الأحد، 9 أبريل 2017

الجزائر من الحزب الأوحد إلى التعديدة ورحلة العودة الصعبة


  قلت تأخر وصول التذكرة من المجلس الشعبي البلدي بمدينة قسنطينة فأخذت مرة أخرى بنصيحة والدي رحمه الله فاشتريت التذكرة على حسابي من الخطوط الجزائرية (كنت قد تركت العمل في الخطوط السعودية والتحقت بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية محاضراً) وكانت رحلة الذهاب ميسرة هينة وكنّا صائمين فقد انطلقت الرحلة من جدة على السادسة والنصف صباحاً  ووصلنا على العاشرة صباحاً بتوقيت الجزائر وكان علي أن أمضي في مطار الجزائر حتى عصر ذلك اليوم حيث تقلع الرحلة إلى قسنطينة على الساعة الرابعة والربع، ولما كان وقت الانتظار طويلاً فقد اتصلت بصديقي عبد القادر رباني فجاءني إلى المطار ومكث معي حتى غادرت إلى قسنطينة.
       ووصلت قسنطينة فلم يكن أحد بالانتظار فاتجهت إلى فندق سيرتا وأعطيت غرفة لم تعجبني أو سيئة جداً ولكني قلت إنما هي عدة أيام ثم إنني كما أقول لن أتزوج فيها فلا بد من الصبر.
  وفي قسنطينة دعيت إلى طعام الإفطار عند الدكتور عبد اللطيف عبادة أستاذ الفلسفة بجامعة قسنطينة ومن مؤلفاته فقه التغير في فكر مالك بن نبي، كما دعيت إلى منزل الأستاذ معروف الهاشمي رئيس اللجنة الثقافية بالمجلس البلدي وأصر أحد أعضاء المجلس البلدي على دعوتي فقلت لهما تفاهما فيما بينكما ولكني أجد أن دعوة من دعاني من المدينة أولى بالقبول فتخاصما قليلاً.
وحدث في رحلة العودة بعض التنغيص والنكد، وقد سمعت مرة أن كل رحلة لا بد لها من تذكار إما أن يكون ساراً أو مزعجاً، وكان تذكار الرحلة أنني وصلت المطار لألتحق برحلة الخطوط الجزائرية رقم 402 يوم الأحد ليلة الاثنين 18/19 رمضان 1409 هـ فقال لي الموظف لا يوجد مقاعد، فبدأنا البحث عن وساطات وشفاعات ومن هؤلاء جار للصديق عبد القادر رباني اسمه بشير وآخر اسمه سطيحي واتصلنا بالمجلس الشعبي البلدي ليتوسط لدى الخطوط وحاولت الاتصال بمدير الخطوط السعودية أحمد مجلي فكان غير موجود أو لأنني لست موظفاً في الخطوط فهو غير موجود. وكانت النتيجة سلبية لا مقاعد.
  ورجعنا إلى منزل الأستاذ برهومي فكان لا بد من الرجوع إلى المطار في اليوم التالي الجمعة ليلة السبت ولم يكن ثمة رحلة فصليت الجمعة في مسجد أقامه الطلبة بمجهوداتهم فقد طلبوا الدعم من شؤون المساجد فلم يستجيبوا لهم وفي تلك الجمعة انتشر عدد من الطلبة في المسجد بين أربعة أو خمسة طلبة وفي يد كل واحد كيس من البلاستيك ومروا على المصلين يطلبون التبرع.
  جئت إلى الجزائر وأنا مهدد بالفصل من المعهد لاختلاف حول اختيار موضوع رسالة الدكتوراه فتذكرت أن أمامي أسبوعاً للبحث عن عمل ولكني استجابة للدعوة لحضور المؤتمر تركت التهديدات وراء ظهري وفي لحظة انفعال كتبت السطور الآتية:
  كان في المدينة معه
   مدير ه جِدُّ أنكد
  وقلبه أسود
  فيا له من معهد
  كان في المدينة معهد
  جوسسة ونميمة
  وسوء ظن وباختصار
  يحكمه حقد أحقد.
   وأعود إلى الرحلة فبينما كنا يوم السبت نسير في المطار نقضي الوقت ريثما نجد طريقة للحصول على بطاقة الصعود إذ بنا نرى لوحة مكتوب عليها (مكتب النادي السياحي) فاتفقت أنا وبرهومي أن ندخل المكتب ونعرض عليهم الأمر فلعلنا نجد حلا، وكان الأمر خيرة كما نقول في الحجاز حيث إن المكتب هو المسؤول عن تسيير تلك الرحلات إلى العمرة في رمضان وقد اشترى المقاعد وهو الذي يتصرف فيها. فلما عرف أنني اشتريت التذكرة من جدة وبالعملة الصعبة وأنني ضيف للمجلس الشعبي البلدي فما كان منه إلاّ أن أسرع وأعطاني بطاقة الصعود. فكانت رحلتي في الأصل تمتد من الأحد إلى الخميس إذ بها تصلح حتى يوم الأحد فامكث الجمعة والسبت والأحد.
  جاءت هذه الرحلة في المرحلة التي كانت تمر بها الجزائر من سيطرة الحزب الواحد إلى التعددية وكأن التعددية كان المقصود منها التشتت والتفرق والتشرذم والتمزق فقد زاد عدد الأحزاب على ثلاثين حزباً. وقد قيل إن من أشار على الجزائر بالتعددية كأنه أشار عليها لتنحدر إلى الهاوية، نعم جميل أن يكون الإسلاميون أصحاب صوت ولكن صوت الإسلاميين ظهر أنه قد تحول إلى فرق وطوائف وكل حركة إسلامية تحارب الأخرى. فقد زارني أحد من كان في جبهة الإنقاذ وبدأ ينتقد جماعات أخرى بأسلوب لا ينتقد به الكفار والملحدين والمنحرفين والزنادقة. وقد تخيلت أن تلك الحركة غوغاء في غوغاء.
  ومن التعددية ظهرت أصوات الفرق الداعية إلى الأمازيغية أو البربرية ونادت باحترام البربرية واتخاذها لغة ثانية في البلاد ومن هذه النشاطات أن تأسست جمعية بتافات هدفها تنمية الثقافة الإمازيغية وكان الإعلان عنها باللغة العربية، وهناك دعاة الشيوعية (لم تكن سقطت في روسيا). وكأني بجبهة التحرير تعد العدة للانقضاض على الأحزاب جميعاً تريد أن تأكلها كلها كأنها عصى موسى الذي تحول إلى ثعبان فالتقم كل ما كانوا يأفكون.   
  وكانت هذه رحلتي الأخيرة للجزائر في هذه المرحلة الزاهية التي كان الشاذلي بن جديد رئيساً وكان الشيخ محمد الغزالي مستشاراً وأستاذاً في جامعة قسنطينة وبدأت الحركة الحزبية ففاز حزب جبهة الإنقاذ في الانتخابات البلدية بالغالبية وهنا تداعي العالم كله شرقه وغربه وشماله وجنوبه وبذلت دول أموالاً طائلة لمنع الاتجاه الإسلامي من الوصول حتى إلى المجالس البلدية. وقضية الخوف من الإسلام بذل الإعلام العربي مدة طويلة في نشره. وبدأت حرباً أهلية أو ما أطلق عليه ذلك بينما الحقيقة إنها حرب ضد أن تستقر الأوضاع في الجزائر أو أن يسير الجزائر في اتجاه الإسلام والاستقرار.
  ولم أعد إلى الجزائر من هذه الرحلة إلاّ في عام 1420هـ (2000م) في شهر أبريل ومنذ ذلك التاريخ لم أزر الجزائر حتى عام 1432هـ (2011م)


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق