الخميس، 16 فبراير 2017

مراكز الاستغراب ولم يستجب أحد

الافتتاحية
مراكز الاستغراب(*)
                                                        بقلم الدكتور حسن علي الأهدل
مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق الذي يرأسه الدكتور مازن مطبقاني مركز خاص متخصص في دراسة ما يكتب عن الإسلام ومن قبل المستشرقين الذين نذروا أنفسهم لدراسة الإسلام بكل تفاصيله وأصدروا مجلدات ضخمة في جميع مجالات المعرفة التي تخص العالم الإسلامي في العقيدة والشرعية والقرآن والحديث والفقه والتاريخ والاجتماع والاقتصاد حتى أصبحوا يعرفون عنّا وعن ديننا وعن تراثنا أدق الأمور وأصبحت مراكزهم المتخصصة هدفاً يسعى إليه المختصون والطلاب المسلمون لنيل الشهادات العلمية عن دينهم ولغتهم.
ولا شك أن هذا الجهد من الزميل الدكتور مازن يستحق التقدير والإشادة به فمثل هذه المراكز يجب أن يكون محلها الجامعات ويجب أن تحظى بدعم كبير ويكون لها إصدارات ضخمة ويقصدها المختصون للحصول على أي معلومات عن الاستشراق والمستشرقين ولكنه جهد مبارك لا نشك أن صاحبه يقصد من ورائه الخير للإسلام والمسلمين.
ومع أن الاستشراق طوال تاريخه لم يكن شراً كله، إذ أن من المستشرقين من أنصف الإسلام فكان همه فقط خدمة الحقيقة العلمية في حياد وجلد وسعة أفق ولذلك كان لما كتبه تأثير جيد في الأوساط العلمية في الغرب، وكان مما قدم للفكر الإسلامي والعربي دراسات صادقة وأمينة بعيدة عن التعصب والتحامل الأعمى على الإسلام والقرآن.
ومن الأمانة أن لا ننكر قيمة هذا العمل الذي أثرى كثيراً من الدراسات الإسلامية وفتح آفاقاً لم تكن موجودة من قبل، أما الوجه المشرق من الاستشراق فهو أن من هؤلاء من وجد في الإسلام ضالته وقاده  تعمقه في دراسة هذا الدين إلى اعتناقه مثل ليوبولد فايس الذي تسمى بمحمد أسد، وروبرت دلزلي الذي تسمى بعبد الرشيد الأنصاري ومارقريت ماركوس التي تسمبت بمريم جميلة، هؤلاء وغيرهم قدموا دراسات رائدة في نقل الصورة المضيئة عن الإسلام والتراث الإسلامي إلى الغرب.
أما الموجه السيئ للاستشراق فهو حينما استخدم كثير من هذه المراكز الاستشراقية كوسائل لتمكين الاستعمار الغربي من السيطرة على البلدان الإسلامية ومن التسلل والتجسس على العالم العربي وتزويد مراكز القوى بالدول الغربية بمعلومات عن العالم العربي والإسلامي أهمها كيفية دراسة العقلية العربية والإسلامية من أجل التشكيك في قدرة الإسلام على معالجة المشاكل في مختلف مجالات الحياة لأنه –حسب زعمهم- دين قديم لا يتجدد ودين يدعو للعنف والتخلف لأنه يأمر الناس بالجهاد في سبيل الله كما أنه قاصر على معالجة قضايا المجتمع والأسرة و المرأة. أما اللغة العربية فلم تسلم من التعرض للهجوم من قبل المستشرقين المتعصبين إذ اتهمت أنها قاصرة وعاجزة عن التعبير عن المفردات العلمية الجديدة فما لبثوا أن سعوا إلى الدعوة لتغييرها بالعامية لأنها حسب زعمهم الكاذب أقدر على التعبير.
ولعلنا ونحن نتحدث عن الاستشراق الذي رعته الكنيسة في السابق للتبشير بالدين المسيحي وتبنته الحكومات من خلال المراكز والأقسام المنتشرة في الجامعات في كل الدول الغربية لتنفيذ مخططاتهم المختلفة ولا بد أن ننبه إلى ضرورة وجود أقسام في جامعاتنا تسمى مراكز الاستغراب تقوم بدراسة الغرب وعلومه ولغته ودينه مع التركيز على مواطن الهجوم الذي يتعرض له الإسلام والمسلمون لمواجهته وتفنيد مفترياته فخير وسيلة للدفاع الهجوم
وقد يبدو من غير المفهم –لي على الأقل- أن لا تكون لدينا حتى الآن أقسام أو مراكز تدْرس الغرب وكيفية التعامل معه والتأثير على العقلية الغربية بنفس القدر الذي نراه لديهم وربما هذا السبب الذي جعل الآخرين يهاجموننا في قعر دارنا دون أن يكون لنا التأثير القوي عليهم حتى وهم بين ظهرانينا.





* نشرت هذه المقالة في صحيفة (المدينة المنورة) العدد 14244 يوم الثلاثاء 10 صفر 1423هـ الموافق 23 أبريل 2002م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق