الثلاثاء، 3 يوليو 2012

عندما يحكم الإسلام-د. عبد الله بن فهد النفيسي، لندن: دار طه (بدون تاريخ)



حاولت أن أجد الكتاب في الإنترنت لأحمّله إلى جهازي، ولكن دون فائدة. أو إنّ صبري نفد بسرعة، فعدت إلى النسخة  الموجودة لدي والتي كنت أقرأ منها لطلابي في مادة (النظام السياسي في الإسلام- سلم 104) وأود أن أقدم بضعة أسطر من هذا الكتاب الرائع:

المدخل (1)

          في عالمنا العربي المعاصر الحافل بضروب العسف والقهر والقمع والظلم والجور والامتهان للإنسان، يحاول النظام السياسي العربي – بشتى راياته ومسمياته – أن يُغرق المواطن في بحر من اليأس والتسليم. اليأس من التغيير الجذري للأوضاع، وبالتالي التسليم لها ولجبروتها. ولا يدّخر النظام السياسي العربي وسعاً في تمرير رسالته اليومية للمواطن: أنه – أي النظام- جاء ليبقى، وليبقى مدى الحياة. ويحاول النظام- أن يحيط نفسه بكافة المتكآت المادية والمعنوية لتأكيد هيبته وقوته وسيطرته على الأوضاع. وأحياناً يجأ –لفرض هيبته- لطريق معاكس،  أقصد التبسّط المبالغ فيه والتواضع غير الطبيعي وغير المعهود منه. هذا النظام: قوي، متماسك، واثق من خطاه، يعرف أهدافه ووسائله، له خطة ، على رأسه رجل فذّ ذكي، مفرط الذكاء، يقظ ، يقرأ كثيراً، يعمل كثيراً وفوق ذلك متيم بحب الشعب وكل ما هو شعبي. هذه هي رسالة- النظام- الإعلامية اليومية. وينقل هذه الرسالة جيش من أجراء النظام: مدرّسين، موظفين، طلاب، طالبات، أئمة مساجد، صحفيين، رؤساء تحرير صحف، مذيعين، ممثلين، بائعات هوى، قوّادين تجار خمور وحشيش، وذهب، و"فعاليات اقتصادية" وما أدراك ما الفعاليات؟

          فسرطان النظام تسلل لكل ضروب الخلايا الاجتماعية. ويدخِل النظام في روع المواطن المستلب عن طريق الجريدة والمذياع والمدرسة والجامعة والتلفاز أن السياسة حشيش، شيء يحظره القانون وتأباه الأعراف الأسرية. وأن للسياسة رجال في الحكم، يعرفون أكثر، ويفهمون أكثر، ويلمّون بالأمور أكثر، ويطلعون أكثر، وحسب المواطن أن يأكل العلف كل يوم ويرعى في المراعي كل يوم، ويحلبه الرعاة كل يوم، وفي آخر النهار يعود للحظيرة كأي سائمة، لا ينطق حرفاً صائباً ولا يكتب جملة مفيدة، يملأ جوفه، وينزو على أنثاه، ويتقلب على ظهره كالبعير في المراغة، ويهذي، ثم ينام من غير أن يتجافى جنبه عن المضجع، ويخر شخير من مات قلبه. هكذا يريدون المواطن العربي. هكذا يكون عندهم صالحاً، لكن- وهذه حقيقة يجب أن يعرفها الكل- ما هكذا أراده الإسلام ولا هكذا أرادته الشريعة الإسلامية. ولا هكذا يكون المواطن في الإسلام.

(2)

          والسياسة-برأيي المتواضع- ليست حشيشاً أو شيء يجب أن يحظره القانون. وإنما السياسة هي الإدارة العامة لشؤون الناس وهذه الإدارة إما تفضي إلى عدل أو إلى ظلم. والقرار السياسي في محصلته النهائية- هو الذي يحدد طبيعة التعليم الذي نتلقاه، وطبيعة الطعام الذي نأكله وطبيعة المسكن الذي نسكنه وطبيعة الطريق الذي نعبره وطبيعة الجريدة التي نقرؤها وطبيعة المذياع الذي نسمعه وطبيعة التلفاز الذي نشاهده وكمية الدراهم التي نحملها في المحفظة.

          نحن مادة القرار السياسي الذي يتخذه الأمير أو الملك أو رئيس الجهورية. نحن المعنيّون به. نحن ضحاياه أو فرسانه. عليه إذن ، فالقرار السياسي ليس شيئاً منعزلاً عنّا،  لا يؤثر فيا أو يتجاوزنا أو يتخطانا ولا يدوس علينا أبداً. إنه قرار لنا أو علينا ولا وسطية في الأمر من هذه الزاوية. وجالس الوزارات ، والوزراء، وجيوشهم الإدارية ووزاراتهم، ما هي إلاّ أدوات لتنفيذ القرار السياسي، أدوات من كونه فكرة تتأرجح في رأس الأمير، أو الملك أو الرئيس إلى وواقع نعيشه، بل حتى في المضاجع والمطابخ. وحيث أن الأمر – أمر السياسة عموماً والقرار السياسي خصوصاً-يمسنا إلى هذه الدرجة، فينبغي أن تتغير نظرتنا للسياسة والحكم أينما كانوا وحيثما حلّوا. وينبغي أن ندرك أننا لا نستطيع – وإن أردنا- أن ننعزل عن السياسة وشؤونها وعن رجال الحكم ونشاطاتهم. وذلك لأن النظام السياسي له قنوات من خلالها يدخل إلى بيوتنا ويجلس معنا بكامل حضوره. وإذا كان الأمر كذلك وبهذه الخطورة فينبغي علنا أن نطالب بحقوقنا عليه ومكاننا منه ومراقبتنا له. والوطن كانتماء – في المحصلة النهائية- ليس قصيدة شعرية ولا نشيداً وطنياً ولا بيرقا ً مطرزاً ولا عرضاً مسرحياً. إنما الوطن هو الأمن والخبز والحرية والمساواة مجتمعة في إطار إنساني.

          غير أن الأمن وحده لا يصنع الوطن والانتماء لأن حظيرة الخنازير فيها أمن. والخبز وحده لا يصنع الوطن والانتماء، لأن كل مواخير العالم فيها خبز.والحرية وحدها لا تصنع الوطن والانتماء، لأن كل  أدغال العالم وأحراشه فيها حرية، والمساواة وحدها لا تصنع الوطن والانتماء، لأن كل سجون العالم ومعتقلاته فيها مساواة"








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق