الدواليبي والمطبقاني: مدارس نقدية في مواجهة الاستشراق قراءة مقارنة في أطروحَتي الدكتوراه بقلم الدكتور محمد سعيد أركي
تمهيد:
يمثل الاستشراق أحد أكثر التحديات
الفكرية التي واجهتها الأمة الإسلامية في العصر الحديث، ليس فقط لأنه خطاب معرفي
عن الإسلام، بل لأنه كان وما زال أداةً سياسية في صراع الهويات والحضارات. وفي خضم
هذا التحدي، برزت مدارس نقدية متعددة اختلفت في منهجياتها وأهدافها، لكنها اجتمعت
في سعيها لتفكيك الصور المشوهة التي رسمها الغرب عن الإسلام والمسلمين.
يقدم لنا الدكتور محمد معروف الدواليبي
رحمه الله والدكتور مازن المطبقاني حفظه الله نموذجين متباينين في هذا السياق.
فبينما كتب الدواليبي أطروحته في جامعة باريس عام 1941، في قلب أوروبا وفي خضم
الحرب العالمية الثانية، كان المطبقاني يكتب رسالته للدكتوراه في كلية الدعوة بالمدينة
المنورة، ثم يسافر إلى برينستون لمقابلة برنارد لويس شخصياً. الفارق الزمني نصف
قرن، والفارق المكاني بين باريس والمدينة المنورة يعكسان تحولاً عميقاً في طبيعة
المواجهة الفكرية مع الغرب، وفي أدوات الباحث المسلم وإمكانياته.
هذه المقارنة ليست مجرد تأريخ لمشروعين
أكاديميين، بل هي محاولة لفهم تطور الخطاب النقدي العربي في مواجهة الاستشراق،
واستخلاص الدروس المنهجية التي تصلح لكل باحث يسعى إلى الدفاع عن هويته بعلم
وإنصاف.
تنبيه:
حدود المقارنة (أطروحتا الدكتوراه لا غير)
ينبغي التأكيد بداية على أن هذه المقارنة
محصورة في نطاق ضيق ودقيق، هو الأطروحات الأكاديمية التي نُوقشت لنيل درجة
الدكتوراه، ولا تمتد إلى مجمل الإنتاج الفكري للرجلين. فالدواليبي، الذي ناقش
أطروحته في باريس عام 1941، كان شخصية سياسية صاخبة، وله مؤلفات ومحاضرات لاحقة
اتسمت بالهجومية المباشرة، وخاطب فيها الغرب بلغة مغايرة تماماً للنبرة الأكاديمية
المتحفظة في أطروحته.
وكذلك المطبقاني، ففضلاً عن كتابه الرائد
هذا، له مؤلفات أخرى ومقالات صحفية وأبحاث أكاديمية عديدة تلت الدراسة الأصلية،
اتسمت بجرأة نقدية أكبر وتوسعت في تفكيك الخطاب الاستشراقي بمناهج مختلفة. لكن
بوصلتنا هنا تتجه نحو نصهما المؤسس الأكاديمي الأول؛ لأن الأطروحة تمثل الباحث في
حالة انضباطه المنهجي الأكبر، وتكشف عن استراتيجيته الأساسية في مواجهة الخصم قبل
أن تتداخل معها تطورات لاحقة أو اعتبارات سياسية أو جماهيرية. هذه المقارنة هي
إذاً مقارنة بين الجذور الأكاديمية للمشروعين، وليست بين الغابات الفكرية لكل
منهما.
أولاً: صاحبا
المشروعين – بين التكوين الغربي والعمق الإسلامي
محمد معروف الدواليبي (1909-2004)
الرجل الذي جمع بين تكوينين نادرين:
دبلوم في القانون الروماني من جامعة السوربون، وتخصص في أصول الفقه تدريساً في
كلية الشريعة بجامعة دمشق. هذا المزيج الفريد هو ما جعل أطروحته "La Jurisprudence dans le Droit Islamique" استثنائية.
فالدواليبي لم يكن مجرد فقيه إسلامي يخاطب الغرب، بل كان محامياً ورجل دولة تولى
رئاسة الوزارة في سوريا مرتين. لذلك، كانت أطروحته مشروعاً سياسياً-فكرياً
بامتياز: الدفاع عن شرعية الفقه الإسلامي كقانون حي قابل للتطور، في وجه الاتهام
الغربي الذي يصفه بالجمود. وقد نوقشت هذه الأطروحة في عام 1941 تحت إشراف أساتذة
بارزين من مدرسة القانون الروماني في باريس، أمثال بيير نويل، مما منحها مصداقية
أكاديمية عالية. وكتب مقدمتها المستشرق الفرنسي الكبير لويس ماسينيون، الذي وصفها
بأنها "من أفضل الوثائق عن الإسلام".
مازن المطبقاني
أما المطبقاني، فهو أكاديمي سعودي جمع
بين الدراسة الأكاديمية والخبرة الصحفية والعمل الميداني. درس التاريخ في جامعة
الملك عبد العزيز، ثم التحق بقسم الاستشراق بالمعهد العالي للدعوة (كلية الدعوة
حالياً) لنيل درجة الدكتوراه. وقبل ذلك، عمل صحفياً في صحيفة المدينة المنورة، مما
صقل قدرته على التعبير والتحليل. أسس مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث
الاستشراق، وهو موقع إلكتروني متخصص أصبح مرجعاً للباحثين. تميز بتعدد لغاته
(العربية، الإنجليزية، الفرنسية)، مما أتاح له الاطلاع المباشر على مصادر
الاستشراق بلغاتها الأصلية. ويعد كتابه عن برنارد لويس أول دراسة أكاديمية شاملة
عن هذا المستشرق باللغة العربية، وأول رسالة دكتوراه في قسم الاستشراق بكلية
الدعوة.
ثانياً: المشروعان –
الهدف والمنهج
مشروع الدواليبي:
دفاع عن مرونة الفقه الإسلامي
كان الدافع الأساسي لأطروحة الدواليبي هو
تصحيح الصورة المشوهة للفقه الإسلامي في الأوساط الأكاديمية الغربية. لاحظ أن
الاقتباسات المتعلقة بالفقه الإسلامي في الكتب الجامعية الأوروبية كانت
"سطحية أو غير دقيقة"، مما أدى إلى وصف الفقه الإسلامي بأنه من أكثر
الأنظمة القانونية بدائية، ومحصور في "الإطار الجامد للعقيدة". يرى
الدواليبي أن هذا الفهم الخاطئ ليس إلا نتيجة "لفهم خاطئ للإسلام نفسه"،
الذي لا يُعرف في الغرب إلا من خلال مؤلفات العصور الوسطى المشبعة بروح الحروب
الصليبية.
محاور الأطروحة
الرئيسية:
.1مرونة
الفقه الإسلامي من خلال الاجتهاد، الذي يعرفه بأنه "الجهد المبذول بواسطة
الاستدلال الاستقرائي، من قبل فقيه إسلامي، لتقديم حلول للمسائل الجديدة التي لم
ترد في القرآن ولا في السنة".
.2 الغنى
الاقتصادي للجزيرة العربية قبل الإسلام، ليثبت أن الإسلام لم يظهر في بيئة بدائية،
بل في بيئة تجارية متقدمة تطلبت نظاماً قانونياً متطوراً.
.3 علم
أصول الفقه كمنهج علمي متقدم، فهو أول نظام قانوني في التاريخ يضع قواعد منهجية
للتفسير والاستدلال.
.4 نفي
التأثير الروماني على الفقه الإسلامي، وهي الأطروحة الأكثر جرأةً وإثارة للجدل.
منهج الدواليبي:
يقوم على "المنهج الدفاعي الأكاديمي"، حيث يبدأ كل فصل بعرض رأي غربي
خاطئ، ثم يقدم الرد العلمي عليه، معتمداً على المصادر الغربية الأصلية (سانتيلانا،
جولدتسيهر، غوستاف لوبون..) والمصادر الفقهية الإسلامية (القرآن، كتب الحديث، أصول
الفقه)، مع مقارنة مستمرة بالقانون الروماني والفرنسي.
مشروع المطبقاني:
تفكيك خطاب مستشرق بعينه
أما مشروع المطبقاني، فهو مختلف تماماً
في هدفه ومنهجه. فهو لا يهدف إلى الدفاع عن الفقه الإسلامي كمنظومة قانونية، بل
إلى دراسة نقدية لشخصية استشراقية بعينها: برنارد لويس. والكتاب الذي نتحدث عنه هو
أول دراسة أكاديمية شاملة عن لويس باللغة العربية.
محاور الدراسة
الرئيسية:
.1موقف
لويس من القرآن الكريم والحديث النبوي، وكيف تعامل معها بتشكيك منهجي مكرراً شبهات
المستشرقين السابقين.
.2 موقف
لويس من التاريخ الإسلامي والحضارة، من السيرة النبوية إلى الخلافة العثمانية
والقضية الفلسطينية.
.3 رؤية
لويس للمذاهب الفكرية المعاصرة، كالقومية والشيوعية والحركات الإسلامية.
منهج المطبقاني: يقوم
على عدة ركائز:
· الرجوع
إلى المصادر الأصلية لمؤلفات لويس باللغات الأصلية.
· المقابلة
الشخصية مع لويس نفسه، وهي مادة نادرة أضافت بُعداً حيوياً للدراسة.
· التكامل
بين المناهج (التاريخي، النقدي، التحليلي، المقارن).
· الإنصاف
العلمي بالاعتراف بفضل لويس العلمي قبل نقده، مما جعل النقد أكثر إقناعاً.
ثالثاً: السياقان
ودلالة الفجوة الزمنية
سياق الدواليبي:
أوروبا في زمن الحرب
نوقشت أطروحة الدواليبي في عام 1941، وهو
عام صعب في تاريخ فرنسا: البلاد تحت الاحتلال النازي، والحرب العالمية الثانية في
أوجها. مناقشة أطروحة عن الفقه الإسلامي في قلب باريس المحتلة تحمل دلالة رمزية
عميقة، إذ تظهر أن الاهتمام الأكاديمي بالفقه الإسلامي استمر رغم الظروف السياسية
الصعبة.
كانت جامعة باريس في أربعينيات القرن
العشرين واحدة من أعتى مراكز الاستشراق في العالم، وقد سيطر على الدراسات
الإسلامية فيها منهج "الاستشراق العلمي" الذي نظر إلى الإسلام من منظور
"تفوق الحضارة الغربية". في هذا السياق، كان الدواليبي، بتكوينه
المزدوج، في موقع فريد يسمح له بمخاطبة هذه المؤسسة الأكاديمية بلغتها، والرد
عليها بمراجعها الخاصة. وقد أشرف على الأطروحة أساتذة بارزون من مدرسة القانون
الروماني في باريس، مثل بيير نويل، مما منحها مصداقية أكاديمية عالية.
سياق المطبقاني: المدينة
المنورة في زمن الصحوة
أما سياق المطبقاني، فهو مختلف تماماً.
فدراسته صدرت في وقت كانت فيه الجامعات السعودية تشهد نهضة أكاديمية، وبدأت تفتح
أبوابها لدراسات نقدية جادة في مجال الاستشراق. كان المطبقاني يكتب في سياق تيار
نقدي عربي وإسلامي واسع، بدأ مع رواد مثل مالك بن نبي وعبد الرحمن بدوي، وتوج
بأعمال إدوارد سعيد النقدية في الغرب. لكن ما يميز كتاب المطبقاني أنه جمع بين
النقد النظري والدراسة التطبيقية لشخصية مستشرق بعينه، مع لقاء مباشر ووثائق
فريدة، مما جعله نموذجاً فريداً في هذا المجال.
السياقان ودلالة
الفجوة الزمنية والجغرافية
إن الفارق الزمني الذي يزيد على خمسين
عاماً بين الأطروحتين ليس مجرد تفصيل زمني، بل هو مرآة لتحولات كبرى في وعي النخبة
العربية المسلمة. ففي زمن الدواليبي (1941)، كانت الدولة العثمانية قد انهارت لتوها،
والمستعمر الأوروبي لا يزال يمد نفوذه على معظم بلاد المشرق، وكانت الهزائم
النفسية توجب خطاباً دفاعياً يثبت للغرب أن المسلم ليس متخلفاً، وأن فقهه ليس
بدائياً. كان الدواليبي، بلغته الفرنسية المتقنة واطلاعه على القانون الروماني،
يحاول اقتحام "حصن" المعرفة الغربية لإثبات الذات.
أما
في زمن المطبقاني (التسعينيات)، فقد كان العالم الإسلامي قد مرّ
بصدمات كبرى (نكسة 1967، الثورة الإيرانية، أفغانستان، وحرب الخليج)، وظهرت نظريات
ما بعد الاستعمار بقوة في الغرب نفسه، التي كشفت كيف أن المعرفة الغربية كانت أداة
هيمنة. هذا السياق أتاح للمطبقاني ألا يطلب "الإذن" بدخول الحصن، بل أن
يقتحمه ليُفكّك أدواته من الداخل. لذلك، كان انتقال الباحث المسلم من "التماس
القبول" لدى ماسينيون في الأربعينيات، إلى "إجراء حوار نقدي ومراسلات مع
لويس" في التسعينيات، دليلاً على تحول تاريخي في التوازن الفكري، وإن لم يكن
سياسياً.
رابعاً: نقاط التقاطع
– ما يجمع المشروعين
رغم الاختلاف في الزمان والمكان والهدف،
يمكن رصد عدة نقاط تقاطع جوهرية بين المشروعين:
.1 التكوين المزدوج وقدرة المخاطبة:
كل من الدواليبي والمطبقاني جمع بين تكوينين: الدواليبي بين القانون الروماني
والفقه الإسلامي، والمطبقاني بين التاريخ والصحافة والاستشراق. هذا التكوين
المزدوج مكنهما من مخاطبة الجمهور الغربي بلغته وبمراجعه الخاصة، ومن تقديم نقد
قائم على الفهم لا على الانطباع.
.2الاعتماد على المصادر الأصلية:
لم يكتفِ الرجلان بالترجمة أو بالنقل عن الآخرين، بل رجعا إلى المصادر الأصلية:
الدواليبي إلى كتب الفقه والأصول بالعربية، والمطبقاني إلى مؤلفات لويس
بالإنجليزية والفرنسية والألمانية. هذا الاطلاع المباشر هو ما منح دراساتهما
المصداقية الأكاديمية.
.3 الإنصاف العلمي: تميز كلا المشروعين
بالإنصاف في التعامل مع الخصم. فالدواليبي استشهد بآراء المستشرقين المخالفين
وناقشها بموضوعية، ولم يتهمهم بالكذب أو التزوير، بل نقد منهجهم. وكذلك المطبقاني،
الذي اعترف بفضل لويس العلمي وغزارة إنتاجه وأسلوبه الأدبي الجذاب، قبل أن ينقد مناهجه
ويكشف انحيازاته.
.4الرد على الاتهامات الغربية:
كلا المشروعين كان رداً على اتهامات غربية: الدواليبي رد على اتهام الفقه الإسلامي
بالجمود، والمطبقاني رد على تشويه لويس للإسلام وتاريخه وحضارته. لكن بينما كان رد
الدواليبي دفاعياً (يبرر ويشرح)، كان رد المطبقاني تفكيكياً (يكشف الآليات
والخلفيات).
.5 الصبغة الأكاديمية الرفيعة:
كلا العملين حظيا بقبول أكاديمي رفيع: أطروحة الدواليبي قُبلت من لجنة من أساتذة
القانون الروماني في السوربون، وكتب مقدمتها لويس ماسينيون. وكتاب المطبقاني صدر
في طبعته الألمانية، مما أتاح للباحثين الغربيين الاطلاع على نقد عربي رصين لأحد
أبرز مستشرقيهم.
خامساً: نقاط
الاختلاف – ما يميز كل مشروع
.1 الهدف: الدفاع عن النظام مقابل تفكيك الخطاب
هدف الدواليبي كان دفاعياً: إثبات أن
الفقه الإسلامي نظام قانوني متطور وقابل للتكيف مع العصر. أما هدف المطبقاني فكان
تفكيكياً: كشف آليات الخطاب الاستشراقي عند لويس، وبيان كيف يعمل هذا الخطاب في
سياق سياسي وأكاديمي محدد لخدمة أجندة صهيونية وغربية.
.2 الموضوع: الفقه كمنظومة مقابل المستشرق
كشخصية
موضوع الدواليبي كان الفقه الإسلامي
كمنظومة، أما موضوع المطبقاني فكان شخصية المستشرق نفسه (برنارد لويس) ومنهجه
وخلفياته الفكرية والسياسية. هذا الاختلاف في الموضوع يعكس تحولاً في طبيعة
الدراسات النقدية للاستشراق: من الدفاع عن الإسلام إلى تفكيك الخطاب الاستشراقي
نفسه.
.3المنهج: المقارن الدفاعي مقابل التكاملي
النقدي
منهج الدواليبي كان مقارناً دفاعياً:
يقارن الفقه الإسلامي بالقانون الروماني والفرنسي لإثبات أنه ليس أقل تطوراً. أما
منهج المطبقاني فكان تكاملياً نقدياً: مزج بين المنهج التاريخي، والنقدي،
والتحليلي، والمقارن، مع لقاء مباشر ووثائق فريدة.
.4الجمهور: الغرب الأكاديمي مقابل العالم العربي والإسلامي
الدواليبي كان يخاطب الغرب الأكاديمي
مباشرة، في لغته وبمراجعه الخاصة، في محاولة لإقناعه بصحة وجهة نظره. أما
المطبقاني فكان يخاطب العالم العربي والإسلامي أولاً، لتمكينه من أدوات نقد
الاستشراق، ثم الغرب من خلال الترجمة والانتشار الدولي.
.5 الموقف من "الموضوعية" الاستشراقية
الدواليبي، في سياقه الأكاديمي، كان يسعى
إلى إثبات أن الفقه الإسلامي يستحق الدراسة العلمية الجادة، لكنه لم يهاجم
"الموضوعية" الاستشراقية كخطاب سلطة. أما المطبقاني، متأثراً بمناهج ما
بعد الاستعمار ونقد إدوارد سعيد، فكان يهدف إلى كشف زيف "الموضوعية"
التي يدعيها لويس، وإظهار أن خطابه ليس علماً محايداً بل سياسة وأيديولوجيا.
.6 طبيعة المصادر الفريدة واللقاءات المباشرة
تميز كلا الباحثين باللقاء المباشر مع
شخصيات أكاديمية غربية. فالدواليبي، بصفته طالب دكتوراه في جامعة باريس، التقى
وأشرف عليه أساتذة فرنسيون بارزون كبيير نويل، وحظي بمقدمة من لويس ماسينيون الذي
أتاح له مكتبته الشخصية. أما المطبقاني، فسافر خصيصاً إلى برنستون لمقابلة برنارد
لويس، وسجّل الحوار ونشر الرسائل المتبادلة كوثائق مستقلة ضمن أطروحته. لكن الفرق
الجوهري أن الدواليبي كان في موقع الطالب المتعلم الذي يسعى لإثبات جدارته، بينما
كان المطبقاني في موقع المحاور الناقد الذي يمارس الاستجواب. وهذا يعكس تحولاً في
طبيعة العلاقة بين الباحث المسلم والمؤسسة الأكاديمية الغربية: من طلب القبول إلى
ممارسة النقد من موقع الندية.
خامساً: كيف يختلف
المنهجان في معالجة قضية واحدة؟
لنأخذ مثلاً قضية "التأثيرات
الخارجية على الإسلام" (كتأثير القانون الروماني على الفقه الإسلامي). لو
واجه الدواليبي هذا الاتهام، نراه يهرع إلى الردّ بحجج تاريخية ومصطلحية ليُثبت
الأصالة المطلقة، وكأن نفي التأثير هو شرط للشرعية. كان همه الأكبر أن يثبت للجنة
المناقشة الفرنسية أن هذا الفقه وليد بيئته العربية الخالصة، وأن أي تشابه مع
القانون الروماني هو مجرد توافق في العقل البشري لا أكثر.
أما لو واجه المطبقاني نفس القضية لدى
برنارد لويس، فلن ينشغل كثيراً بإثبات الأصالة أو نفيها؛ بل سيسأل أسئلة أخرى:
لماذا يصر لويس على إثبات التأثير الروماني؟ ما هي الفائدة السياسية لهذه
المقاربة؟ أليست محاولة لنزع "خصوصية" الإسلام وجعله مجرد فرع من
الحضارة الكلاسيكية ليُسهل التحكم فيه؟ هل هذه المقاربة تأتي في سياق أوسع لتكريس
فكرة أن الإسلام ليس ديناً مستقلاً بل "نسخة مشوهة" مما سبقه؟
الفرق شاسع: الأول (الدواليبي) يلعب على
ملعب الخصم ليُثبت تفوق لعبته، والثاني (المطبقاني) ينسف الملعب ذاته ويكشف عن
غايات من أقامه. هذا لا يعني أن أحدهما أصوب من الآخر، بل يعني أن كل منهما يجيب
عن سؤال مختلف، في سياق تاريخي مختلف، وبأدوات مختلفة.
سادساً: العلاقة مع
مدرسة إدوارد سعيد النقدية
لا يمكن فهم مشروع المطبقاني دون وضعه في
سياق النقد الاستشراقي الذي أسسه إدوارد سعيد في كتابه الشهير
"الاستشراق" (1978). فقد قدّم سعيد نظرية عامة عن الاستشراق كخطاب سلطة
ومعرفة، مرتبط بالمشروع الاستعماري الغربي. أما المطبقاني فيقدّم تطبيقاً عملياً
لهذه النظرية على شخصية لويس، مظهراً كيف تعمل آليات الاستشراق في سياق سياسي
وأكاديمي محدد.
أما الدواليبي، فكان يكتب قبل سعيد بنحو
أربعة عقود، في سياق لم تكن فيه نظرية نقد الاستشراق قد تبلورت بعد. لذلك، كانت
أطروحته أقرب إلى "الدفاع" منها إلى "التفكيك". لكن هذا لا
يقلل من قيمتها؛ بل يجعلها رائدة في نوعها، وتمثل مرحلة سابقة من مراحل تطور
الخطاب النقدي العربي.
يمكن القول إن مشروع الدواليبي يمثل
المرحلة الدفاعية في مواجهة الاستشراق، بينما يمثل مشروع المطبقاني المرحلة
التفكيكية، وهما مرحلتان متكاملتان وليستا متناقضتين. فبدون الإتقان الدفاعي الذي
أظهره الدواليبي في فهم التراث وعرضه، كان التفكيك المطبقاني ليصبح خطاباً يفتقر
إلى العمق المعرفي. وبدون التفكيك المطبقاني، كانت الدفاعية الدواليبية لتظل حبيسة
الإطار الأكاديمي الضيق دون أن تنفتح على أبعادها السياسية والأيديولوجية.
خاتمة :
تطرح هذه المقارنة بين المشروعين على
القارئ سؤالاً أكبر: كيف نقرأ الآخر؟ وكيف ننقده دون أن نظلمه؟ وكيف ندافع عن
أنفسنا دون أن نغلق عقولنا؟
الدواليبي يقدّم نموذجاً في الدفاع
الأكاديمي الرصين، حيث يواجه الاتهام الغربي بأدوات الغرب نفسه، ويُثبت أن الفقه
الإسلامي ليس أقل تطوراً من أي قانون وضعي. أما المطبقاني فيقدّم نموذجاً في
التفكيك النقدي، حيث يكشف زيف "الموضوعية" الاستشراقية ويُبيّن كيف أن
الخطاب العلمي يمكن أن يكون أداة سياسية.
يبقى السؤال الذي تطرحه هذه المقارنة على
الباحث المعاصر: هل نحن في حاجة إلى دفاعية الدواليبي أم تفكيكية المطبقاني؟
الحقيقة أن كلتيهما مطلوبة، لكن في سياقاتها الصحيحة. يُحتاج إلى دفاعية الدواليبي
عندما نواجه أكاديمياً غربياً منصفاً يبحث عن الحقيقة، فنقدّم له تراثنا بلغة
علمية رصينة. ويُحتاج إلى تفكيكية المطبقاني عندما نواجه خطاباً سياسياً معادياً
يتخفى في ثوب الموضوعية، فنكشف أيديولوجياته.
توصيات للباحثين:
أولاً: لا للانحصار في نموذج واحد.
الأطروحات التي تجمع بين العمق في التراث (كما فعل الدواليبي) والوعي بآليات
الخطاب الغربي (كما فعل المطبقاني) هي المستقبل. الباحث الناجح هو من يستطيع أن
يكون فيلسوفاً وفقهياً وناقداً للأيديولوجيا في آن واحد.
ثانياً: ضرورة ترجمة النماذج النقدية
العربية. فالترجمة ليست ترفاً أكاديمياً، بل هي استكمال للمشروع النقدي، وهي وسيلة
لإيصال الصوت الأكاديمي العربي إلى دوائر البحث الغربية.
ثالثاً: الربط بين الفكر والسياسة.
المشروعان معاً يعلّماننا أن الفكر لا يُعزل عن السياسة. الدواليبي كان سياسياً
ورجل دولة، والمطبقاني كشف العلاقة بين فكر لويس والسياسة الأمريكية. على الباحث
المعاصر ألا يغفل هذا البعد، لأن الاستشراق لم يكن ولن يكون مجرد معرفة أكاديمية
بريئة.
رابعاً: الاستفادة من أدوات الخصم دون
الانبهار بها. الدواليبي استفاد من القانون الروماني دون أن ينبهر به، والمطبقاني
استفاد من مناهج ما بعد الاستعمار دون أن يتخلى عن مرجعيته الإسلامية. هذا التوازن
الدقيق هو سرّ القوة في كلا المشروعين.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كل من المشروعين
على الباحثين العرب والمسلمين: هل نحن مستعدون لأن ننظر إلى تراثنا بجرأة
الدواليبي والمطبقاني، وننظر إلى خصومنا بإنصافهما، ونكتب عن قضايانا بصدقهما؟
الجواب بين دفتي أطروحة الدواليبي وكتاب المطبقاني، وهما دعوة مفتوحة لكل باحث
يسعى إلى فهم الآخر من موقع الوعي لا الانبهار، والنقد البناء لا الهدم الأعمى.
وهكذا يبقى هذان المشروعان – كل في موقعه
وسياقه – علامتين فارقتين في مسيرة الدراسات الاستشراقية العربية، ومصدر إلهام لكل
باحث يسعى إلى فهم الآخر من موقع الوعي لا الانبهار، والنقد البناء لا الهدم
الأعمى. وإنّ الأثر الذي تركاه في المشهد الأكاديمي العربي، وما تبعها من مؤلفات
وبحوث، لخير دليل على أن الأعمال العلمية الجادة تظل نبراساً يهتدي به السائرون،
وأن أصحابها – وإن كانوا بيننا يزخرون بالعطاء – قد وضعوا لبناً لا تُمحى في صرح
نقد الاستشراق العربي.
كلمة شكر وتقدير
وختاماً، أتقدم بخالص الشكر إلى الأستاذ
نوفل الدواليبي، ابن العلامة الدكتور محمد معروف الدواليبي الذي تفضل بتزويدي
بنسخة من أطروحة والده، وإلى الدكتور مازن بن صلاح المطبقاني، الذي تفضل بنسخة من
أطروحته الرائدة عن برنارد لويس. فبفضلهما تمكنت هذه المقارنة من الرجوع إلى الأصل
الأكاديمي الأول لهذين المشروعين الفكريين المتكاملين.
لهما مني أصدق الدعوات وأوفى عبارات
الامتنان، سائلاً المولى أن يجزيهما خيراً، وأن ينفع بهما الأمة والعلماء.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
تعليقات
إرسال تعليق