الأربعاء، 4 يوليو 2012

الإجابة عن أسئلة صحيفة ( الجزيرة) ندوة الاسلام والغرب




            

       نحن والغرب نعيش في عصر تقاربت فيه المسافات حتى تكاد تتلاشى لما استحدث الغرب من وسائل اتصال عملاقة ، وإن هذا العصر إن أريد إطلاق اسم عليه فهو بحق عصر تفجر المعلومات. والجميل في الأمر أن هذه الثورة المعلوماتية متيسرة للجميع في الشرق والغرب والشمال والجنوب وإن كان حجم الإفادة منها واستخدامها يتفاوت بيننا وبين الغرب كثيراُ.

      ولهذا الأمر جوانبه الإيجابية والسلبية فمن إيجابياته على سبيل المثال أننا نستطيع استخدام وسائل التقنية الحديثة في الاتصالات في نقل وجهة نظرنا إلى العالم وتبصيره بالإسلام وقضاياه والرد على الحملات التي جعلت الاسلام هدفها.

   وأما سلبيات هذه الثورة المعلوماتية فهي أنها ما تزال في أيدي الدول الغربية تستخدمها في نشر الفكر والثقافة الغربيين . ففي الوقت الذي دخلت فيه الدول العربية الاسلامية مجال البث الفضائي نجد ان الاعتماد ما يزال إلى حد كبير على الانتاج الغربي .وتقول الاحصائيات بأن أكثر من خمسين بالمئة من البث الفضائي تستورده هذه القنوات والقنوات العادية من الغرب ويأتي سبعين في المئة من هذه النسبة من الولايات المتحدة الأمريكية.

   وتتجلى هذه السيطرة في مجال تبادل الأخبار حيث تستأثر وكالات الأنباء الغربية بمعظم التبادل الاخباري ويسيطر الغرب على 80بالمئة من موجات الأثير وكذلك الأمر في مجال الصحافة وفي مجال الكتاب وغيره من مجالات التبادل الثقافي.

    إذا كانت هذه هي حقائق التدفق الاعلامي والفكري في العصر الحاضر الذي يستند إلى تاريخ طويل من المواجهة بين الشرق والغرب أو بتعبير أدق بين الاسلام والغرب النصراني فإن من المطلوب من الطرفين إذا أرادا تجاوز هذه المواجهة إلى الحوار أن يعترفا بحقيقة هذا التاريخ وهذا الواقع قبل الانتقال إلى مرحلة الحوار.

   عندما ظهر الإسلام وكان العالم موزعاً بين الامبراطوريتين الفارسية والرومانية لم يقبلا بالمنافس الجديد كما تصوراه فتحركت جيوشهما للمواجهة ولكن كان المسلمون في ذلك الحين قد أدركوا أن انتظار هجوم العدو عليهم في عقر دارهم سيجعل الغلبة له لذلك تحركت جيوش الفتح الاسلامي . وكانت بلا شك رحمة للعالم من الأنظمة التي كانت تحكمه عن طريق الاستبداد والظلم والطغيان مما جعل الشعوب التي كانت خاضعة لهاتين الامبراطوريتين تقبل على الدخول في الاسلام وتقبل بحكم الدولة الاسلامية لما نشرته من العدل والحرية الحقيقية.

    ولكن الكنيسة الغربية أدركت أن عليها ان تتحرك لتمنع سقوط مزيد من الأراضي النصرانية فكان ان شجعت ترجمة معاني القرآن الكريم وتحريفة وشجعت كل ما من شأنه تنفير الشعوب النصرانية من الاسلام . وكانت الكنيسة تدرك ان معرفة النصارى بالإسلام سيفقدها سيطرتها لأنه ليس في الدين الاسلامي مؤسسة مماثلة للكنيسة التي كانت تستبد بأوروبا في النواحي  العقدية و السياسية والاقتصادية والثقافية .وكانت هذه بداية للدراسات الاستشراقية ولكنها لم تتحول إلى مجال معرفي وعلم قائم بذاته له فروعه وتخصصاته المختلفة حتى القرن الثامن عشر حين أنشأ سلفستر دي ساسي ( مدرسة اللغات الشرقية الحية في باريس ) والتي أصبحت كعبة للمستشرقين من جميع انحاء أوروبا.

    واستطاعت أوروبا منذ نهاية الحروب الصليبية وحتى بداية حملات الكشوف الجغرافية وما تلاها من حركة استعمارية أن تعود إلى البلاد الإسلامية بعد أن استطاعت أوروبا أن تبني نهضتها العلمية والثقافية والصناعية وهي في هذه الأثناء أبدعت نظريات فلسفية جعلتها هاديها ودليلها للسيطرة على الشعوب الأخرى وتتلخص هذه النظريات في نظريات التفوق العرقي أي تفوق الأجناس البيضاء على الشعوب الأخرى ، وابتدعوا فكرة أن من مهمات الرجل الأبيض تحضير بقية شعوب العالم.

    ولا شك أن جذور هذه النظريات تعود إلى عقدة وعقيدة أوروبية راسخة وهي عقدة النظرة الآحادية أو عقدة التفوق والتعصب. فالامبراطورية اليونانية عندما احتلت البلاد الأخرى قامت بفرض اللغة اليونانية والثقافة اليونانية مما أطلقت عليه" أغرقة " الشعوب الأخرى ، وهو ما يطلق عليه  في العصر الحاضر " التغريب " بصفة عامة وإلاً فأن الفرنسيين وهم أشد الأوروربيين تمسكاً بفلسفة الأغرقة يطلقون على صبغهم مستعمراتهم واستمرار صبغ الدول التي كانت مستعمرة بالفرنسة.

   وورث الرومان الفلسفلة اليونانية ثم جاءت الدول الأوروبية القومية فقامت بحركات الاحتلال التي اطلقت عليها الاستعمار فسعت إلى محو اللغات المحلية ومحو الشخصية والهوية لهذه الدول بحجة تحضيرها ،وأطلقت على هذا الأمر التحديث وإن كان التحديث في معناه اللغوي ليس بالأمر السيء وكذلك مصطلح التحديث بمعنى الافادة من معطيات العصر ليس مرفوضاً لكن صبغ الشعوب بالصبغة الغربية الأوروبية أمر يرفضه المسلمون.

    والدليل على التعصب الأوروبي ما كتبه الدكتور محمد عمارة في كتابه ( الغزو الفكري وهم ام حقيقة ) من أن انتشار النصرانية في شمال أوروبا كان بقوة السلاح حيث خرجت جيوش الدولة الرومانية تجتاح الشعوب المتبربرة الشمالية لنشر النصرانية، كذلك ما حدث في مجمع نيقية عام 325 ميلادية من إقرار أربعة أناجيل واعتبار الأناجيل الأخرى باطلة أو مزيفة وهو قرار اتخذ بقوة السلطة الرومانية. وقد بلغات هيمنة السلطة الرومانية على العقيدة النصرانية ان قال المستشرق المشهور مونتجمري وات في آخر كتبه ( حقيقة الدين في عصرنا) أن النصرانية تأورمت أكثر مما تنصرت الامبراطورية الرمانية. ويؤكد هذا التعصب الأوروبي الحروب الدينية التي قامت بعد ظهور حركة مارتن لوثر وزيفنغلي وكالفن وغيرهم حيث استمرت هذه الحروب عشرات السنين . وعرفت أوروبا ما أطلق عليه ( محاكم التفتيش ) التي استخدمتها اسبانيا في اضطهاد المسلمين .

    وهكذا فإن أوروبا منذ بدأت حملات الاحتلال وهي تحاول فرض مبادئها وقيمها على الشعوب الأخرى حتى وصلت إلى استخدام هيئة الأمم المتحدة في ذلك في منظماتها المختلفة وتجلى ذلك واضحاً في المؤتمرات العالمية الأخيرة ومنها: مؤتمر السكان والتنمية الذي عقد في القاهرة في سبتمبر 1994 ومؤتمر التنمية الاجتماعية في كوبنهاجن ثم أخيراً وليس آخراً مؤتمر المرأة العالمي الرابع في الصين في سبتمبر 1995.  

   وكان من اخطر الوسائل التي اتخذها الاستعمار بالتعاون مع التنصير إنشاء المدارس في البلاد المستعمرة وفرض النظم الغربية في مجال التعليم بحث تم تقسيم التعليم إلى تعليم ديني وتعليم علماني مادي. وشارك في هذه الجهود التنصير بمدارسه المختلفة وكلياته وجامعاته. وحصل الغرب على الفرصة لفرض التغريب عن طريق البعثات العلمية إلى ديار الغرب فاستطاعوا أن يجتالوا عدداً من هؤلاء المبتعثين عقدياً وفكرياً وأخلاقياً.

   وقد حرص الاستعمار الغربي بعد رحيله عن البلاد العربية الاسلامية أن يترك فيها السيطرة للتوجه العلماني المادي الغربي ومكّن لهم ، وهذا ما وصفه الأستاذ محمد قطب بقوله " خرج المستعمر الأبيض وترك خلفه المستعمر الأسمر".

   ولكن أمة الإسلام في خير دائماً وإلى خير فنهضت الشعوب الاسلامية تطالب بالعودة إلى الشريعة الاسلامية لتحكم حياتها في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتعليم وفي جميع شؤون الحياة. وكانت هذه الحركات قد بدأت بذورها قبل رحيل الاستعمار فحاربها المحتل الأوروبي بشتى الوسائل .وتسلم الزمام بعد رحيل الاستعمار حكومات جربت النظم الغربية والشرقية في الحكم فكان للاشتراكية والشيوعية والنظم الرأسمالية مكانها في حياة الأمة الاسلامية ولما ثبت فشل هذه النظم جميعاً في تحقيق النهضة الحقيقية للبلاد الاسلامية نهضت الحركات الاسلامية من جديد وهذه تركيا التي بذل فيها مصطفى كمال وأنصاره من دعاة العلمانية والتغرب كل جهودهم لربط تركيا بأوروبا حتى إنني ما زلت أذكر أن مرشداً سياحياً كان يشرح أمراً على خريطة تركيا فقال " نحن الدولة الرابعة في أوروبا من حيث المساحة." فتعجبت من ربطه تركيا بأوروبا ولكن ها هي تركيا يفوز فيها حزب الرفاه الاسلامي بأعلى نسبة من المقاعد في البرلمان التركي .

   واعتقد الغرب خطأً أن الصحوة الاسلامية تهدد مصالحه في المنطقة فانبرى يحاربها من هذا المنطلق ومن المنطلق العقدي التعصبي الذي أشرنا إليه آنفاً. فكان من وسائل الحرب أن تخصص منه عدد من الباحثين لدراسة الصحوة الاسلامية دراسة عميقة فعقدوا المؤتمرات والندوات لدراسة هذه الصحوة. وأصدروا الكتب والدراسات والبحوث . واستخدم الغربيون  في دراساتهم هذه كثيراً من  رموز العلمانية في العالم العربي الاسلامي. وكان الخطأ هنا في أنهم قبلوا من أعداء الصحوة الاسلامية أو من تلاميذ الغرب المتغربين أن يقدموا لهم المعلومات عن هذه الاتجاهات التي يعادونها مثلهم.

    وأخذت الحرب ضد الحركات الاسلامية شتى الوسائل ومنها حرب النعوت والألقاب. ولا يظن ظان أن هذا أسلوب جديد ابتدعه الغرب فقد فعل الكفار والمشركون مثلهم مع جيمع الرسل والأنبياء ومن ذلك نعت الأنبياء بالجنون وأنهم الأراذل وأنهم سحرة وغير ذلك من الألقاب والنعوت . أما في العصر الحاضر فمن هذه النعوت التي أطلقت على الحركات الاسلامية أو التوجه الاسلامي أو النهضة الإسلامية : التطرف ، والتشدد ، والحركات المسلحة، والإرهاب والأصولية . وقد كتب الدكتور سعيد بن عبد الله سلمان من كلية عجمان التقنية بحثاً بهذا الخصوص أوضح أن "الأصولية" مثلاً التي ينعتون بها الحركات الاسلامية إنما هي حركة يهودية ونصرانية ( مجلة الباحث عدد 60، تشرين أول 1993) وفند حججهم في هذه الحرب الظالمة .وقد اشترك في هذه الحرب معظم المجلات الغربية حتى التي تزعم لنفسها الابتعاد عن الموضوعات الجدلية منل مجلة ( المختار) Readers Digest .

    ويزعم الغرب أن الحركات الإسلامية تعادي الغرب وتعادي النهضة والتحديث( مر معنا القصد من التحديث) ومما يدحض هذه الفرية الواقع التاريخي للأمة الاسلامية التي لم تنهض إلاّ حينما كانت متمسكة بالاسلام حتى إن الملك حورج الرابع بعث أبناءه وأبناء إخوته إلى الأندلس ليدرسوا في المعاهد الإسلامية وذيّل خطابه إلى الحليفة المسلم  بعبارة ( خادمكم المطيع). ويدحضها ما في القرآن الكريم من إشارة إلى أن الانسان مستخلف في الأرض لعمارتها ، وقد أوردت آيات  القرآن الكريم الكثير من الصور للحضارة والمدينة . ومما يشجع على العلم والتفكر أن عبارات ( تعقلون ويعقلون وتتفكروا ...تؤكد بوضوح على أن الاسلام دين العلم والفكر حتى إن الأستاذ عباس محمود العقاد رحمه الله أصدر كتاباً بعنوان ( التفكير فريضة إسلامية) .

    هذه الموجة الاستعدائية للإسلام والمسلمين ليست قاصرة على الحركات الإسلامية بل تطول الشأن الإسلامي كله وقد كتب الأستاذ محمد صلاح الدين - وهو من الكتاب الاسلاميين المرموقين_ في جريدة " المدينة المنورة" (عدد 11986،في 9رمضان 1416) يشير إلى موقف رئيس الجمعية الوطنية الفرنسية المسيو فيليب ساجان من الحجاب الاسلامي وتشبيهه بعادة حمل الصليب الذهبي فكان مما كتبه الأستاذ محمد صلاح الدين :" هذا تفكير غريب دون شك ومنطق أغرب ،فأنت تمنع تقليداً موجوداً ويمارس منذ زمن على نظاق واسع لمجرد منع تقاليد أخرى لا وجود لها من الظهور. وهذا تصرف انتقائي واستعدائي لا يدفع إليه غير التحيز والتمييز." وأشار الكاتب في مقالته إلى موقف بريطانيا من عزم مؤتمر وزراء العدل الأوروبيين على إصدار قانون أروبي ضد التمييز وطالبت بريطانيا في وثيقة سرية ألآّ يتضمن القانون أي مادة تدعو إلى منع الإهانة أو إشاعة الحقد أو التمييز على أسس دينية. وأشار الأستاذ محمد صلاح الدين إلى أن الدوافع خلف هذه المذكرة هو الخوف من تعرض سلمان رشدي للمحاكمة على هذا الأساس. وتساءل الأستاذ محمد صلاح الدين عن الدوافع البريطانية لهذا الموقف بقوله:" هل هو الحب المفرط لسلمان رشدي الذي يدفع بريطانيا لمعاداة الإسلام وشعوبه بمعارضة توفير حماية قانونية أوروبية ضد التمييز والإهانة على أساس الدين أم هو ضعف وهوان المسلمين؟"

   وكتب الأستاذ محمد صلاح الدين أيضاً مقالة رائعة حول قضية المسلمين في اليونان وفي تراقيا وحول الخلاف بين تركيا واليونان على جزيرة صخرية في بحر إيجه ووقوف اللجنة الأوروبية في صف اليونان دون دراسة حقيقية للموقف سوى أن اليونان عضو في الاتحاد الأوروبي بينما تركيا دولة مسلمة. وكان مما كتبه :" إن ما حدث ويحدث للمسلمين الأوروبيين سواءً كانوا سلافيين أو أتراكاً أو يونانيين هو شهادة دامية مؤسفة على إخفاق الحضارة الغربية الأخلاقي المروع ، وازدواجية معاييرها وسلوكها ، كما إنه شاهد على ضعف الأمة وهوانها على نفسها وعلى الناس." كما أوضح الأستاذ محمد صلاح الدين الجهود التي بذلها اليونانيون والقبارصة اليونانيون أيضاً في دعم الصرب في حربهم الوحشية ضد المسلمين في البوسنة حتى إن الكنيسة الأرثوذكسية فرضت ضريبة تقتطع من رواتب القبارصة اليونانيين لدعم الصرب.( المدينة المنورة عدد 12006في 29رمضان 1416)

    ولا يكتمل الحديث عن هذه المواجهة دون الألمام بالجانب الايجابي الذي يتزعمه بعض المفكرين والساسة الغربيين ــ وإن كانوا يسبحون ضد التيارــ فقد ظهر الأمير تشارلز أمير ويلز وولي العهد البريطاني في محاضرة عامة في مركز أكسفورد للدرسات الاسلامية قبل عامين تقريباً ليطالب الغرب بالتوقف عن الحملات الظالمة ضد الاسلام وطالب بمحاولة فهم الدين الاسلامي فهماًَ صحيحاً ، وأشار إلى فضل الحضارة الإسلامية على الغرب. وكان موقف الرئيس الألماني من تقديم جائزة السلام للباحثة الألمانية آنا ماري شميل موقفاً إيجابياً. وفي الباحثين الأمريكيين وغيرهم من الأوروبيين من له كتابات جميلة عن الإسلام ومن هؤلاء على سبيل المثال البرفسور جون اسبوزيتو. وهناك أيضا من الباحثين الغربيين المعاصرين من لم يتأثر بالعداء التقليدي للإسلام في الغرب.

   ويطيب لي أن أستشهد بما كتبه الأستاذ عبد الحليم خفاجي في كتابه ( مستقبل الاسلام في أوروبا) بان الاسلام سيشهد مستقبلاً مشرقاً في إوروبا وذلك لما توفره وسائل الاتصال وكذلك الأنظمة العلمانية التي تكفل حرية التدين لجميع رعاياها .



تثمين جهود المستشرقين في خدمة التراث الإسلامي ،خروجاً من العدائية ووصولاً إلى غاية معرفية إنسانية.

   اهتمت الدراسات الاستشراقية في إحدى مراحلها بجمع المخطوطات الاسلامية ونقلها إلى الغرب والقيام بحفظها وفهرستها وأحياناً تحقيق بعضها ونشره.وهي جهود بلا شك تستحق الشكر والثناء ، فالمرحلة التي جاب المستشرقون والرحالة الغربيون الديار الإسلامية بحثاً عن المخطوطات كان الكثير من هذه المخطوطات عرضة للضياع والاهمال وحتى الامتهان حيث كان الجهل والتخلف متفشيين في البلاد العربية الاسلامية.

   ولكننا حين نريد تقويم جهود المستشرقين يجب علينا أن لا نكتفي بالظاهر بل علينا أن ندرس المخطوطات التي حققوها ونشروها ؛ هل كان تحقيقهم مبنياً على أسس علمية ، وما المخطوطات التي قاموا بتحقيقها ؟ هل اهتموا بتحقيق ما يظهر تفوق المسلمين ونبوغهم وعبقريتهم أو حققوا من المخطوطات ما يخدم أغراضهم؟ كانت بعض المخطوطات التي أخرجها المستشرقون من المصادر الأساسية في التاريخ الاسلامي وفي العقيدة الاسلامية فهذا مما يشكر لهم ولكن بعضهم وأذكر مثالاً واحداُ فقط وهو المستشرق آرثر جيفري الذي اهتم بالمخطوطات المتعلقة بالقرآن الكريم كانت له أخطاؤه الفادحة في هذا المجال . وأود أن أشير إلى بحث تكميلي أعده الزميل الأستاذ طلال ملوش في تقويم منهج هذا المستشرق في  تحقيق كتاب ( مقدمتان في علوم القرآن لابن عطية ومؤلف مجهول) . وقد أشار الدكتور عبد العزيز قارىء في كتاب له عن المستشرقين والقرآن الكريم لأخطاء المستشرقين في هذا المجال.

   ومع ذلك فينبغي الوقوف عند بعض جهودهم البارزة في خدمة التراث الاسلامي فها هو المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي الشريف الذي لا تكاد تخلو منه مكتبة إسلامية ولا يستغني عنه المشتغلون بالدراسات الاسلامية مع وجود العديد من الكتب التي اهتمت بفهرسة الحديث النبوي الشريف. وينبغي الإشادة بجهود المستشرق كارل بروكلمان في كتابه ( تاريخ الآداب العربية) الذي قدم فيه جهداً واضحاً في تتبع المخطوطات العربية .

   إن إدراكنا لأخطاء المستشرقين وأهدافهم المشبوهة لا يمنعنا من الاعتراف لهم بالجهود التي بذلوها في المحافظة على كثير من المخطوطات التي كان من الممكن أن تضيع لولا هذه الجهود. وهم إن خدموا أهداف بلادهم فهذا امر طبيعي أن يخدم المرء أهداف بلاده ويدافع عنها.



إختلاف إجراءات البحث العلمي في دراسة بعض فروع المعرفة الاسلامية وهل حققت ججهود الباحثين في هذا المجال ما يخدم الفكر الإسلامي؟

إذا كان المقصود باختلاف إجراءات البحث العلمي في دراسة بعض فروع المعرفة بيننا وبين الغرب ،فلا بد من القول أولاً بأن العالم الإسلامي هو رائد المنهج العلمي في البحث وهو رائد أيضاً في توفير سبل البحث العمي للباحثين ولولا عناية الأمة الاسلامية بالبحث العلمي لما وجدنا هذا التراث الضخم الذي لم نحقق بعد إلا أقله وما زال الكثير منه في بطون خزائن المخطوطات في الشرق والغرب. وعندما عانت الأمة الإسلامية من التخلف في شتى المجالات ومنها بلا شك مجال البحث العمي فكان لا بد من الاستنارة بما هو موجود فعلاً في العصر الحاضر وليس أمامنا مثال أوضح من عناية الغرب بالبحث العمي . ولذلك بدأت البعثات العلمية تنطلق من العالم الإسلامي منذ ما يزيد على قرنين من الزمان لدراسة شتى مجالات العلوم المختلفة من العلوم التطبيقية كالهندسة والطب والعلوم الأخرى وكذلك العلوم النظرية أو ما يطلق عليهاا العلوم الانسانية. ونعرف أن الهدف من الابتعاث كان رغبة من أولياء الأمور في العالم الاسلامي ملاحقة ركب التطور والتقدم في العالم ولكن كان للغربيين أهدافاً أخرى من قبولهم المبتعثين من البلاد العربية الاسلامية وفي تشجيعهم الابتعاث كما حكى محمد شاكر في كتابه القيم ( رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) عن ومن أهداف الغرب في الابتعاث أن تتاح لهم الفرصة لنشر فكرهم وثقافتهم وقيمهم عن طريق هؤلاء المبتعثين. ولكن هذا الابتعاث وفر للأمة الاسلامية المعرفة بمناهج البحث العلمي الجديدة وتقنيات البحث العلمي. ولئن رجع بعض المبتعثين ينشرون الفكر الغربي فإن من المبتعثين من استطاع أن يفيد من معطيات البحث العلمي الغربية ويزيد تمسكاً بعقيدته الاسلامية والمثل والقيم الاسلامية . والواقع يدلنا على أن كثيراً من الباحثين الذين درسوا في الغرب هم الذين تصدوا لمناقشة شبهات وافتراءات الغربيين على الاسلام والثقافة الاسلامية.

   


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق