السبت، 17 أكتوبر، 2015

مشروع إنشاء مؤسسة للبحث العلمي في مجال الاستشراق والدراسات الأوروبية والأمريكية في المدينة المنورة

بسم الله الرحمن الرحيم

     
     
كانت المملكة العربية السعودية وما تزال قلعة الإسلام الحصينة في العصر الحاضر تؤيد العلماء وتدعم رجال الدعوة. فلمّا هجمت على البلاد العربية الإسلامية التيارات الفكرية الغربية من علمانية وشيوعية وبعثية واشتراكية وقومية  وغيرها وقفت المملكة كالطود الشامخ في وجه هذه التيارات بقوة وصدق وذلك من خلال العديد من الوسائل منها: المناهج الدراسية التي حرصت على تربية الأجيال وتنشئتهم على العقيدة الإسلامية الصافية، فإذا ما عرفوا الإسلام معرفة صحيحة استطاعوا أن يميزوا الغث من السليم .
     وقد قامت وسائل الإعلام بمواكبة دعوة الملك فيصل رحمه الله تعالى إلى التضامن الإسلامي فأسهمت في نشر مئات الكتب التي تدعو إلى هذا الدين وتفضح الدعوات الهدامة والمؤامرات الخبيثة ضد هذا الدين وأهله. ووزعت مئات الألوف من هذه الكتب بالمجان على المواطنين والحجاج. وقدمت الإذاعة السعودية البرامج العديدة توضح حقائق هذا الفكر الدخيل.
    وتعرضت المملكة بسبب هذه المواقف إلى الاتهام بالرجعية والعمالة للإمبريالية الغربية بقيادة أمريكا. وما زلت أذكر كلمات الشيخ أحمد محمد باشميل في كتابه( لهيب الصراحة يحرق المغالطات) في ردّه على أن أمريكا تدعم دعوة التضامن الإسلامي فتساءل بحق : ومتى كانت أمريكا- وهي وريثة الاستعمار الأوروبي- تسعى إلى وحدة الأمة الإسلامية وتضامنها؟
       ولم تكن أعمال المملكة مجرد كلام بل انطلقت إلى العمل الفعّال؛ فدعت إلى إنشاء المنظمات الإسلامية المختلفة مثل رابطة العالم الإسلامي ، ومنظمة المؤتمر الإسلامي ، وبنك التنمية الإسلامي وما تفرع عنها من هيئات ومؤسسات ما تزال تعمل حتى الآن بحمد الله.وما تزال شوكة في حلق الكارهين لهذا الدين.
    ولم ينطلق هذا الصراع الفكري من البلاد العربية الإسلامية بل كان وما يزال يتم التخطيط له في الدوائر الاستشراقية في الغرب والشرق. فهذه الدوائر الاستشراقية من جامعات ومراكز بحوث ومعاهد للدراسات الاستراتيجية وأقسام علمية حريصة على أن تجتال أعداداً من أبناء المسلمين تجندهم لبث الفكر الغربي ومحاربة الإسلام ونشر الأفكار الهدامة وبث الشقاق في جدار الوحدة الإسلامية التـي أكّد عليها القرآن الكريم في قوله تعالى { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} وقوله تعالى {وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} وقوله تعالى { ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم} والاستشراق في وضعه الجديد يقوم بدور خطير- يفوق خطورة الاستشراق القديم على أيدي جولدزيهر وشاخت ومرجليوث وبرنارد لويس وغيرهم- في محاربة وحدة الأمة الإسلامية وعودتها إلى دينها ، فلديه الآن مئات المراكز والأقسام العلمية المختلفة والمعاهد . فهم يدرسون العالم الإسلامي في جميع المجالات من العقيدة والشريعة إلى الحديث والسنة والفقه والتفسير . ويدرسون التاريخ القديم والحديث ويدرسون المجتمعات الإسلامية ويدرسون جغرافية العالم الإسلامي واقتصاده وثرواته ، ولديهم دراسات وملفات للشخصيات القيادية في العالم الإسلامي.
    ويقوم الاستشراق الجديد بجهد كبير في الترويج للفكر العلماني في العالم العربي باحتضانه رموز هذا الفكر من خلال دعوتهم للعمل في الجامعات الغربية كأساتذة زائرين أو أساتذة مقيمين، كما إنه يهتم به في دعوتهم للمؤتمرات والندوات التي يعقدها في الغرب كما شاهدت في المؤتمر العالمي الذي عقد في هولندا بعنوان (الإسلام والقرن الواحد والعشرين) (محرم 1417). ويروّج كتاباتهم على أنها مثال للكتابات الإسلامية فتقوم كبار دور النشر الغربية بنشر إنتاجهم كنشر إنتاج بسّام طيبي ونذير العظمة ومحمد عبد الحي شعبان وغيرهم بينما يتم التعتيم على الكتابات الإسلامية المعتدلة.
       وقد انضمت جهود الاستخبارات الغربية إلى جهود الاستشراق -ولعلهما لم ينفصلا -  لمحاربة تيار العودة إلى الإسلام أو ما يطلقون عليه تنفيراً الأصولية الإسلامية أو الإسلام السياسي  بعقد الندوات والمؤتمرات وتأليف الكتب ونشر المقالات وربما إخراج الأفلام والتسجيلات ضد العالم الإسلامي.
   ومما يزيد من خطورة الاستشراق التعاون القائم بين الدوائر الاستشراقية في الغرب وحكوماتها من جهة وبين هذه الدوائر والدراسات الشرق أوسطية التي يجريها الباحثون اليهود في المراكز الاستشراقية في إسرائيل . فبالنسبة للتعاون القائم بين الاستشراق والحكومات الغربية فيتم من خلال الشهادات التي يقدم الأساتذة والباحثون من الجامعات الأمريكية لمختلف اللجان التابعة للكونجرس ومجلس النواب الأمريكي وبخاصة لجنة الشؤون الخارجية . وهذه اللجان تستعين عادة بكثير من المستشرقين من أصل يهودي.
   أما قيام دوائر البحث العلمي اليهودية في إسرائيل في التأثير في الفكر الاستشراقي الغربي فقد أحصيت عشرات المحاضرات التي قدمها باحثون من مركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الجامعات الأمريكية وفي الجامعات الأوروبية ، وكذلك الاتصال بخبراء الشرق الأوسط في وزارات الخارجية في الدول الأوروبية.
    إننا نكاد أن نكون كتاباً مفتوحاً لدى الغرب ، ولذلك علينا أن نهب لمقاومة هذه الهجمة الفكرية الشرسة التي لم يشهد التاريخ لها مثيلاً في حجمها وكثافتها . ولن يتأتى ذلك إلاّ بالشروع في إنشاء مؤسسة كبرى بعنوان لا يثير الانتباه كأن يسمى مركز البحوث والدراسات الإسلامية وينبغي أن يتوفر فيه الأمور الآتية: 1- توفر الإمكانات البشرية من الكفاءات العالية في البحث العلمي.
                             2- توفر الأجهزة اللازمة من حاسوبات والأدوات اللازمة للبحث.
                             3- توفر الإمكانات المالية لتغطية نفقات الاشتراك في الدوريات الغربية ، وكذلك المشاركة في المؤتمرات والندوات التي تعقد في الغرب ، وإصدار النشرات والدوريات العلمية والكتب ، وكذلك عقد الندوات والمؤتمرات .
    ومن مهمات المركز القيام بمتابعة دقيقة ورصد للنشاطات الغربية في مجال الدراسات الإسلامية ويكون على لاستعداد لإيفاد مندوبين لحضور الندوات والمؤتمرات والمشاركة الفعّالة في هذه النشاطات. ويجب أن لا يقتصر دور المركز على الدفاع والمتابعة بل ينبغي أن يدرك أهمية المقولة المعروفة:" خير وسائل الدفاع الهجوم "  وذلك بالحرص على تبليغ رسالة الإسلام إلى العالم أجمع عملاً بقوله تعالى {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن} وقوله صلى الله عليه وسلم (نضّر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها فبلغها إلى من لم يسمعها فرب مبلَّغٍ أوعى من سامع )
   وقد تعرّف كاتب هذه السطور للاستشراق من خلال ما يأتي
1- الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة من 1388حتى 1393هـ(1968-1973م)
2- العمل في الخطوط السعودية في الوقت الذي كان يعمل فيها عدد كبير من الأجانب وبخاصة من الأوروبيين والأمريكيين.
3- إعداد رسالة ماجستير حول جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (1349-1358هـ)19319-1939. وكانت الجزائر في ذلك الحين تحت الاحتلال الفرنسي ،وقد تطلب البحث الرجوع إلى الوثائق الفرنسية في الأرشيف الفرنسي الوطني لما وراء البحار والمكتبة الوطنية الفرنسية.
4- زيارة العديد من الجامعات ومراكز البحوث والمعاهد الاستشراقية في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وهولندا في أثناء إعداد بحث الدكتوراه، وبعد إنجاز البحث والالتقاء بعدد كبير من الباحثين الغربيين من رؤساء أقسام أو مدراء معاهد أو مراكز استشراقية.
5- الحصول على أول درجة دكتوراه يمنحها قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية) عام1414هـ
6- حضور بعض المؤتمرات الاستشراقية العالمية في كل من هولندا وتونس، والمغرب، والمجر ومتابعة النشاطات الاستشراقية من خلال الاطلاع على نشرات بعض مراكز البحوث والدراسات في الغرب. وكان آخر مؤتمرين هما : (المؤتمر العالمي الأول حول الإسلام والقرن الواحد والعشرين ) وتشرفت بحمد الله بالثقة الغالية حيث كنت ممثل المملكة في هذا المؤتمر. وشاركت كذلك مع عدد من زملائي أعضاء هيئة التدريس في الجامعات السعودية في تمثيل المملكة في المؤتمر العالمي للدراسات الأسيوية والشمال أفريقية الذي عقد في عاصمة المجر بودابست في الفترة من 1-6 ربيع الأول 1418هـ  

   أرجو أن يكون في هذه الأسطر ما يدعو إلى العمل على إنشاء هذه المؤسسة الكبرى والله ولي التوفيق والحمد لله رب العالمين .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق