الأربعاء، 22 فبراير، 2017

نقاش على صفحات الصحف حول التطرف

                                    
                                وهل يتسع صدر الحجوري؟ 
                                                               
       
ترددت كثيراً في الرد على ما كتبه الأخ حامد سعيد الحجوري المدرّس في الجامعة الإسلامية حـول مقالتي (ومن مثلنا في محاربة التطرف) التي نشرت في زاويتي ( من آفاق الكلمة) يوم 8/1/1417   . ذلك أنني وجدته لا يلتزم بالمنهج السليم في المناقشة فهو يتعمد التأويل ، ويبتر النصوص من سياقها ، كما طغت عليه العاطفة والحماسة والتعصب . ولكنّي تغلبت على التردد لأوضح لمن لم يقرأ مقالتي الأخطاء التي وقع فيها الأستاذ حامد -عفا الله عنّا وعنه- ولعله يكون  درساً له ولسواه في أدب الخلاف.
وفيما يأتي توضيح ما وقع فيه الشيخ الحجوري:
أولاً :لقد زعم  الحجوري أنني قللت من شأن علمائنا حين ذكرت فضل العلماء الذين استضافتهم بلادنا للمشاركة في نهضتها العلمية في المساعدة في حفظها بعد الله سبحانه وتعالى من غوائل الشيوعية والقومية. وهذا هو نص عبارتي:" وحفظ الله سبحانه وتعالى بلادنا بمنّه وفضله ثم بتلك الجهود الكبيرة التي بذلها الملك فيصل رحمه الله وإخوته من بعده والنخبة المباركة من العلماء الذين استضافتهم بلادنا للمشاركة في نهضتها العلمية مع علماء المملكة في الوقوف في وجه هذا التطرف."
       لقد قدّمت ذكر الفضل لله سبحانه وتعالى وهو ما تقتضيه العقيدة السليمة ، ثم ثنّيت بجهود قيادة هذه البلاد منذ عهد الملك فيصل رحمه الله وإخوته من بعدة ، ونظراً للمساحة المتاحة للمقال فإنني لم أتوسع في الحديث عن هذه الجهود وإن كنت ذكرتها في مقالة لي عن الشيخ حسن كتبي وفي مقلات أخرى ، كما إنني أحرص على الإيجاز في مثل هذه المواضع حتى لا يساء فهم مقالاتي، وهي من المسلّمات التي لا تحتاج إلى تأكيد.
        و مع ذلك فأود أن أسأل الأخ الحجوري :هل زار بلاداً عربية إسلامية أو بلاداً غربية واحتك بالمثقفين العرب في المؤتمرات الدولية ؟ إن الحجوري لئن أثنى على قادة البلاد في هذه المقال التي يمكن أن تكون أول مقالة له فكاتب  هذه السطور يكتب منذ أعوام عديدة ، ولست في حاجة لإثبات حرصي على الإشادة بما تقدمه حكومتنا الرشيدة بقيادة خادم الحرمين الشريفين للإسلام والمسلمين من دعم وتأييد . وقد تحدثت في هذا الأمر في مؤتمر عالمي في تونس قبل شهرين تقريباً وهذا نص ما كتبته في بحثي الذي قدمته لذلك المؤتمر:" وتأكيداً على حرص المملكة العربية السعودية على تحمل مسؤوليتها في الدعوة إلى الإسلام والدفاع عن هذا الدين فقد اشتركت اشتراكاً فعلياً في تمويل عدد من الكراسي العلمية في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا". وأكدت على دور علماء المملكة-لترى كيف أن مثلي من لا يقـلل من شأن علماء المملكة-بقولي:" ومن المؤمل أن تكون هذه الإسهامات فرصة لمشاركة أكثر فعالية لعلماء وباحثين من المملكة للإسهام في هذه المراكز والأقسام العلمية في المحاضرات والندوات والمؤتمرات وفي الإشراف على البحوث والدراسات العليا في تلك الجامعات." وقد   اقترحت في المحاضرة ذاتـها أن تستضيف جامعاتنا طلاباً من مرحلة الدراسات العليا في الجامعات الغربية للدراسة في الجامعـات العربية والإسلامية ومنها -بلا شك - جامعات المملكة ليدرسوا على علماء هذه البلاد. فهل هذا تقليل لشأن جهود حكومة المملكة وعلمائها ؟ كلا والله  ولكن قاتل الله التعصب والهوى.
        وأشدت بالمملكة العربية السعودية في ندوة إعلامية بجامعة نيويورك حين ذكرت ما يتاح للعلماء والمفكرين والكتاب من فرص عظيمة للدعوة إلى الله في هذه البلاد فذكرت أن وسائل الإعلام أبوابها مشرعة للدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.
        وكان من بين الموضوعات التي تناولتها في زيارة قمت بها الصيف الماضي لعدد كبير من الجـامعات الأمريكية ومراكز البحوث ومعاهد دراسات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة التقيت فيها رؤساء أقسام و مدراء المعاهد وأعضاء هيئة تدريس وباحثين . وفي هذه اللقاءات بيّنت حرص المملكة على دعم العمل للإسلام ، ومن ذلك هذه الجامعات المنتشرة في ربوع المملكة وكذلك إسهامات المملكة المتميزة في مجال الدعوة إلى الله.
        وأعود إلى استعانة المملكة بعلماء من البلاد الإسلامية المجاورة ألا ترى معي أنّك خالفت خُلُقاً إسلاميا أصيلاً في إنكار جهود هؤلاء . وتقليلك من شأنهم لا يضرهم بل إنه يزري بنا ويثير علينا الآخرين  ويخالف سياسة هذه البلاد في حرصها على تعميق أواصر الإخوة بيننا وبين إخوتنا وبخاصة قادة الـرأي والعلماء . ألم تعلم أن جائزة الملك فيصل قد أعطيت لكل من الشيخ السيد سابق وللأستاذ محمد قطب وللشيخ الدكتور يوسف القرضاوي وللشيخ محمد الغزالي والشيخ أحمد ديدات( عافاه الله) ؟  ألـيس القائمون على هذه الجائزة من علماء هذه البلاد فكيف تعطى الجائزة لهم وأنت تنكر جهودهم في  الدعوة إلى الله؟ إن ما قلته أيها الأخ  إنما يفسد العلاقات و ينبئ عن غرور أربأ بعلمائنا أن يكون لهم خُلُقـاً. ولا بد  أنك تعرف مكانة الشيخ عبدالرزاق عفيفي رحمه الله وكذلك مكانة الشيخ زين العابـدين الركابي والدكتور جعفر شيخ ادريس وغيرهم . وهذه المؤسسات العلمية التي تتخذ من الممـلكة   مقراً لها مثل المجمع الفقهي ، ورابطة العالم الاسلامي ، وبنك التنمية الإسلامي ولجنة التحكيم في مسابقة القرآن العالمية أليس فيها عدد من العلماء المسلمين؟ فالعلم حق مشاع لا يعرف الوصاية تحت أي شعار والصواب لا يُرَد لكونه وافداً.
        أما خلق الوفاء  فهو خُلُقٌ تعلمناه من سيدنا وقدوتنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فهلاّ راجعت كتب المناقب أو مناقب الصحابة رضوان الله عليهم لترى كيف أشاد الرسول صلى الله عليه وسلم بكل من قدّم للإسلام شيئا ولو قليلاً. وإنني أقول إن أحاديث المناقب هذه لا تداينها كل أوسمة  الدنيا ونياشينها وميدالياتها.  وكان وفاءه صلى الله عليه وسلم للأنصار قمة الوفاء حيث خافوا أن يتركهم بعد أن فتح الله عليه مكة فجاء إليهم في رحالهم ودار بينه وبينهم حديث طيب فيه خواطرهم حتى بكوا واخضلت لحاهم رضي الله عنهم. وارجع إن شئت إلى وصف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لوفائه لخديجة رضي الله عنها.
        وقد تمثل الوفاء في كلمات خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله في أكثر من موضع حين تحدث عن العلماء الذين شاركوا في نهضة هذه البلاد ، ولعل إحدى المرات كانت في معرض حديثه حفظه الله عن السعودة. أليس في هذا ما يدعونا إلى تقدير إخوتنا الذين بذلوا علمهم وجهدهم في الإسهام في نهضة هذه البلاد.
        فهل من الوفاء لأساتذتنا وعلمائنا الذين أمضى بعضهم في بلادنا أكثر مما أمضى في بلاده أن نقول عنهم أننا استضفناهم كرماً منّا؟ أو نقول إننا لم نتأثر بهم ؟ إن هذا الكلام يشيننا قبل أن يشينهم ويزري بنا ، وهل يكون العالم عالِماً إذا لم يُؤَثِّر ويتأثر بالحق ويقبله ممن جاء به كائناً من كان. 
 ثانياً: ذكرت في مقالتك الفكر الدخيل وكتب المستشرقين والمفكرين التكفيريين وأود أن أنبهك إلى أن من لم يعرف الشر أحرى أن يقع فيه ، أو كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" لا يعرف الإسلام مـن لم يعرف الجاهلية". وكنت أربأ بك أن توجه هذا الكلام لمن منّ الله عليه بالحصول على أول درجة دكتوراه يمنحها قسم الاستشراق بكلية الدعوة (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) . وقد تضمنت رسالتي فصولاً في الرد على افتراءات المستشرقين في مجال القرآن الكريم وفي السنّة وفي العقيدة والفرق وفي بعض القضايا الفقهية بالإضافة إلى التاريخ الإسلامي من السيرة حتى العصر الحاضر.  
ثالثاً: أما اتهامك لي بغمز علماء الحديث فأقول أولاً إما أنك لم تفهم ما قرأت أو أنك أولت ما قرأت ليناسب الاتهام الذي تريد أن توجهه لي. إنني قصدت ما تعرف تماماً ولكنك تأولت ما كتبته لتظهر علمك بجهود العلماء المسلمين في مجال الاهتمام بالحديث وهذا ليس بخاف عليّ. ولكنّي قصدت أناساً انحرف بهم الفهم وتطرفوا حتى ظنوا أنهم قادرون على تضعيف أحاديث في  صحيح الإمام البخاري رحمه الله ، وحتى قالوا في الإمام أبي حنيفة النعمان أنه لم يكن يحفظ أكثر من سبعة عشر حديثاً. أهذه هي العناية بالحديث أم هذا غلو وتنطع وتطرف؟ لاشك أن هذا كله من التطرف وإن تعددت أشكاله وصوره ، وإن التطرف ليبدأ هكذا ثم يتسع. وارجع إن شئت إلى الفصل الذي كتبته في رسالتي للدكتوراه حول الحديث الشريف لتعرف مدى اعتزازي وإعجابي بعلماء الحديث.

        وأختم هذا الرد بالتأكيد على أننا نعرف الفضل لقادة هذه البلاد وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين يحفظه الله وولي عهده الأمير عبد الله وأخوته جميعاً ونعرف حرصهم على دعم الجهود الدعوية الصادقة البعيدة عن الهوى والتعصب . ولست أنت الذي تنبهنا إلى أمر نعرفه حق المعرفة. أما ما تعرضت به لشخصي من تجريح وطعن وغمز  وتشكيك  في إخلاصي لهذه البلاد ، فإني لا أجد حاجة للرد عليك وأعطيك الفرصة لتتحلل منه في هذه الدنيا قبل أن تلقى الله عز وجل فيقتص لي منك ، وهو المنتقم الجبار. والحمد لله رب العالمين .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق