الأحد، 17 يونيو، 2012

ذكرياتي مع خطبة الجمعة


                                بسم الله الرحمن الرحيم



حب يوم الجمعة تأصل في نفوسنا منذ المرحلة الابتدائية (لم يكن في زمننا لا روضة ولا حضانة) فهو اليوم الذي لم نكن نذهب فيه إلى المدرسة ونستريح من أداء الواجبات أو يكون عمل الواجبات بعدد عصر الجمعة، حيث إن العشاء أذان بالنوم. وكان ليوم الجمعة مزايا أخرى كثيرة. ولكن الجمعة هذه الأيام أصبحت شيئاً من الهم كيف سأتحمل خطيب الجمعة وهو يخطب لما يزيد عن نصف ساعة.

وفي أحد الجمع أطال الخطيب وأطال وأطال، حتى كدت أتقدم إليه متخطياً الصفوف لأدعو له أن لا يخطب بعد تلك الجمعة مطلقاً. فهل العشرون دقيقة أو ثلاثين هي المشكلة في الخطبة أو إن ثمة مصائب أخرى تأتي بها الخطبة...

وقبل أن أسترسل في الحديث عن ذم الخطباء اليوم أقول إن لي تاريخ طويل مع حب خطبة يوم الجمعة منذ كنت أعمل في الخطوط السعودية في جدة وأدرس في جامعة الملك عبد العزيز منتسباً بين الأعوام 1394حتى عام 1406هـ حيث كنت أسعى إلى العديد من المساجد في أنحاء جدة للاستماع والاستمتاع بخطب الجمعة. وما زالت أذكر عدداً منهم وأبدأ بالدكتور كمال عيسى أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز فقد كان يخطب في مسجد المغربي، ونظراً لشعبية هذا الخطيب قام أصحاب المسجد بتوسعته. وقد كان الخطيب من الفصاحة والبلاغة حتى إن مقدمة الخطبة تعد قطعة أدبية راقية وتلخص موضوع الخطبة. وقد كان الشيخ الدكتور جريئاً في تناول قضايا المجتمع (وكان هذا قبل ظهور جهيمان العتيبي والاستيلاء على الحرم المكي الشريف) وعلى الرغم من أن خطبه لم تكن بالطويلة لكنها كانت رائعة تشفي الغليل في تقديم درس علمي فقهي ونقد اجتماعي ووعظ من أرقى مستوى.

وكنت مع مجموعة من أصدقائي نسعى إلى خطيب في جنوب جدة هو الشيخ محمد أو عبد الله الزبيري (من أصل يمني) وكانت خطبه رائعة كذلك. وكان الشيخ عبد المجيد زنداني يلقي دروساً ومواعظ في مساجد جدة فنسعى إلى المسجد الذي يخطب فيه. وكان الشيخ يقيم في السعودية في تلك الأيام (في أواخر التسعينيات من القرن الماضي الهجري) وكان من أبرز القضايا التي يحاول تقديم الحلول لها القضايا الاجتماعية والتربوية (ولم يكن قد انتقل إلى الإعجاز العلمي في القرآن والسنّة بعد)

وكان الدكتور محمد الحصري خطيباً في مسجد بن لادن في العمارية في جدة والدكتور أستاذ في الدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز حينذاك. وما زلت أذكر خطبته التي أورد فيها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج، وكان الحديث طويلاً فتعجبت من حفظ الشيخ لهذا الحديث بكل تفاصيله. ولكنه كان خطيباً رائعاً يحلق بك في آفاق هذا الدين العظيم بلغة راقية، وكانت له بحة خاصة في صوته تجعله خفيضاً إلى حد ما ولكنه مسموع ومفهوم.

وجاء إلى جدة الشيخ حسن أيوب فبدأ يخطب في مسجد جامعة الملك عبد العزيز الذي كان من المباني الجاهزة ومكون من قاعة صغيرة وممرات ضيقة قبل توسعته وربما لم تتم توسعته لم أعد أذكر. وكانت خطبه رائعة تقدم تحليلات غير مسبوقة للسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي، كما كان يناقش قضايا اجتماعية. وما زلت أذكر حديثه عن أول مظاهرة سلمية في تاريخ الإسلام بعدما أسلم عمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهما وقد بلغ عدد المسلمين أربعين رجلاً خرجوا في صفين ليعلنوا للعالم دينهم وتمسكهم به ووقوفهم في وجه كل قوى الأرض لا يرهبون من شيء.

وأكرمني الله عز وجل بالانتقال إلى المدينة المنورة فكانت خطب الشيخ الدكتور عبد العزيز قارئ تلك الخطب التي تجعلك تحلق معه في فضاء الفصاحة والبلاغة وتستمتع بكل كلمة وتعشق نبرات صوت الشيخ حين يقرأ القرآن الكريم. وقد قمت بنسخ عدد من خطبه التي كان يتناول فيها قصة يوسف عليه السلام وبخاصة الخطب الأولى التي كانت رسالة إلى الأدباء وأصحاب الأقلام أن يستخدموا كل أنواع الأدب للدعوة إلى الله. وتحدث عن قصة يوسف وأنها اكتملت فيها عناصر القصة كلها من تشويق وتسلسل أحداث وشخصيات ونقطة ذروة وغير ذلك. وكان يبدع في الخطبة الثانية حيث يختار موضوعاً جديداً يتناوله وكان مما تناول مسألة نزع الملكيات حول المسجد النبوي الشريف وكان ثمة خلافات حول بعض هذه الملكيات المنزوعة. وتحدث في خطبة عن الرياضة وفي خطبة ثالثة عن التجسس وحرمانية التجسس على المسلم (لا تتبعوا عورات المسلمين ومن تتبع عورة أخيه المسلم فضحه الله ولو في جوف داره) ونهى الحاكم عن تتبع عورات المسلمين ومن تتبع عورة المسلمين أفسدهم أو كاد أن يفسدهم.

وكنت أحضر خطب الشيخ إبراهيم الأخضر (شيخي في دروس في التجويد وفي قراءة الآجرومية) وكان قد نصب ساعة حائط أمام المنبر حتى لا تزيد خطبته عن ثمان دقائق فلله دره وكانت خطبه غير تقليدية أعجب بها والدي رحمه الله.

ومن الخطب المميزة تلك الخطبة التي بلغت خمسا وأربعين دقيقة للشيخ الحذيفي والتي تناولت بعض أعداء المسلمين من الكفار وعرج على الشيعة أو الرافضة وكان رفسنجاني في المسجد وعلى الرغم أنني خرجت من بيتي متأخراً قليلاً لكني أدركت الخطبة كاملة وقد شدتني حتى آخر كلمة وكنت أقول في نفسي إنها خطبة وداع يا شيخ علي. وكانت كذلك إلى حين. ومع السكّر يهاجمني النعاس إذا طالت الخطبة أو كانت مملة وكثيراً ما تكون الاثنين معاً.

وهنا في الرياض لم أعثر بعد على الخطيب الذي يطرب ويفيد ويمتع بل ما احضرة من خطب في المساجد القريبة التي يهجم معظم الخطباء على الوقت فيكون أذان الظهر الثانية عشرة وعشرة دقائق فيبدأ الخطبة من الثانية عشرة وكأنه يريد أن يستغل أكبر وقت ممكن لخطبته. وتكون الخطبة تكرراً وإعادة لموضوعات أكل عليها الزمان وشرب. ويستعرض الخطيب فصاحته وبلاغته في أثناء الخطبة ومحفوظاته من النصوص أو منقولاته لأنهم يخطبون من ورقة معدة سلفاً، فما زلت لم أسمع خطيباً بدون ورقة إلاّ نادراً عدا خطيباً واحداً تناول موضوع السنّة في العراق وما يتعرضون أو تعرضوا له من مجازر على أيدي تلك الطائفة. وكنت أعتقد أنها ستكون خطبته الأخيرة إلاّ أن يشاء الله شيئاً غير ذلك.

وأذكر خطيباً في جدة وفي فصل الصيف الحار القائظ والرطوبة عالية وكنت أجلس في الشمس لم يتوان الخطيب العظيم عن جعل خطبته قاصمة الظهر حتى كتبت ذات مرة وتحت عنوان (وتنفس المصلون الصعداء) وكنت لا أعرف المعنى الحقيقي لهذا القول حتى سمعت ذلك حين أنهى ذلك الخطيب خطبته.وبعد تلك الخطبة الطويلة غير المترابطة الموضوعات والتي تفتقد إلى أبسط عناصر الخطبة الجيدة يقرأ الإمام صوراً قصيرة ناسياً حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم (إنه مئنة من فقه الرجل أن يقصر الخطبة ويطيل الصلاة) أو يتمسك بقراءة سورة الأعلى والغاشية على جمالهما وعظمتهما (القرآن كله جميل وعظيم) ولكن كأنهم لا يحفظون غيرها، فهل هذا من السلفية الجديدة؟اين سورة الجمعة أين سورة المنافقون (ما أكثرهم) وأين سورة الإنسان وغيرها؟

فهل تسعى وزارة الشؤون الإسلامية والجامعات التي تدرس الشريعة أن تعلم الخطباء كيف يخطبون؟ أعرف أن كلية الدعوة في المدينة المنورة كان فيها مادة الخطابة، وكان عندهم تدريب فلماذا يتخرجون وينسون كل ما تعلموا وينساقوا إلى تنفير الناس وإغاظتهم وإزعاجهم بخطب لا تسمى ولا تغني من جوع. فيا وزارة الشؤون الإسلامية اعقدوا دورات للخطباء واجعلوا صناديق اقتراحات في المساجد حتى يمكننا أن نكتب رأينا في الخطبة في يوم الجمعة أو في يوم تال. فمن الأمثلة على الخطباء المزعجين خطيب يصر على أن لا يفرد الصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم بحديث فيكتفي أن يكون ذكر حديثاً فيه صلاة وسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم. فقررت أن لا أعود إلى ذلك المسجد ولا أدرى ما فعل الله به بعد ذلك.

 كنت في مكتبة المنهاج ليلة البارحة لأشتري كتباً لخديجة التي التحقت بدراسة الترجمة فوجدت كتيباً صغيراً بعنوان (العجالة في سنّيّة تقصير الخطبة وعدم الإطالة) للشيخ احمد بن محمد آل عبد اللطيف (الكويتي) ومما يقول في المقدمة:" إن أحوال القوم عجيبة غريبة، ففضلاً عن أنّ موضوع خطبة الخطيب غير مهضوم أصلاً!! تراه يدور الدوائر دون أن يعرف إلى أي اتجاه يدور!! فمن هذا حاله كيف سيفهم الناس كلامه وإلى أي وجهة يتجه بهم؟!!

فأبعدهم عن السنّة مدّعي تمسكها!!

وأبعدهم عن السياسة مدعي فهم دهاليزها

وأبعدهم عن الخطبة أغلب خطباء منابرنا المظلومة!!

فكيف تكون خطيباً تنصّب نفسك على القوم وأنت لا تدري أساليب الخطابة؟! ولا تعرف فنها ولا علم عندك ولا دراية بسنّة المصطفى صلى الله عليه وسلم وأحوالها فيها؟! "

ويمضى الكاتب في الحديث عن الخطباء الذين يزعمون أنهم يفهمون سنّة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهم لا يتبعونها، ويزعمون أنهم يريدون إصلاح غيرهم وهم أولى بإصلاح أنفسهم وأورد قول حسّان بن عطية "ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلاّ نُزع من سنتهم مثلها" فالإطالة في الخطبة نزعت سنة تقصيرها ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.

وسأكمل قراءة هذا الكتيب الثمين وأعود إليكم إن شاء الله بحديث آخر كما سأتحدث عن ازدهار الخطابة بعد احتلال الكويت وظهور عدد كبير من الخطباء الذين أبدعوا وقدموا فكراً وجهداً يستحق الثناء ومن هؤلاء الشيخ الدكتور عبد الوهاب الطريري وناصر العمر وسعد البريك وسلمان العودة) مع حفظ الألقاب)










هناك تعليق واحد:

  1. اتفق معك...فبالفعل بعض الائمة ليست الخطابة مجال لهم ويصرون عليها بشكل غريب وينسون اساسيات الخطبة وما المطلوب من الخطيب..فيضيع الناس وتصبح الخطبة في بعضض الحالات أمراً صعباً ولكن لا بد منه لان خطيب جامع الحي سيء ووضع الجامع اسوء...

    ردحذف