الثلاثاء، 3 يوليو 2012

البحرين وخطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه الأولى




لما تكررت تجربتي في التأخير في المواعيد شعرت أن مسألة انضباط المواعيد في البحرين مسألة يجب أن يتنازل عنها الإنسان، ومن لم يعجبه فليشرب من البحر فهو في كل اتجاه فالبحرين جزيرة أو حتى مجموعة جزر وقد يعتذرون بازدحام الطرق أو المشروعات من بناء جسور جديدة أو طرق جديدة، ولكن الذي يحترم المواعيد يخرج من بيته أو يشرع في مشواره قبل الموعد المحدد بوقت كاف حتى لا تكون الطرق هي السبب في إخلافه الموعد أو التأخر غير المقبول (قيل ثمة عرف عالمي أن يقبل التأخر حتى ربع ساعة) وإن كان الطلاب في جامعتنا لا ينتظرون في الغالب ربع ساعة بل ربما بعد عشر دقائق لا تجد أحداً.

أما الأحاديث التي دارت بيني وبين الأستاذ نادر المتروك فمن أهمها قضية التجنيس وقضية الدعارة أو البغاء، ففي صبيحة اليوم الأول لوجودي في البحرين نزلت لتناول طعام الإفطار في مطعم الفندق على الساعة السابعة صباحاً فوجدت الموسيقى تصدح والأنوار خافتة وروائح التبع والشيشة المعسّل تفوح من المكان حتى إن الإنسان السليم الذوق لينفر من هذا المكان، فقررت أن لا أتناول طعام الإفطار وفيما انا أهم بالخروج دخلت عائلة فلم يعجبها الجو فانتقلت إلى بهو الفندق لتناول الإفطار بعيداً عن ذلك الجو الخانق، ومع الروائح كانت فتيات الليل –كما يطلق عليهن- يتنقلن في المكان متأبطات بعض الشباب يمشين مشية من مهنته كانت تأباها الحرة في الجاهلية حتى قالوا (تجوع الحرّة ولا تأكل بثديها) فأصبحت بعض الحرائر لا يأكل إلاً بأثدائهن. وتساءلت كيف جاء البغاء إلى البحرين وكيف ازدهر ولماذا يزدهر؟ وقد ذكر أحدهم أن البغاء ينتشر عادة في المدن الساحلية أو المدن التي تتخذ منها السفن والأساطيل محطات للراحة والتزود بالوقود وغيره. وما زلت أذكر حديثاً عن مدينة ساحلية في ولاية أوريجن Oregon الأمريكية أنها تنتشر فيها الأمراض الجنسية لأنها محطة للسفن والأساطيل.

       وقد أخبرت أن دراسة أجريت على البغاء في البحرين ولكني لم أحصل عليها بعد، وهو وعد من أحد الإخوة في البحرين لم يف به، ولم أصر عليه ولن، فيكفيني ما رأيت، ولو أخذنا إحصائيات من يعبر الجسر أو يصل إلى مطار البحرين لاتضح لنا ما في البحرين من موبقات. وهذا يقودني إلى تذكر خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه حينما تولى الخلافة وقد قال فيها: ولا تشيع الفـاحشة في قوم إلا عمهم اللّه بالبلاء.(سيرة ابن هشام 4/661، البداية والنهايةِ 6/305.)

أعود لإبى مشكلة الجنسية فثمة خلاف قائم من البحريني الأصيل ومن البحريني المجنّس أو غير الأصيل. ويقال إن الدولة منحت عدداً من قبيلة الدواسر الجنسية البحرينية كما أن بعض الشيعة جاؤوا من إيران وتجنسوا وما زال بعضهم يرطن بالأعجمية حتى الآن. وقد منحت الحكومة كذلك عدداً من السوريين الجنسية وهؤلاء يزداد نسلهم بسرعة أو كما يقال في علم الاجتماع أن نسبة التوالد عندهم عالية (وهو أمر يزعج إسرائيل والدول الغربية التي هاجر إليها بعض المسلمين أو العرب) وزيادة أعداد السوريين تكاد تقلب المعادلة بالنسبة للشيعة وهم أيضاً لديهم الحرص نفسه على زيادة النسل بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة: مثل زواج المتعة أو بعض الطقوس التي تحتاج إلى تأكيد من خبير بدراسة الشيعة ومعتقداتهم وحياتهم الاجتماعية.

وتعود مشكلة الشيعة والسنّة إلى عهد الاحتلال البريطاني الذي من سياسته تقريب الأقليات وهنا الشيعة، وتمكينهم من الوصول إلى مناصب مهمة في الدولة فيتسلطون على عباد الله من السنّة وبالتالي يوهمون هم والبريطانيون الناس بأن أعداد الشيعة كبيرة. وقد سرت في أنحاء البحرين وقال لي الأستاذ نادر يكفي أن تعرف أين يسكنون وكم مساحة الأرض التي يحتلونها لتعرف أنهم في الحقيقة أقلية أقلية وليسوا غالبية كما يزعمون، وهو الأمر نفسه الذي عملوه في العراق حيث أوهموا العالم أن الشيعة أكثر من السنّة وبالتالي من حقهم أن يحكموا العراق.

ومن طرائف التجنيس في البحرين وهذا خاص بالبحرين أن الذي يتم تجنيسه ليس له الحق في ممارسة الحقوق الديمقراطية من ترشيخ وانتخاب إلاّ بعد مرور خمس سنوات، وقد يكون صحيحاً أن كثيراً من المتجنسين لا يهمهم مثل هذه القضايا وبخاصة أنهم يعرفون أن الانتخابات وصناديق الاقتراح في عالمنا العربي تخضع لفلسفة التسعة والتسعين بالمائة فلذلك حصلوا على هذا الحق أو لا لا يهمهم.بل سمعت من بعض المتجنسين أنهم يريدون أن يحصلوا على عوائد مالية كبيرة تنفعهم إن عادوا إلى بلادهم الأصلية التي قدموا منها.

الجهة التي دعتني إلى البحرين:

هذه الجهة تسمى (جمعية الصف الإسلامي) وهي حزب سياسي تأسس قبل سنة أو أكثر بقليل، وأبرز من فيها المستشار السياسي وهو عادل جاسم فليفل الذي كان يتولى منصباً مهماً في الأمن العام ورفعت العديد من القضايا ضده بتهمة ممارسة التعذيب ضد بعض المتهمين في نشاطات سياسية والمعروف أن غالبية هؤلاء من الشيعة وقد لمست أن هذا الحزب الإسلامي يعادي الشيعة معاداة كبيرة. كما أن فليفل اتهم في قضايا فساد مالي كبير حتى إنه هرب إلى أستراليا ومكث هناك سنة تقريباً حتى حصل على عفو أميري ولكنه لم يعد إلى منصبه في الأمن. كما أن عادل فليفل وعائلته يملكون مجموعة من الفنادق بعضها مؤجر على شركات مختلفة لاستثمارها، وربما للتنصل من النشاطات أو الممارسات التي تتم في هذه الفنادق. وقد عرفت أن الفنادق من فئة أربعة نجوم وأكثر هي المسموح لها أن يكون فيها مراقص وفساد.

أما مسؤول العلاقات العامة فهو الجندي السابق محمد الكعبي، ويعمل حالياً بالإضافة إلى عمله في الحزب عمله في المقاولات وفي التوظيف.

من طرائف إقامتي في البحرين أنني كنت أركب سيارة أجرة واتصلت بالبيت وسألت عن فاطمة وتكرر اسم فاطمة أكثر من مرة، فكان هذا مبعث سرور للسائق الذي تعامل معي بطريقة لطيفة حتى كاد أن لا يأخذ الأجرة. وقد زرت في البحرين عدة مكتبات في شارع المعارض الذي يتحول إلى شارع حقير ودنيء في نهاية الأسبوع وقيل لي لا تذهب إليه في نهاية الأسبوع فحمدت الله أن مهمتي تنتهي يوم الأربعاء.

وفي أثناء زيارة إحدى المكتبات وقعت عيناي على كتاب لإدوارد سعيد عن المثقف والسلطة، وكدت أن لا أشتري الكتاب لأنني كنت مقتنعاً أن العلاقة بين المثقف والسلطة في العالم العربي تحتاج إلى إصلاح جذري، وأن المثقف إما أن يصبح معارضاً سياسياً فينتهي به المطاف وراء القضبان أو يعيش حياة بائسة. ولكني أمسكت بالكتاب وبدأت أقرأ بعض الصفحات فقررت شراءه.

فكان من العبارات التي شجعتني على شراء الكتاب رفض إدوارد سعيد أن منصب في السلطة الفلسطينية وأنه لم يقبل سوى أن يكون في أحد المجالس أما المناصب فكان لا يريدها، وقد حاول تبرير ذلك أن المثقف الذي يقبل أن يكون في السلطة إنما يفعل ذلك لمكاسب مادية أو وجاهة وهو ليس بحاجة لأن يكون خاضعاً لأي مسؤول في السلطة. وتساءلت إذا كان إدوارد سعيد يعمل في جامعة كولمبيا وهي من قمة الجامعات الأمريكية ويتقاضى راتباً فخماً، كما أن إدوارد سعيد لا يقدم محاضرة أو حديثاً لأي وسيلة إعلام إلاّ مقابل مبلغ محترم، فهو ليس بحاجة إلى السلطة وإنما السلطة بحاجة إليه. أما المثقفون الآخرون الذين يعيشون حياة بائسة فإنهم يتطلعون إلى تحسين أوضاعهم المالية والاجتماعية.

وبعد أسابيع عثرت على كتيب صغير للأستاذ محمود شاكر (أبو فهر) رحمه الله رحمة واسعة يرفض فكرة العمل في الحكومات ويسخر من الذين يبررون الأمر بأن المثقف إن لم يقبل المنصب فإن غيره سيأخذه، وإن حصول المثقف على المنصب أنه سيقوم بأداء العمل خير قيام وهي أمانه وربما برر لنفسه بما قاله يوسف عليه السلام (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) فقال كل هذه مبررات لا معنى له وتمسك برأيه أن لا يقبل المنصب والوظيفة.

وفكرت في أمري وعدد الكتب التي عندي وتحتاج إلى طباعة أو المركز الذي أديره في الفضاء وأنه بحاجة إلى المال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق