الجمعة، 1 يناير 2016

الدكتور الحميد والحل السريع -الجامعات وسوق العمل

                                بسم الله الرحمن الرحيم
                                    
كتب الدكتور عبد الواحد الحميد قبل مدة مقالة أثارت كثيراً من الجدل حول ضرورة إغلاق بعض الأقسام الجامعية لأنها غير ذات مردود اقتصادي أي أن خريجيها لا يجدون الوظائف أو أن سوق الوظائف المحلية لا تستوعب هذا النوع من الخريجين.
ولم يكن الكلام الذي قاله الدكتور الحميد جديداً تماماً فإن عدداً من الكتاب تناولوا هذا الموضوع  منذ بدأت الحاجة تظهر إلى إيجاد وظائف ومصادر رزق وحاجة ماسة لتشغيل أبنائنا وشح الوظائف في القطاع الحكومي والخاص الذي يسترخص العمالة الوافدة ويراها البعض أجود من الأيدي العاملة المحلية.
ولكن الجديد في كلام الدكتور الحميد هو اللهجة القوية التي صاغ بها مقالته كأنما هذه الأقسام أصبحت عالة على المجتمع والجامعات وأنها لم تعد تخدم أي هدف، فلذلك لا بد من الإسراع في إغلاقها.
إن مثل هذا الأمر يحتاج إلى دراسات علمية ميدانية لسوق العمل المحلي وكذلك النظر في الخريجين كيف يمكن استيعابهم. وإن الجامعات في الغرب تسعى إلى أن يحصل الطالب على أكثر من تخصص في المرحلة الجامعية أو في مرحلة الماجستير حيث تتيح له الانتقال من فرع من فروع المعرفة إلى فرع آخر. وهناك كليات لا تقبل الطلاب إلاّ في مرحلة الدراسات العليا أو بعد إنهاء برنامج تمهيدي للدراسة فيها مثل كليات الطب وكليات الحقوق. فيمكن للمهندس أو لمن درس في كليات الآداب بفروعها المختلفة أن يواصل دراسته في مجال القانون. وعندهم يحتاج المحامون أن يكونوا على علم بالمجال الذي يدرسون قانونه.
فبدلاً من إغلاق الأقسام العلمية التي بذلت الدولة الكثير في تهيئتها وفتحها وتكوين كوادر علمية للتدريس فيها فيمكن النظر في أن تكون المرحلة الجامعية الأولى تضم أكثر من تخصص. ولو كانت الفرصة متاحة للطلاب للعمل في الجامعة أو خارجها في أثناء الدراسة لأمكن للطالب أن يكسب الخبرة في العديد من المجالات قبل أن يصل إلى نهاية المرحلة الجامعية وهو لا يعرف غير الكتب الجامعية وقاعات المحاضرات. إن التخصص الفرعي أمر أساسي في الدراسة الجامعية الأمريكية كما أن الجامعة تقدم مواد دراسية في شتى المجالات يمكن للطالب أن يلتحق بها فلا يصل إلى السنة الرابعة أو سنة التخرج إلاّ وقد حصل على خبرة عملية أو تدريب في مجال من المجالات المطلوبة.
وبين يدي مثالين على مراعاة سوق العمل في المرحلة الجامعية من جامعتي هارفارد وجامعة نيويورك وبخاصة في مجال دراسات الشرق الأوسط. فقد رأت جامعة نيويورك أن العمل الإعلامي بحاجة إلى متخصصين في دراسات الشرق الأوسط فقدمت تخصصاً في مرحلة الماجستير يجمع بين الصحافة أو الإعلام ودراسات الشرق الأوسط. وعلى الطالب في مرحلة التخصص أن يقوم بالعمل الفعلي بإحدى وسائل الإعلام ويقدم مشروع تخرجه أو رسالته في العمل الميداني. ولقد تعجبت من هذا الربط بين الصحافة أو الإعلام ودراسات الشرق الأوسط ولكن من المعروف عن فلسفة الغربيين الحرص على البحث عن المصلحة والناحية العملية في كل أعمالهم.
أما جامعة هارفارد فقد أضافت إلى التخصص في دراسات الشرق الأوسط بعض المواد الدراسية في مجال علم الإنسان وعلم الاجتماع لأن كثيراً من المؤسسات الغربية التي تعمل في الشرق الأوسط أو تهتم بشؤون الشرق الأوسط تحتاج إلى موظفين لهم خبرة في هذين المجالين بالإضافة إلى المعرفة بالشرق الأوسط من النواحي العقدية والتاريخية والسياسية والاقتصادية.
إن الشهادة الجامعية ليست شهادة للعمل ولكنها مرحلة تساعد الشاب على توسيع مداركه وتنوير عقله وإعطائه الخبرة الحياتية التي يحتاجها. والأمم التي تسعى إلى الرقي لا تضع القيود على التخصصات العلمية بقدر ما تحاول أن تجعل هذه التخصصات ملائمة لحاجتها. وما المانع مثلاً أن يعمل المتخصص في التاريخ أو الجغرافيا أو علم النفس في مجال من المجالات الإدارية؟ وما زلت أذكر أن مسؤولاً كبيراً في شركة الخطوط الهولندية في مجال العلاقات الدولية متخصص في التاريخ ولم تمنعه دراسة التاريخ أن يتعرف إلى الشؤون الدولية واقتصاديات النقل الجوي وقضايا القانون الدولي في مجال النقل الجوي. والله الموفق.






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق