الثلاثاء، 3 يوليو، 2012

ماذا تعرف عن الاستشراق؟


                               بسم الله الرحمن الرحيم                            
تقديم: كتبت هذه المقالة بناء على طلب الأستاذ محمد صلاح الدين حين كان ناشراً لمجلة أهلاً وسهلاً وذكر لي أن عدد من يتصفح المجلة يصل إلى المليون وزيادة، وفي لقاء مع الدكتور سعيد بن ناصر الغامدي في مؤتمر للندوة العالمية في عمّان بالأردن ذكر لي أنه كان على متن الطائرة من أبها  إلى الرياض فشاهد أحد الركاب يمضي الرحلة كاملاً يقرأ المقالة مما يعني أنها جذبته، ولعل في اسلوبها المبسط والمخاطبة للقارئ ما يشجع على القراءة. وإليكموها:
                                               

هاأنت تجلس في مقعدك في الطائرة تتصفح مجلة أهلاً وسهلاً تبحث عن موضوع شيق يشدك إلى القراءة تمضي به وقت الرحلة إن لم يكن معك من يؤنس وحدتك وتشغل وقت الرحلة في الحديث معه، وقد تبدأ في القراءة وتعد نفسك أن تستكمل الموضوع فيما بعد.
وعلى أي حال فإني اخترت أن أحدثك في موضوع طريف وهو الاستشراق. لن يكون حديثي عميقاً مثقلاً بالحواشي والهوامش ، ولن يكون مثقلاً بأسماء الأشخاص والأماكن والمصطلحات فتنفر عن القراءة ، ولكنّي أريد أن أجول معك في عالم هذا العلم الذي طالما شغل به الغربيون من جهة  فأسسوا له الأقسام العلمية ومراكز الأبحاث وأقاموا من أجله المؤتمرات والندوات، بينما انهمك العرب والمسلمون من جانبهم في دراسة ما كتبه الغربيون وما قالوه إما ليتعلموا منه أو ليردوا عليه، ولم يظهر لديهم حتى الآن معاهد أو مراكز لدراسة الحضارة الغربية والعالم الغربي كما فعل أسلافنا حينما درسوا عقائد الأمم الأخرى وخصائص الشعوب وعرفوا العالم حق المعرفة.
 إن أول ما يتبادر إلى الذهن أن كلمة الاستشراق مشتقة من كلمة شرق ، وقد أضيف إليها الألف والسين والتاء لتعني طلب الشيء فيصبح المعنى: طلب لغات الشرق وعلومه وأديانه. أو التعرف إلى العالم الشرقي من خلال الدراسات اللغوية والدينية والتاريخية والاجتماعية وغيرها. وهذا المعنى صحيح إلى حد كبير لولا أن أحد الأساتذة الكرام بحث في أصل الكلمة في معاجم  اللغات الأوروبية وهي Orientalism فوجد أنها لا تعني الشرق الفلكي أو الجغرافي كما يقولون ولكن لها أصول أخرى تعني التعلم والمعرفة والتنوير ، وأن الشرق الذي تبدأ منه الشمس حركتها إنما هو منبع الرسالات السماوية ولذلك كان على الغرب أن يسعى إلى العلم والمعرفة والنور. ولدينا دليل آخر على أن الاستشراق آت من كلمة التعلم والتفهيم والتدريب أن السنة الأولى في الجامعات أو الأسابيع الأولى للموظف الجديد في وظيفته تسمى تدريب أو تعليم (Orientation).
          ومن أبرز من تناولوا نقد الاستشراق في العصر الحاضر بأسلوب علمي ومنهجية صارمة الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله الذي قام بعدد من الرحلات الميدانية لمعاقل الاستشراق وأقام حوارات مع الباحثين الغربيين ، ولكن جهود السباعي لم تجد من يواصلها حتى ظهر كتاب البروفيسور إدوارد سعيد الاستشراق الذي صدر باللغة الإنجليزية عام 1978وترجم إلى عشرات اللغات وقد قصد سعيد في هذا الكتاب إلى تطبيق نظرية ميشال فوكو عن العلاقة بين العلم والسلطة وأكد أن الاستشراق نظام معرفي غربي يسعى إلى السيطرة والهيمنة ، وان الغرب خلق الشرق الذي يريد ويتصور ولم يبحث في الشرق حقيقة. ولم يسع سعيد إلى تقديم دراسة تاريخية عن هذا العلم ولكنه اختار نماذج من الاستشراق الإنجليزي والفرنسي تؤكد هذه النظرية. ومع ذلك فلا يمكن أن نخضع الاستشراق كله لهذه النظرية بالرغم من وجاهة البحث الذي قدمه سعيد.
          ولعل ما قامت به جامعة الإمام من إنشاء وَحدة الاستشراق والتنصير في عمادة البحث العلمي بالرياض كان نواة لإنشاء قسم الاستشراق بكلية الدعوة بالمدينة المنورة عام 1403(1983م) وبدأ هذا القسم بدراسة الاستشراق من خلال التخصصات المختلفة :الدراسات العقدية والدراسات اللغوية والدراسات الفقهية ومراكز الاستشراق والتنصير وغير ذلك من التخصصات وقد أنجزت العشرات من البحوث التكميلية وعدد من رسائل الدكتوراه في هذا المجال. ويعد هذا القسم الوحيد في العالم الإسلامي الذي يدرس الاستشراق دراسة علمية منهجية. ويرجى أن تقوم جامعات أخرى بالاهتمام بهذا الموضوع . وقد أعلن الأزهر قبل عدة أشهر عن إنشاء مركز للدراسات الاستشراقية .
          مهما كان الاختلاف حول بداية الاستشراق فإن الأمر المعروف أن قيادة النصرانية التي كانت للبابوات في روما رأت تقدم الدين الإسلامي وزحفه على الممالك التي كانت تابعة لها وإقبال الأعداد الكبيرة من النصارى على الإسلام يعد خطراً كبيراً على مكانتها ونفوذها ،  فكان لا بد من فهم هذا الدين الجديد للوقوف في وجهه وتحذير النصارى منه ،وثالثاً لدعوة المسلمين إلى النصرانية. فبدأت ترجمات معاني القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية بأمر بابوي. كما أن الاحتكاك الثقافي بين المسلمين والأوروبيين في الأندلس وبعد ذلك من خلال الحروب الصليبية فتح أعين الغربيين على أهمية معرفة هذا الدين.
          وبدأت أوروبا تدرس الإسلام  بطريقتين إحداهما البحث عن نقاط القوة في هذا الدين وفي أتباعه للإفادة منها في نهضة الشعوب الأوروبية ومن ناحية ثانية لمعرفة هذا الدين ونقله مشوهاً إلى الجماهير الأوروبية. وقد كتب كل من ريتشارد سوذرنRichard Southern  في كتابه ( صورة الإسلام في العصور الوسطى ) وكتب نورمان دانيانNorman Daniel  كتاب ( الإسلام والغرب) تحدثا في كتابيهما عن الصورة القبيحة جداً والبعيدة جداً عن الحقيقة للإسلام في الكتابات الغربية التي صدرت في العصور الوسطى وأنه إذا جاءت بعض الكتابات الأوروبية بعيدة عن الموضوعية ومتحيزة جداً ضد الإسلام والمسلمين فإنما ذلك للتراث الطويل والعميق في وجدان الشعوب الأوروبية ضد الإسلام.
          وجاءت المرحلة الثانية لدراسة العالم الإسلامي حينما بدأت أوروبا بحملاتها الاستعمارية للعالم الإسلامي فجاءت حملة نابليون إلى مصر قبل مائة عام  مصطحبة معها عدداً كبيراً من المستشرقين.وكان هدفها كما قال محمود شاكر وكما أكدت الدكتورة ليلى عنان إجهاض أي محاولة حقيقية للنهوض في مصر والسيطرة على هذه البلاد ليس من الناحية العسكرية فحسب بل من النواحي الثقافية والفكرية والعقدية أيضا.
 وبدأت بريطانيا احتلالها للهند في منتصف القرن السادس عشر. وكان الاحتلال يحتاج إلى عدد من الباحثين الغربيين الذين يعرفون البلاد الإسلامية معرفة جيدة حتى يتمكنوا من التعامل مع تلك الشعوب والسيطرة عليها. فكان هذا الدافع الاستعماري الاقتصادي ذلك أن أوروبا كانت في بداية نهضتها الصناعية وكانت تحتاج إلى المواد الخام بأسعار رخيصة كما كانت تحتاج إلى الأسواق لتصريف بضائعها ومنتجاتها.
          وفي بداية القرن التاسع عشر أنشئت في أوروبا الجمعيات الاستشراقية فكان منها الجمعية الملكية الآسيوية البريطانية والجمعية الاستشراقية الفرنسية ثم الألمانية والأمريكية. و قبيل انتهاء القرن التاسع عشر وبالتحديد في عام 1883 بدأت الجمعية الدولية للمستشرقين تعقد مؤتمراً عالمياً كل عدة سنوات تجمع فيه عدداً كبيراً من الباحثين الغربيين والمسلمين لدراسة قضايا تتعلق بالعالم الإسلامي. وما تزال هذه المؤتمرات تعقد على فترات لا تزيد على خمسة سنوات ولا تقل عن ثلاثة. وظهر في أوروبا عدد من المستشرقين الكبار في نهاية القرن الثامن عشر من أمثال جولدزيهر وسيلفستر دو ساي وهذا الأخير أنشأ مدرسة اللغات الشرقية الحية في باريس عام 1795 وأصبحت باريس كعبة المستشرقين واصطبغ الاستشراق بالصبغة الفرنسية عدة عقود. كما أن الاستشراق الألماني ازدهر بظهور عدد من كبار المستشرقين من أمثال نولدكه وبيكر وبروكلمان وغيرهم.
          وكان الاستشراق في نشاط دائم تحقيقاً للمخطوطات ونشراً لكتب التراث العربي والتأليف في التاريخ الإسلامي وفي اللغة العربية وفي العقيدة الإسلامية وفي شتى المجالات التي تهتم بالعالم الإسلامي .ولكن بعد منتصف القرن الحالي ظهرت أصوات في أوروبا وأمريكا تنادي بمزيد من التخصص في الدراسات العربية الإسلامية وأن هذه الدراسات لا يمكن أن تخضع لمجال واحد.وقد أصبحت الدراسات العربية الإسلامية تتم من خلال ثمانية عشر قسماً علمياً في جامعة بيركلي بكاليفورنيا يتم التنسيق فيما بينها من خلال معهد دراسات الشرق الأوسط. ولذلك فإن المستشرقين اجتمعوا في المؤتمر العالمي للاستشراق الذي عقد في باريس عام 1973، وفي هذا المؤتمر تم التصويت على إلغاء اسم الاستشراق وأطلق على هذه المؤتمرات منذ ذلك الحين (المؤتمر العالمي للعلوم الإنسانية حول آسيا وشمال أفريقيا) وبعد مؤتمرين تم تعديل الاسم مرة أخرى ليصبح ( المؤتمر العالمي للدراسات الآسيوية والشمال أفريقية) وقد عقد المؤتمر الخامس والثلاثون في بودابست عاصمة المجر في الفترة من 7-12يوليه 1997. وسوف يعقد المؤتمر التالي عام 2000 في مونتريال بكندا.
           ما ذا يريد الاستشراق هل يريد المعرفة وحدها فقط أو إنه يريد أكثر من ذلك؟ من غير المنطقي أن نحكم على كل الباحثين في الدراسات العربية الإسلامية ( الاستشراق سابقاً) بأنهم يعملون لصالح بلادهم وأجهزة المخابرات كما كان شائعاً في الكتابات النقدية العربية الإسلامية. فإن المستشرقين في نظر محمود شاكر وحسين الهراوي ومحمد البهي وغيرهم لا يمكن الأخذ بها بعد أن توسع المسلمون في الاطلاع على الكتابات الاستشراقية وكان لهم لقاءات وحوارات مع هؤلاء من خلال المؤتمرات العلمية أو التدريس في الجامعات الغربية أو المراسلات. لكننا لابد أن ندرك أن العالم الغربي في حاجة إلى المعرفة الاستشراقية فهو يقدم لها الدعم المادي والمعنوي. والدليل على هذا الدعم أن الحكومة البريطانية كونت لجنتين لدراسة أوضاع الدراسات الشرقية والأفريقية الأولى عام 1947 بعد نهاية الحرب العالمية الأولى ، والثانية عام 1961. وقد استفادت اللجنة الثانية من تجربة الجامعات الأمريكية وظهور ما يسمى الدراسات الإقليمية أو دراسات المناطق. كما أفادت اللجنة من زيارتها لجامعتين كنديتين في هذا المجال.
          قدمت كلتا اللجنتين تقريرهما إلى الحكومة البريطانية ( كل تقرير فيما لا يقل عن مائتي صفحة) تقترحان مزيداً من الدعم لهذه الدراسات بتخصيص منح دراسية وتمويل لإنشاء مزيد من الأقسام العلمية وإجراء البحوث الميدانية . وأكدت الدراستان أهمية هذا الفرع المعرفي وأن اللابد بحاجة إلى متخصصين في شؤون العالم الإسلامي.
          أما الولايات المتحدة الأمريكية فقد بدأ اهتمامها الفعلي بالدراسات الاسشتراقية المعاصرة بعد الحرب العالمية الثانية وانحسار النفوذ البريطاني في العالم الإسلامي وتلاشي إمبراطوريتها التي كانت لا تغيب عنها الشمس لتحل الولايات المتحدة محلها. وكانت بحاجة إلى الخبراء في هذا المجال فأصدرت الحكومة الأمريكية عدة مراسيم حكومية تمول بموجبها عدداً من برامج الدراسات العربية والإسلامية في العديد من الجامعات الأمريكية. وقد بلغ عدد هذه الجامعات أربعاً وعشرين جامعة. وتقوم هذه الجامعات بتقديم دورات في تعليم لغات الشرق الأوسط وفي تاريخ المنطقة وأوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولدعم هذه البرامج استقدمت الولايات المتحدة العديد من الخبرات الأوروبية في هذا المجال ومن أبرزهم المستشرق هاملتون جب وجوستاف فون جونباوم النمساوي الأصل الذي قام بتأسيس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلوس أطلق اسمه على المركز فيما بعد- وقد قام هاملتون جب بتأسيس مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد. كما استقدمت جامعة برنستون فيليب حتى لتأسيس مركز لدراسات الشرق الأدنى .
          ليس من هدف لهذه المقالة أن يقوم الجهود الاستشراقية ولكني أريد أن أخلص إلى الدروس والعبر التي يمكن أن يستخلصها المسلم من هذه الدراسات والجهود الضخمة التي يبذلها الغرب في التعرف إلى ثقافات وتاريخ وأديان وعقائد الشعوب الإسلامية. ولعل من أول هذه الدروس أنه على المسلمين أن يسعوا إلى معرفة الآخر معرفة حقيقية وأن ننهج نهج القوم في التخطيط لهذه الدراسات. ولكنني أود أن أؤكد أن القرآن الكريم قد وجه المسلمين إلى معرفة الآخر وكان الآخر في وقت نزول القرآن يتمثل في الروم والفرس وعرب الجاهلية فأوضح للمسلمين معتقداتهم وسلوكهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. ومن أجمل ما قرأت في تصوير نظرة الجاهليين للمرأة قول الله تعالى )  وإذا بشّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بُشّر به ، أَيُمسِكُه على هونٍ أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون(
           أما الهدف الثاني فإن للعالم الإسلامي مصالح لدى الدول الغربية ومن واجبه أن يعرف هذه البلاد معرفة عميقة ودقيقة مبنية على دراسات علمية وميدانية حتى يتسنى له تقويم هذه المصالح والسعي إلى تحقيقها بأفضل السبل. ونحن إن لم نسعى إلى معرفتهم فإننا سنخضع للتصورات الغربية التي يريدونها وبخاصة أنهم يمتلكون معظم وسائل الإعلام والانتاج الفكري. وقد قررت ندوة أصيلة أو منتدى أصيلة إنشاء مركز الدراسات الأمريكية ونحن بحاجة في العالم الإسلامي إلى مراكز كثيرة لدراسة العالم الغربي كله وليس الدراسات الأمريكية فحسب.
           أما الأمر الأهم فإن هذه الأمة مكلفة بتعريف العالم بهذا الدين العظيم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى إلى البشرية كافة وعلى كل فرد مسلم أن يتحمل مسؤوليته في هذا الشأن كما جاء في قوله تعالى: ) قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن ابتعن(  ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم ( نضّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فأداها إلى من لم يسمعها فربّ مُبَلًّغٍ أوعى من سامع ، أو رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)

                                                                         


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق