الاثنين، 2 يوليو 2012

حقاً إنها معرفة والطب باللغة الفيتنامية


                           

جذبتني عناوين بعض موضوعات مجلة ( المعرفة) وأعترف أنني عزفت في البداية عن شرائها لأسباب أهمها أنني اعتقدت أن تخصصي في الاستشراق بعيد عن مجالات اهتمام المجلة ، وثانياً لأنني ظننت- وبعض الظن حقاً إثم- أنها مجلة رسمية، وسوف يكون لها خط معين من الحديث عن أخبار الوزارة والمسؤولين فيها وفي الصحافة المحلية غناء. ولكن بعد أن اقتنيت وأعتذر للتعبير ،فالمعرفة لا تقتنى-بعض أعداد المجلة ، وبدأت بالعدد الأخير أطالع موضوعاتها بشيء من الدقة والتمعن وجدت أنني كنت مخطئاً.

ولأبتعد عن المطالعة المقيدة أو العرض الصحافي المرتب أود أن أشير إلى عدد من الموضوعات قدمتها المجلة بشيء كبير من الجرأة والمسؤولية والعمق ، ولعل بعض  هذه الموضوعات كان في ذهني أو إنها قدمت لي مادة جديدة أتعلم منها.

ولكن قبل القراءة المقيدة أو غير المقيدة أود أن أقدم التحية لمعالي وزير المعارف ومن أسهم معه من المسؤولين على إعادة نشر هذه المجلة التي بدأت في عهد أول وزير معارف وهو سمو الأمير فهد بن عبد العزيز وشاء الله أن تعود إلى الصدور بعد أن أصبح وزير المعارف خادم الحرمين الشريفين فجزاه الله كل خير على ما قدم. فنحن بحاجة إلى هذه المجلة بل إلى مجلات كثيرة فإن الإنتاج الفكري في العالم العربي الإسلامي أقل من غيرنا من الدول حتى إن بعض دول أمريكا الجنوبية قد سبقتنا في الإنتاج الفكري.

أما الموضوعات التي تناولتها المجلة وأرجو أن لا يتوقف الاهتمام بها عند المقالة أو التحقيق الصحفي ولكن أرجو أن يتواصل الاهتمام بهذه الموضوعات إلى عقد ندوات أو مؤتمرات حولها فإنها والله موضوعات جديرة بكل اهتمام. وأبدأ بموضوع فيتنام والتحدي اللغوي، فهذه البلاد التي مزقتها الحرب سنوات عديدة استطاعت أن تخرج من الحرب ليس بكسب عسكري فحسب ولكن بكسب معنوي أيضاً وهو الكسب الأكثر أهمية وأبعد مدى .

نعم استطاعت فيتنام بعد سنوات من فرض الفرنسية والفرنسيون ماكرون في طريقة فرض لغتهم- ثم ما جاء من جاء من جنود أمريكا ببساطيرهم الثقيلة ولغة الكاوبوي ولغة الهامبرجر وكان لثقافتهم بعض التأثير والنفوذ فهم قوة كبرى، ولكن فيتنام استطاعت أن تستعيد مكانة اللغة الفيتنامية وتجعلها لغة التعليم في المجالات جميعها في العلوم وفي الآداب. ولا يظن ظان أن أصحاب اللغات المستعمِرة لم يحاولوا فرض لغتهم وتأخير أو تثبط الفيتناميين عن استخدام لغتهم. لقد حاولوا ومازالوا يحاولون . فشكراً لمجلتنا في تناول هذا الموضوع الحيوي . ولعل كاتب التحقيق ذكر أن دولة يهود استطاعت أن تخرج العبرية من المقابر لتجعل منها لغة تصلح لتعليم جميع العلوم. فهل يصح أن يبقى في عقل إنسان عاقل أن اللغة العربية لا تصلح لتعليم الطب أو الكيمياء أو الفيزياء. وكم كان بودي أن تتولى جهة ما بإهداء نسخة من  كتاب الأستاذ الدكتور زهير السباعي عن تجربته في تعليم الطب باللغة العربية. وبودي-وهذا رجاء التلميذ من أستاذه- أن يقوم الدكتور الفاضل بتقديم المحاضرات في الكليات العلمية في جامعات المملكة وجامعات الدول العربية الأخرى فلعل الله يقيض له من يستفيد من تجربته غير إخواننا في سوريا والسودان.وللدكتور من سعة علمه وهدوئه في الحديث وقوة الحجة ما يستطيع أن يقنع المترددين.

وأعود إلى مجلتنا فقد قدمت موضوعاً عن الآباء وتمويل مدراس أبنائهم في المجتمعات الغربية، فنحن قبل أيام شهدنا أول مؤتمر كبير عن العمل الخيري، وليس في الدنيا أمة تجد من دينها وكتاب ربها ما يحثها على عمل الخير مثل هذه الأمة ولكننا بحاجة لتنظيم هذا العمل. فموضوع أن يمول الآباء مدارس أبنائهم أمر عظيم. فالإسلام دين الوفاء وانظر إلى وفاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع خديجة بنت خويلد رضي الله عنها حين كان يرسل إلى صويحباتها وإلى من كان له صلة بخديجة رضي الله عنه وفاءً لذكراها. فما يمنع من درس في مدرسة ما أن يأتي بعد أعوام وقد منّ الله عليه بالمال الوفير فيجهز معملاً أو يزرع حديقة أو..أو وغير ذلك من أعمال البر. وقد عرفت أن المدارس الثانوية في الغرب تحتفظ بصلة بطلبتها تحت مسمى معين وربما يمكن ترجمته (الخريجون أو قدامي الخريجيين..) وهؤلاء يقدمون الكثير لمدارسهم . والشيء نفسه ينطبق على الجامعات والكليات. و لا أذكر الآن إن كان المقال قدم طرقاً عملية يقوم بها أثرياؤنا بعمل شيء مماثل.

أما الموضوع الثالث فهو مذكرات أستاذنا الفاضل السيد محسن باروم التربوي الكبير . فقد فعلت المجلة خيراً حين بدأ بتدوين ذكرياته عن التعليم وإنني أطمع أن لا تنهي حلقات الذكريات حتى يكون الشيخ الفاضل قد أعدها لتطبع في كتاب. فكم في هذه المذكرات من معلومات عظيمة تبرز الشخصية الحبيبة للمربي الكريم، كما إنها تؤرخ لمرحلة مهمة جداً من تاريخ التعليم في هذه البلاد. وإنني حين أقرأ هذه المذكرات أستمتع باللغة الراقية والوصف الجميل الدقيق لما مر بالأستاذ من مواقف.

وفي العدد الأخير موضوع أهديه وتهديه المجلة قبلي للمسؤولين عن الإعلام في العالم العربي الإسلامي بل العالم أجمع وهو العلاقة القوية بين التعليم والإعلام وقد عقد مؤتمر قبل سنوات حول التعليم والتربية ولكن كم كان جميلاً لو عقدت حلقة ثانية وثالثة للمؤتمر لمتابعة توصيات المؤتمر الأول فإن لدينا كثيراً من الأفكار التي تحتاج إلى آليات لتنتقل إلى الواقع.

أعرف أن مقالة واحدة لا تكفي لتناول هذه المجلة الجميلة التي أرجو أن تستمر ولعلي أقترح أن تكلف المجلة من يعيد قراءة كتابات الدكتور محمد محمد حسين ويحدّث معلوماتها عن علاقتنا الآن بالنظريات التربوية الغربية . حقاً إنها المعرفة .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق