا اليهودي الصهيوني وأرجو أن يتاح لي فرصة توثيق القصة وإيراد القصيدة كاملة.
  لمحات من المؤتمر:
     لولا وجود بعض الذين تحدثوا بالفرنسية لزعمت أنني استمعت وسمعت كل المحاضرات ما عدا الوقت الذي طلب فيه مني أن أعطي حديثاً للإذاعة الجهوية أو التلفزيون. ولكن مع ذلك أستطيع أن أقول إن المؤتمر يكاد يكون قد انقسم إلى فريقين أو ربما ثلاثة: فريق محب للاستشراق وللغرب عموماً وبعضهم يعيش في الغرب وينهل من خيراته ويعيش في بحبوبة من العيش هناك حتى بدت واضحة على تكرشه وسِمَنِه. بل هذا الذي دافع عن الاستشراق بوعي وبلا وعي يقف أعنف من أسياده في شتم الطرف المنتقد للاستشراق حتى إن أحدهم وصف من يناقش سلبيات الاستشراق بأن فكرهم من عهد الحفريات أو أثري أو متجمد. وقد انبرى أحدهم لينقض ما قلت. وأحب أن أعيد هنا إحدى ملاحظاتي وهي أن أحد المستشرقين الفرنسيين قال لماذا لا تنظروا فقط إلى الجانب السلبي لماذا لا تنظروا الجوانب الإيجابية؟ فالمستشرقون أناس يبحثون عن المعرفة. فطلبت الكلمة وقلت ما ملخصه: إن قضية أن المستشرقين يبحثون عن المعرفة قالها لي برنارد لويس عام 1988 حين قابلته وقال إننا مثل التجار نسعى إلى زيادة رصيدنا المعرفي كما يسعى التاجر إلى زيادة رأسماله ومكاسبه. وقال الكلام نفسه في الرد على إدوارد سعيد عام 1982م ولكن هل صحيح أن ما يحرك الاستشراق هو المعرفة فلماذا تدعم الحكومة البريطانية على سبيل المثال هذه الدراسات في تكوين لجان لدراسة حاجة البلاد من المتخصصين في الدراسات العربية والإسلامية في  1903و1947 و1961 و1985 و1993 و2007. ولماذا حرصت جامعة ماقيل على توجيه طلابها المسلمين على دراسة مشكلات بلادهم؟ لقد وصف إدوارد سعيد هؤلاء والأساتذة العرب أنهم يعملون كمخبرين في تدريس صغار المستشرقين. وتساءلت لماذا يقدم معهد دراسات العالم الإسلامي في العصر الحديث خمسين منحة ثمانية عشرة منحة دكتوراه و32 منحة للماجستير لدراسة أحوال العالم الإسلامي؟ هل هذا من أجل العلم والمعرفة؟ نحن لا ننكر وجود جوانب إيجابية في دراسات المستشرقين لكن هذا المجال تحكمه الأجندات السياسية في الغالب الأعم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق