الجمعة، 29 يونيو 2012

الأردنيون من أكثر الشعوب العربية وعياً




عندما عدت من الأردن سألني أولادي هل رأيت الفيديو الذي أعده الصحفي الأمريكي في لقاءاته في عدد من الدول العربية وفي دولة يهود، لقد أجرى هذا الصحفي لقاءات للحديث عن القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية التي تشغل هذه الشعوب، وقد زار دولة يهود فغضب منه متطرفوها فحاولوا الاعتداء عليه، وبدأ أبنائي يقدمون لي مقارنة بين من قابلهم في السعودية وفي الأردن، (بالمناسبة أبنائي لم يزوروا الأردن، وكل ما يعرفوه عن الأردن مما أحدثهم أن أنني وُلدت هناك) فقالوا لقد كانت اللقاءات في الأردن قمة اللقاءات فالوعي لدى شبابها وشاباتها كان عالياً، وظهر أن مستواهم الثقافي كان متميزاً.

يقال دائماً "وحُبّك الشيء يعمي ويصم"، ويقال أيضاً (وعين الرضا عن كل عيب كليلة وعين السخط تبدي المساويا) وليكن حبّاًن والحب أعمى كما يقال، ولكن لا بأس فإني عشت تجارب طريفة منذ ولدت وحتى انتقلت من الأردن إلى المدينة المنورة

تقول أمي إنني ولدت مستعجلاً فلم تصل القابلة حتى وجدتني أصيح في الأرض فرأت القابلة الوضع فبدأت تلوم أمي على أن تأخرت في طلب القابلة، وكان اسم القابلة (أم يوسف الحباشنة)، ولكن جدتي أم عصام (فاطمة عزوز) رحمها الله نهرت القابلة وقالت لها عليك بأداء عملك واتركي اللوم الآن. وبالفعل كان وصولي السريع ملفتاً للانتباه، وكانت أمي ترى أن حملي كان سهلاً وولادتي كانت كذلك، وقد ابتلاها الله عز وجل بمرض التيفوئيد الذي كان يتطلب إبعادي عنها، ورفضت أن أقبل الرضاعة من أية امرأة من الأقارب، وبعد أربعين يوماً تقريباً عوفيت أمي من المرض وفكرت في أن تجرب إرضاعي فدرّ الحليب من جديد، حتى إن أحد الأطباء تعجب من الأمر فقال نحن نعرف أن الحليب يجف إذا توقفت الأم عن الرضاعة ثلاثة أيام فما بالك يعود الحليب إلى صدرك بعد كل هذه المدة.

والقصص كثيرة التي أذكرها من المرحلة الابتدائية ولكني سأذكر قصة حفظ القصائد الحماسية وإلقاءها في الفصل، فقد كان مطلوباً من الطلاب في الصف السادس الابتدائي أن يحفظوا قصيدة عنترة التي مطلعها

إذا كشف الزمان لك القناعا    ومدّ إليك صرف الدهر باعا

فلا تخش المنية واقتحمها       ودافع ما استطعت لها دفاعـا

ويقول فيها

حصاني كان دلاّل المنايا      فخاض غمارها وشرى وباعا

ولو أرسلت رمحي مع جبان    لكان بهيبتي يلقى السباعا

وسيفي كان في الهيجا طبيباً     يداوي رأس من يشكو الصداعا (لم يكن عندهم بندول يباع في البقالات عند أمين الصندوق أو المحاسب، وتعدد أنواع البنادولات حتى لكأننا جميعاً مصابون بصداع مزمن ...وليت هناك دراسة عن مدى انتشار الصداع في بلادنا وأسبابه وأنواع العلاج التي نتعاطاها) بل أجزم إنه منتشر عندما ترى عمّال البناء يحفرون الطرقات وقت الظهر عند خروج الناس من أعمالهم، كأنهم لا يكفيهم الصباح بكامله أو بعد العصر أو في الليل؟ ألا يصيبك الصداع أن تقطع يومياً عشرات الكيلومترات لأن التحويلات (ليست تحويلات أموال) في الشوارع تستحق أن يعمل عنها أكثر من رسالة دكتوراه.

هذه القصيدة كان الطالب يلقيها بحماسة ترتج لها جنبات المدرسة المكونة من ثلاثة طوابق، وكنت والحمد لله من الطلاب الذين يتميزون بالإلقاء الحماسي، ولما انتقلت إلى المدينة المنورة كان أخي عبد الكريم يحفظ قصيدة حماسية تشبهها وهي

أنا في الحرب العوان             غير مجهول المكان

أينما نادى المنادي           في دجى النقع يراني

ولكن شتّان بين طريقة إلقاء الطالب الأردني وطريقتنا في المدينة المنورة فكان الطالب  في المدرسة المحمدية في حوش منصور بالمدينة المنورة (لم يبق حوش منصور ولا غير منصور، قضت عليها غابات الإسمنت المسلح) –نحن بلد نعرف  كيف ندمّر القديم من أجل الحديث أو من أجل الكسب المادي-يتغنى بالقصيدة الحماسية بطريقة فيها ميوعة ودلع وكأنها قصيدة غرامية أو أغنية وعلى لحن إحدى الأغاني التي سمعت طالباً في مدرسة سعد بن معاذ بالمدينة المنورة يغنيها في الحفل الختامي في سنة من السنوات،  وكأن المدرسة تفخر أن لديها مطرب أو من يغني الأغاني العاطفية (قبل الأوان، أو لتعليم الطلاب العشق والغرام والآهات) والأغنية هي

يا غايتي يا مرادي يا م العيون الجميلة   أصبتني في فؤادي وأنا اللي دايم أنادي

ومعذرة إن نسيت الأغنية تماماً، ولكن شتان بين تربية تفرض الصرامة والقوة والحماسة وتربية تربي على الغناء والميوعة... ولا أتهم تربيتنا كلها بهذا ولكنه أنموذج لفرق بين نوعين من التربية.

وأضيف لا بد أن التربية اختلفت منذ ذلك الحين في البلدين ولن أحكم على أي منهما بشيء ولكن لقاءات الصحفي الأمريكي كانت مؤشراً يمكن الاستنارة به ومع ذلك أحتاج أن أشاهدها لأحكم بنفسي، فهل المستوى الثقافي في الأردن أعلى؟ من المعروف أن التعليم في الأردن أقوى وأكثر انتشاراً فالحكومة الأردنية لديها التعليم الإلزامي حتى الثالث متوسط وهي تجلب من لا يأتي به أبواه إلى المدرسة بجندي فلديهم سجلات مواليد دقيقة منذ أكثر من سبعين سنة.

ومن ذكريات الطفولة أنه سرق مني وأنا في المرحلة الابتدائية إما في الصف الخامس أو السادس كتاب الديانة حيث جمعت كل دروس الدين الإسلامي من عبادات وفقه في كتاب واحد، وظللت أشهراً بدون كتاب وكانت مصيبة كبرى أن لا يكون عند الطالب كتاب، كما أن شراء نسخة بديلة لم يكن سهلاً وكأني كنت أعيش كابوس الرسوب وأنا الذي تعودت على المراتب الأولى في حياتي الدراسية كلها. وقد كان الطالب الذي سرق الكتاب نصرانياً. فقد أعلنت حالة الطوارئ في بيتنا بسبب ضياع الكتاب، وأحمد الله أنه بعد مدة وقبل نهاية الفصل الدراسي عرفنا عن مكان الكتاب وهو عند طالب نصراني،  ومازلت أتخيل البيت الذي ذهبت إليه لتسلم كتابي، ولا أدري لم سرقه ولم أعاده.

ومن قصص الطفولة أنني كنت في الخامس أو السادس ابتدائي وكان عندنا مادة اسمها الصحّة وكان مطلوب منّا أن نرسم بعض أجزاء الجسم فقام الأستاذ وهو نصراني بمساعدة أحد الطلاب النصارى فحصل على درجة أعلى مني، وفي أحد الأيام كان الأستاذ يمر قريباً من منزل عمتي ووجدت بعض حبات البندورة فاختبأت في مكان ما ورميت الأستاذ بحبات الطماطم، ولكنه لم يعرفني لعل الله عز وجل أن يغفر لي؟ أو إنني فعلت ما يستحقه الأستاذ الظالم.

وأنهي هذا الجزء من ذكريات الأردن أو الرحلة الأردنية بقصة المقابلة الشخصية لوظيفة محاضر بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية فقد سألني الدكتور إسماعيل عمايرة هل ترى فرقاً في التعليم بين السعودية والأردن، وكان يتوقع أن أقول له إن التعليم في السعودية أفضل لأننا نحفظ سوراً أكثر وأحاديث أكثر وندرس التوحيد والفقه وغير ذلك، ولكني قلت له: إني أرى أن أهم فرق بين التعليم في السعودية والأردن أنني في الأردن تعلمت أن الغش حرام ويعاقب عليه أشد العقوبة وفي المدرسة المتوسطة التي درست فيها وفي أول سنة رأيت أن الغش هو الأساس حتى إن كل الطلاب يغشون، وقد تسبب ذلك بصدمة لي لم أتخلص منها حتى اليوم. ففي النصف الأول من العام كنّا نختبر في كراسات الملخصات وبإمكاننا أن نغش دون أن يحاسبنا أحد، وفي الاختبار النهائي لا يكاد يوجد طالب لم يغش والأساتذة لا يقولون شيئاً. وفي الأردن أذكر أن مدير المدرسة الثانوية في الكركوكانت المدرسة تبدأ بالصف الخامس الابتدائي، وليس في الكرك حينذاك عام 1382هـ (1962م) سوى مدرستان. وكان اسمه أبو أحمد أتى بأحد الطلاب أمام المدرسة كلها في طابور الصباح فوضعت الفلقة في رجلية وضرب وعرفنا أن السبب أنه غش في الامتحان. فكنت أتعجب كيف يستقيم الأمر ونحن نحفظ الأحاديث والقرآن الكريم وندرس التوحيد وغيره والغش عندنا حلال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق