الاثنين، 18 يونيو 2012

الرحلة الأردنية- الحلقة الأولى



صلتي بالأردن قديمة فعلى ثراها ولدت وفوق أرضها نشأت وترعرعت، تنفست هواءها ولعبت بترابها وتعلمت لهجتها وبخاصة في الكرك حيث تقول للشخص :ماذا تريد فتقول له (ويش أدك) وكيف حالك تقولها (تشيف حالك) وتنادي أباك وأمك ب (يابا ويَمّا)، وفي ذات مرة كنت مع طلاب الصف السادس في مدرسة الكرك الثانوية وكنا في فرقة رياضية فقام أحد الطلاب بحك جزء من جسمه فقال له المدرّب "أجيبلك شحف"، والشحف هو القطعة من الصخر التي تسقط عندما يتم قص الصخور وجعلها مستوية للبناء وهو حاد. ولكن مع هذه الحدة والقسوة والصلابة هناك قيم وأخلاق الكرم والجود والنبل والعفة والشرف والفضيلة.

درست في الأردن المرحلة الابتدائية وأذكر منها عدة مواقف أولها أنني كنت في الصف الثالث الابتدائي وكان عندنا أستاذ للتربية البدنية (يطلق عليها الرياضة هنا في السعودية) وأستاذ أو أكثر للمواد الأخرى، وفجأة أصبح أستاذ التربية البدنية أستاذاً للمواد جميعها، فقلت لأبي في البيت عن هذا التغيير ، وفي اليوم التالي جاء إلى المدرسة ليخبر المدير باعتراضي أو نقدي، فاستدعيت إلى مكتب المدير حتى أوضح وجهة نظري أمام الأساتذة والمدير، فبعد أن تكلمت شرح لي المدير أن الأستاذ مؤهل لتدريس جميع المواد. وربما كان هذا العمل من والدي من أهم الأسباب أنني لا أتردد في إبداء وجهة نظري أو إنني أعتز بوجهة نظري ولا أجبن من إبدائها في معظم الأحيان.

أخبركم أولاً عن الرحلة الطريفة من الرياض إلى عمان، فالموجز الموجز أنني خرجت من بيتي على السابعة صباحاً ووصلت عمّان على الخامسة والنصف مساءً، وكان الجو في عمّان معتدلاً ممتعاً لا حرارة فيه مطلقاً بل نسمات هواء عليل وخضرة عمان وماقبلها، ورأيت بائعي الخضار والفواكه على الطريق فتمنيت أن يسمح السائق بشراء بعضالفواكه التي لا نأكلها إلا بعد أيام وأيام من قطفها فتفقد طعمها ولذتها،

وصلت تبوك من الرياض الساعة العاشرة والنصف فقد اقلعت الطائرة في وقتها تقريباً وكانت مزدحمة بالركاب، وخرجت من المطار فركبت سيارة أجرة إلى مواقف سفريات الأردن، واختار لي سائق السيارة الأجرة أحدها لمعرفته بهم، وبدأ البحث عن ركاب فأخبرني أحد السائقين أن عنده راكب وأتقاسم الأجرة معه فأدفع ثلاثمة ريال ويدفع الراكب الثاني ثلاثمائة أيضاً. وبعد نصف ساعة تقريباً وعلى الساعة الثانية عشرة انطلقنا راكبان في السيارة حتى وصلنا الحدود بعد ساعة. وأحكي لكم عن التقارب بين الشعوب العجيب فالشاب السائق يحمل جواز سفر سعودي، ولكنه أردني في اللباس واللهجة والسحنة كذلك، فأمه أردنية وأبوه سعودي من تبوك وجده تزوج في الأردن فيقول الشاب إن أخواله وأخوال أبيه من الأردنيين فهو في بلده وهذا يؤكد على وحدة الشعوب العربية والإسلامية. ومعرفته بالأردن تفوق معرفته بالسعودية فهو درس مراحل الدراسة كلها في عمان وله بيت في عمان وإن كانت أم فيصل فيما يبدو تسكن في تبوك والله أعلم. وعلمت من سائق آخر أن عدداً من الأسر من معان كانت على صلة بتبوك وفي وقت من الأوقات كان الحصول على الجنسية السعودية سهلاً جداً فاكتسبها عدد من هؤلاء. وكما قلت ما هذه الجنسيات إلاّ مما صنعه بنا الاستعمار واستسلمنا له بأن أصبحنا ممزقين وظهرت حتى نعرات تدعو إلى كل قومية إقيلمية ضيقة بينما نحن أمة واحدة مهما تعددت لغاتنا ولهجاتنا وطرائق معاشنا.

ولم يكن هذا المؤتمر الوحيد في الأردن الذي أحضره بالسفر براً من تبوك إلى عمّان، فقد سبق لي أن حضرت مؤتمراً عام1420هـ (2000م ) وفي الربيع منه حين كنت في المدينة المنورة وكان المؤتمر في الجامعة الأردنية بعنوان (العلاقات العربيةالأمريكية نحو مستقبل مشرق) فقد اتصل بي الأستاذ علي الغضبان الذي يعمل في القنصلية الأمريكية في جدة منذ أكثر من عشرين سنة في العلاقات الثقافية ومندوب مكتبة الكونجرس الأمريكية. وقد بدأت صلتي به حين بحث عن بعض مؤلفاتي لإرسالها إلى مكتبة الكونجرس. أخبرني الأخ علي عن المؤتمر والجهة المنظمة ورئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر وكيف أتصل به من حيث أرقام الهواتف والفاكس.

كتبت إلى المسؤول عن اللجنة التحضيرية وكان هو الدكتور سامي خصاونة نائب رئيس الجامعة، وأخبرته بعلمي عن المؤتمر وأن الوقت متأخر للمشاركة بورقة ولكني متخصص في الاستشراق وأن الموضوع يهمني جداً. فتفضلوا بإرسال دعوة لي للحضور. وقد سافرت من المدينة المنورة إلى تبوك جواً ثم من تبوك إلى عمان واستغرقت الرحلة ثنتي عشرة ساعة حيث خرجت من بيتي في المدينة الساعة الحادية عشرة ليلاً ووصلت عمان على الساعة الحادية عشرة صباح اليوم التالي، وكان رحلة مليئة بالمغامرة والطرائف. حيث وصلت تبوك الساعة الثانية بعد منتصف الليل وكان من الصعب أن أجد ركاباً في تلك الساعة وهو أمر لم أكن فكرت فيه. وأخيراً وجدت شابين ودفعت أجرة راكبين فانطلق السائق السوري الذي قرر أخذ الشباب إلى عمان وإيصالهم إلى الموقف ودفع أجرة عمان الشام ثم العودة إلى تبوك لأنه يكسب أكثر من الخط تبوك عمان وليس إلى الشام، وما أن وصلنا الحدود السعودية حتى أوقفنا موظف الجوزاات بأن أحدالشابين أقل من الواحد والعشرين، وبحث الشاب عن والده في تلك الساعة (الفجر تقريباً) ولكن دون فائدة حيث ظهر لي أنه من أسرة مفككة فلا الأم تعرف أين الأب ولا الابن قادر على العثور على الأب فقرر السائق أن يكمل المشوار معي وحدى إلى عمان، وفي الجمارك كان السائق يقوم بتهريب كميات من قوارير الببسي (فهي أرخص عندنا في السعودية) كما هرب السجائر، واخبر الجمارك أن الببسي لي،

أما سائقنا الحالي فقد أخرج الراكب الآخر بعض أغراضه ولم يحدث تفتيش وبعدها قال السائق إن موظف الجمارك الأردني من أخوال والده، وظهر لي أن الذين يعملون في هذه الأماكن يعتمدون إلى حد كبير على الصلات والقرابة والمعارف فأمورهم تسلك بسرعة البرق، وكان هذا الأمر اضحاً فالسائق انطلق في رحلته التي يمكن أن يكون دخلها ثمانمائة ريال مكتفياً بستمائة ريال لأنه كان قد اتفق مع بعض موظفي الجمارك أو الجوازات لإيصالهم إلى عمانأو معان أو في الطريق مجاناً بالطبع فقبل أن يكون معه راكبان فقط، وهذه المجاملة سيفيد منها في رحلاته الأخرى.

مررنا بمدينة معان وهي مدينة متواضعة شوارعها ضيقة وفيها باعة متجولون أو حتى يتم بيع الخضار والفاكهة في الشارع العام، وفيها تضاريس جميلة وفيها زراعة زيتون، كما أن فهيا جامعة الحسين التي لا أعرف كم حجمها، ومعان هي عمق الحجاز وكثير من أهل معان يقولون نحن نتبع الحجاز ومكة والمدينة أكثر من تبعيتنا للأردن. وفي الطريق شاهدنا بعض آثار الخط الحديدي الذي كان يسمى سكة حديد الحجاز التي قطعها الإنجليز ليخربوا طرق إمدادت الجيش التركي وإن كان التنفيذ بيدالأشراف. ولكنها لعبة السياسة القذرة التي أتقن ويتقن الإنجليز لعبها.

وأعجبني في معان إعلان عن زواج في الشارع حيث كتب أحدهم وتمنيت لو صوّرت الإعلان (الأستاذفلان يعلن عن زواج ابنه أو قريبه، والجميع مدعوون لحضور حفل الزفاف. فهذه أول مرةأعرف أن مدينة كاملة تدعى لحفل زفاف

واستغرقت الرحلة إلى عمان حوالي خمس ساعات ونصف وهو وقت طيب حيث لم يكن ازدحاماً في الحدود ولم نتأخر لا في جوازات المملكة ولا جوازات الأردن ولا جمارك الأردن (أخوال والد السائق)واسمه فراس

وقبل أن أصل عمان كنت قد اتصلت بابن ابنة عمتي المهندس الدكتور باسم المحالي لملاقاتي في موقف حافلات الجنوب في منطقة اسمها الوحدات جنوب عمان، وجاءني بعد انتظار لم يطل.

كنت أحاول أن أنام في أثناء الرحلة ولكني قررت أن أستمتع بمشاهدة الطريق، وكان الطريق صحراوياً وليس الصحراء المليئة بالرمل والكثبان ولكنها أرض قاحلة فيها بعض الجبال ولكنها ليست جبالاً شامخة، وبعض الشجيرات، ولم نر الخضرة إلا عندما اقتربنا من عمان، ولكن كان مزعجاً أننا رأينا سجناً عظيماً (سامحوني فليس في السجن عظمة) ولكن حجمه ضخم حقيقة ولم أحفظ الاسم، بل ربما اسمه (سواقه) فأعرف أن للأردن سجن آخر كان يقال لنا إنه للسياسيين بدأ من عهد الإنجليز حتى في اسمه فهو اتش  h4 والسجون في العالم العربي جزء أساسي من مكونات بلادنا والحمد لله،


      وفي عمان تجد سعوديين بثيابهم وإن لم يكونوا  كثر وترى العبايات والغطاء شبه الكامل، غطاء من الرأس إلى أخمص القدمين...وتناولنا العشاء في مطعم اسمه ربم البوادي أو البوادي وهي مساحة اسعة تغطيها الخيام البدوية والطعام في الأردن جيد وبخاصة اللحوم والمشاوي فهم مخلصون في اختيار أجود اللحوم والخدمة كانت سريعة جداً في مطعم يستقبل المئات، وعندما خرجنا على الساعة التاسعة والنصف كانت المواقف مزدحمة فكأن الناس لا يذهبون إلى العشاء إلاّ متأخرين وهو ما كان يطلق عليه أبي رحمه الله (عشاء العبيد( .

مؤتمر جامعة الإسراء – اليوم الأول

وبدأالمؤتمر وسارت جلساته الصباحية كما ينبغي تقريباً، أما بعد الظهر فقد امتدت الجلسة الأولى أكثر من الوقت المقرر فلذلك تم تقليل زمن الجلسة الثانية وإليكم ما كتبت عن ذلك:

كان من المقرر أن تكون ورقتي على الساعة الرابعة والنصف بعد العصر، ونظراً لتأخر الجلسة التي سبقتنا وبعض الجلسات التي فيها ضيوف كبار (!) فقد تم خصم خمس دقائق من حق كل باحث فبدلاً من خمس عشرة دقيقة أعطينا عشرة دقائق. وهذا من عيوب بعض المؤتمرات العربية حيث نجامل بعض الأسماء الكبيرة على حساب الصرامة العلمية والعدل، فمن قال إن المسؤول أو الشخصية المشهوره يجب أن تأخذ من الوقت مالا تستحق.

وعندما جاء دوري بدأت بالقول إن هذه الجلسة وجلسات بعد الظهر حرمتنا من القيلولة ولكن لا بأس ولكني شربت قهوة وأحتاج إلى الماء وليس أمامي ماء ولا أستطيع أن أتحدث بلا ماء، فأسرعوا بإحضار الماء وكوباً من القهوة.


       وبدأت ورقتي قائلاً: "استعمت إلى بعض ما قيل في الجلسة السابقة عن أهمية دراسة الغرب وكادوا يحرقون ورقتي ولكني متخصص في الاستشراق وفي معرفة الجامعات والكليات والأقسام ومراكز البحوث الغربية فلا خوف بالتالي من أن تحترق ورقتي، وبدأت الحديث عن أن الحوار لا بد أن يكون بين أطراف يعرف كل طرف الطرف الآخر وهم قد سعوا إلى معرفتنا حتى جعلونا مثل حيوانات المعمل، وقد عرفت أن هذا القول صدر عن فرنسي حيث قال: هاتوا لنا أبناء دول العالم الثالث لنخضعهم لدراساتنا، وقدمت كلاماً موجزاً عن اهتمام الغرب بنا وذكرت سيلفستر دو ساسي الذي عيّن أول رئيس لمدرسة اللغات الشرقية الحية التي تأسست في باريس عام 1795م، ولجان الحكومة البريطانية التي تكونت في أعوام 1947م و1961م و1985م، والجمعيات الغربية المتخصصة بالاستشراق كالجمعية الملكية الأسيوية البريطانية والجمعية الأسيوية الفرنسية والجمعية الاستشراقية الأمريكية، وقلت إن ورقتي تضمنت نماذج من دراسات الشعوب الأخرى بعضها بعضاً ومنها بريطانيا وأمريكا وإسرائيل المجاورة لكم ومركز موشيه ديان لدراسات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

والنتيجة أنه معرفتنا بالشعوب والأمم الأخرى أمر ضروري ليكون بيننا وبينها حوار فقد أدركنا هذا الأمر عندما كنّا أمة راقية وحضارة باسقة بأن تعرفنا على الأمم والشعوب الأخرى فما رحلة ابن فضلان ورحلة ابن جبير ورحلة ابن حوقل ورحلة ابن بطوطة وغيرهم وما مكوث البيروني بالهند عشر سنوات ومعرفة الهند بدقة عجيبة إلاّ أدلة على وعينا بهم، وكذلك كتاب أسامة بن منقذ (الاعتبار) حيث وصف الصليبيين وصفاً دقيقاً من النواحي الأخلاقية والجسمية والعسكرية والاجتماعية. وقلت قبل أن أختم وهذه آخر كلماتي قبل أن يُسكتني رئيس الجلسة.

ملوحظة: قدمت الورقة ارتجالاً من أولها إلى آخرها فلم يكن أمامي رؤوس أقلام أو نقاط أستعين بها حتى إن الدكتور عصام فاشا (مستشار سابق للملك حسين) همس في أذن الدكتور وجيه عبد الرحمن (عميد كلية الآداب ورئيس المؤتمر) إنه أعجب بحديثي وكأنه يرى في محمد عبده أو الأفغاني.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق