السبت، 8 أبريل، 2017

مسجد الأرقم بن أبي الأرقم بالجزائر وذكريات أخرى



        أرادت فرنسا في أثناء احتلالها البغيض للجزائر أن تضيّق على الجزائريين فأنشأت هيئة دينية للإشراف على المساجد وعلى الشؤون الدينية وعينت أشخاصاً يطيعونها ضد أمتهم وقومهم بل كانوا يعادون الحركة الإصلاحية ونجحوا في إغلاق هذه المساجد أمام العلماء لتعليم العلوم الشرعية ولتكون منطلقاً للمحافظة على اللغة العربية والهوية الإسلامية. بل كان من إبداعات هذه المؤسسات أن تحدد الخطب لخطباء الجمعة، وقد قلّهم الاحتلال البريطاني في مصر. وهنا ما كان من الجزائريين إلاّ بدؤوا بتأسيس ما أصبح يعرف بالمساجد الحرة. وقد نجحوا في ذلك نجاحاً كبيراً منقطع النظير. وقد لمست بعضاً من طرائقهم التي أصبحت شائعة في البلاد الإسلامية وفي غيرها حتى إنهم في مساجد بريطانيا يحثون المصلين على التبرع لأمر ما فيمر مجموعة من الشباب على الرجال وفتيات على النساء وبأيديهم وأيديهن أكياس من البلاستيك لجمع التبرعات، ويعلنون في الجمعة التالية المبلغ الذي تجمع لديهم.
واستمرت هذه الروح والعزيمة حتى بعد عودة الاستقلال واتخاذ أول حكومة النهج الاشتراكي واستبعاد الإسلام وفرض الإقامة الجبرية على الشيخ البشير الإبراهيمي واستبعاد الإسلام من حياة الأمة. ونهض الجزائريون يبنون المساجد الحرة من جديد حتى لا تكون المساجد للخطب المنزوعة من كتب صفراء كتبت في عهد الدولة العثمانية وتخطب للسلطان العثماني سليم أو سليمان أو مراد أو غيره.
ومن المساجد التي بناها الجزائريون بأموالهم وجهدهم وعرقهم وتبرعاتهم مسجد الأرقم بن أبي الأرقم في حي الخامس من يوليه (لاستمرار نزعة الاستعمار اللغوي يقول سانك جوييه) فلقد زرت المسجد الذي لا تقوم به كثير من الدول الثرية، فقد كان مسجداً فخماً راقياً في تجهيزاته وعند زيارتي الوحيدة له وجدت فيه من الرخام ما لم أره في مساجد بنتها دول بترولية كما يقولون. وقد علمت أن بناء المسجد قام على التبرعات فالبناؤون يعملون عدة أيام مجاناً وكذا عمال الكهرباء أو السباكة أو الرخام أو غير ذلك.
وقد جئت المسجد قبل صلاة الجمعة حيث إن إخوتنا في المغرب لديهم درس ديني قبل صلاة الجمعة في حين يقوم مقرئ ذو صوت جميل بتلاوة القرآن قبل الصلاة وغير ذلك. وكان الدرس في ذلك اليوم للدكتور أحمد بوساق حول تطبيق الشريعة الإسلامية. والدكتور أحمد حصل على الدكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الرياض في الفقه. وبدأ درسه بالقول: "أيها الناس إنكم لتألمون لفقد المال والمادة والدنيا ولكن من منكم الذي يألم ويحزن ويتأثر لفقدان وتطبيق الشريعة الإسلامية"، وأضاف:" من زعم بأنه يعدل بغير شريعة الله فهو كاذب كاذب وهو كذّاب كّذاب. ثم تحدث عن القضاء وقال إنه لا وجود للقضاء بغير الشريعة فالمسلمون حينما كانوا يحكمون شريعة الله كان عندهم لكل مشكلة قضاء فلو شتمك أحدهم بيا... عدو الله أو يا كلب لوجدوا له عقوبة، كان المسلم عزيزاً بين العالمين، ولكن انظر إليه كيف حاله الآن احتقروه فقتلوه واستصغروه فقتلوه. أما اليوم فإن أي قضية تأخذ عشرات السنين في محاكمنا لا تصل فيها إلى حل أو يكون الحل جائراً. وكأني بالدكتور يقول إنه ينطبق عليهم اليوم (قاضيان في النار وقاض في الجنة) وليست القضية نسبة مئوية فقد يكون الصنفان الأول والثاني أكثر من تسعين في المائة من القضاة.
وبعد أن انتهى الدرس صعد الخطيب المنبر ليقدم خطبة مكتوبة وقصيرة عن بر الوالدين والحقيقة إنها كانت دسمة جداً أو غنية ثرية عظيمة الفائدة بليغة وقصيرة.
وفي هذه الرحلة دعيت لدى الصديق عبد القادر رباني إلى وليمة عشاء على شرف كل من الدكتور مصطفى كامل الشيبي أستاذ الفلسفة بجامعة بغداد والأستاذ إبراهيم دموق من السنغال وصاحب مناصب هامة هناك أعجبني أن يمتلك ناصية الخطابة باللغة العربية.
  
جمعة أخرى في الجزائر
في يوم الجمعة الخامس من شوال 1403هـ أو 4 شوال 1403هـ حسب الرؤية الجزائرية، صعدت الجبل إلى مسجد النور، وكانت على أحد جدرانه صحيفة حائطية تتحدث عن شهر رمضان من النواحي العقدية والفقهية والحديثية والأدبية. وما أكثر الصعود والنزول في الجزائر، فوجدت شاباً في مقتبل العمر لا يتجاوز الثامنة عشرة من عمره يفسر آيات من سورة البقرة هي (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ }البقرة124 لقد كان الشاب واضح العبارة فصيحاً جيد الإلقاء ثم انتهى الدرس وصعد عجوز المنبر وأخرج من جيبه ورقة لا يحسن قراءتها وهي خطبة مسجوعة وكانت حول الأعياد وفيها تبرير لوجود أعياد وطنية ويقول هذا الخطيب إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبطل أعياد الجاهلية بل أبطل الممارسات التي كانت فيها والحقيقة حسبما أفهم لم يبطل الممارسات البريئة والتي لا تخالف الشرع بل أبطل الاحتفال بأيام جاهلية وقال لقد أبدلكم الله بيومين أو بعيدهم هما عيد الفطر وعيد الأضحى.
وبعد الصلاة سلّمت على الشاب ووعدتهم بزيارة ثانية للمسجد، فإن الإيمان يزداد بالطاعة وينقص بالمعصية. نزلت الجبل فلم أعرج على الفندق (فندق الأوراسي، وهو تحفة معمارية في طريقة بنائه، ويتم إصلاحه وتجديده حالياً- جمادى الأولى 1432هـ) وكانت الساعة الثانية بعد الظهر أو بعدها بقليل وكنت في اليوم الأول (الخميس) نزلت الجبل وسرت إلى وسط المدينة وتجولت في شوارعها وفي هذا اليوم اتخذت اتجاهاً آخر قادني إلى القصبة حيث الجزائر القديمة.
وقد سرت في شوارع العاصمة الرئيسة ومنها شارع الدكتور سعدان ثم شارع ديدوش مراد ووصلت إلى دوار صغير اسمه ساحة محمد مصطفى، كما سرت في شارع العربي بن مهيدي.. ومشيت حتى وصلت إلى ميدان الأمير عبد القادر وقد قرأت عبارة يقول فيها الأمير:"لو خيرتني فرنسا بين أموالها وكنوزها وأكون أسيراً وبين أن أكون فقيراً حرا لأخترت أن أكون حراً فقيراً" رحم الله الأمير.
ومن الأمور التي شاهدتها في العاصمة ميدان صوفية وهو عبارة عن حديقة فيها زهور جميلة وفيها شجرة هرمة ملتفة السيقان والأغصان ولكثرة أغصانها يصعب لأشعة الشمس أن تقتحمها لتصل إلى الأرض. كما مررت ببعض المتاجر التي لقيت أصحابها يحضرون ملتقى الفكر الإسلامي في قسنطينة فتعجبت من اهتمام التجار بالعلم وحضور المؤتمرات ، ولكني هنا أتذكر كلمة الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان عن عوام مكة إنهم علماؤها ذلك أنهم كانوا يحضرون الدروس العلمية في المسجد الحرام مما مكّنهم أن يصلوا إلى درجة عالية من العلم. وقد فعل الشيخ حسن البنا رحمه الله مما أزعج الاحتلال البريطاني أنه حوّل النجار والحداد والسباك والكهربائي إلى علماء لكثرة ما حضروا من دروس أو تلقوا دروساً منتظمة حتى أصبح لديهم القدرة على الخطابة والإفتاء.
وعلى الرغم من أن نسبة النصارى في الجزائر أقل من واحد بالمائة (والتنصير يعمل بقوة وعنف في الجزائر من أيام الاحتلال حتى اليوم) فإن لهم مكتبات خاصة ومنها (دار الكتاب المقدس في أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق