رحلة وعي متنامٍ بين المعايشة الميدانية، النقد الساخر، وفضح التناقض الغربي
(مع ملاحظات نقدية
بناءة، وتوصيات عملية، ورؤية استشرافية، وتحليل لمسار التحول النفسي والأدبي
للمؤلف)
لم يكن تغيير الدكتور مازن المطبقاني
حفظه الله لعنوان كتابه من "رحلاتي إلى أمريكا" إلى "أمريكا الحلم
الذي كان" مجرد تعديل لغوي أو تسويقي. إنه وثيقة تحوّل فكري ونفسي عميق، أعلن
فيها أن الحلم الذي حمله شابٌ يافع في أواخر الستينيات - حلم المنارة الغربية التي
ستقوده إلى النجاح - قد تبخر أمام واقع أكثر تعقيداً، بل وتناقضاً. وهذا التغيير
يعكس في جوهره الاستعارة المركزية التي افتتح بها المؤلف مذكراته الشخصية تحت
عنوان "راكب وظل شجرة"، مستلهماً حديث النبي ﷺ: "ما لي وللدنيا،
وما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها". فكانت أمريكا هي
تلك الشجرة التي استظل تحتها سنوات، لكنه في النهاية رحل وتركها، تاركاً لنا هذا
السفر النفيس الذي يروي قصة وعيٍ متنامٍ، لا مجرد سردٍ لرحلاتٍ متفرقة.
هذا الكتاب ليس مذكرات سفر عابرة، بل هو
عمل ميداني معايش، ونقد اقتصادي، وفضح أخلاقي، ومراجعة ذاتية موجعة، وشهادة
تاريخية على عصر تحول، وأدب رحلات، يضع القارئ العربي أمام مرآةٍ تعكس له صورة
الآخر، وفي الوقت نفسه، تُجبِره على النظر في عيوب ذاته وموارد قوته معاً. إنه
كتاب يقرؤك قبل أن تقرأه، لأنه يطرح أسئلة وجودية عن الهوية، والنهضة، والتعامل مع
الآخر، وعن معنى النجاح والفشل في حياتنا.
أولاً: مسار التحول النفسي
والأدبي – ثلاث مراحل للوعي وصناعة الأسلوب
قبل الغوص في تفاصيل الكتاب، من الضروري
فهم أن هذا العمل ليس مجموعة مقالات نقدية مبعثرة، بل هو سيرة ذاتية لوعي متنامٍ،
مرّ المؤلف خلالها بثلاث مراحل نفسية وفكرية متميزة، تطور معها أسلوبه الأدبي من
السرد الشاب المبهور، إلى النقد الأكاديمي الجاد، إلى الكتابة الساخرة الحكيمة:
المرحلة الأولى (1968–1973): الانبهار
والضياع والأسلوب الشاب المبهوت. شاب يافع في الثامنة عشرة، مبهور بأمريكا، لكنه
يضيع أكاديمياً بين تخصصات الجغرافيا وعلم النفس والأحياء، ويعيش صدمة ثقافية
حادة، وينتهي به المطاف عائداً إلى الوطن بعد خمس سنوات دون شهادة، ليتعرض للإهانة
في الخطوط الجوية السعودية. في هذه المرحلة، أسلوب الكتابة شابٌ، مباشر، يتسم
بالدهشة والحيرة، وكأن القارئ يسمع صوت شاب يتعثر في وصف مشاعره. يصف المطبقاني
تلك اللحظة التي وقف فيها في مطار نيويورك، يبحث عن مكتب البرقيات ليرسل لوالده
خبر الوصول، وكيف أن الصدمة الثقافية كانت تنتظره هناك، في تلك البنايات الشاهقة
والشوارع الواسعة، وكأنه يقول: "إن لم تصبنا الصدمة الثقافية هنا، فأين كانت
ستصيبنا؟".
المرحلة الثانية (1988–1995): النضج
الأكاديمي والنقد الموضوعي والوصف الدقيق. بعد حصوله على الدكتوراه وعمله أستاذاً
جامعياً، يعود إلى أمريكا باحثاً، لا سائحاً. يلتقي ببرنارد لويس، ويزور مراكز
البحث، وينتقد بمنهجية علمية، ويدوّن ملاحظاته بدقة أكاديمية. هنا، يصبح أسلوبه
أكثر نضجاً، يميل إلى الوصف الموضوعي، ويرصد التفاصيل التنظيمية للمكتبات
والجامعات بدقة المحلل. تجده يصف مكتبة برنستون بكل تفاصيلها: الطوابق السبعة،
ونظام البطاقات الممغنطة، وسهولة الحصول على التصريح في دقائق، وكأنه يرسم لوحة
لمؤسسة ناجحة، ليقارنها بصمت مع بيروقراطية جامعاتنا.
المرحلة الثالثة (2008–2013): الحكمة
والوعي الاستشرافي والأسلوب الساخر الممتع. يكتب كمراقب محايد، يرى أمريكا بعين
الراحل العابر الذي استظل تحت شجرة ثم رحل. لم يعد غاضباً منها، بل أصبح يقدّمها
كعبرة للأجيال القادمة، وكمرآة لذاته ولمجتمعه. هنا، تتفتح موهبته الأدبية، ويمتزج
النقد بالدعابة، والحزن بالسخرية، والجد بالهزل. تجده يصف نفسه وهو يأكل قطعة
بيتزا واحدة في مطعم أمريكي، بينما الأمريكيون يطلبون الشريحتين والثلاثة، ويشربون
المشروبات الغازية، وكأنه يقول ساخراً: "كنت قد بدأت أفقد وزني، فصارت قطعة
واحدة تكفي". هذه النكتة الذاتية، التي تخللت وصفه لرحلته العلمية، تجعل
القارئ يبتسم وهو يتابع محنة باحث عربي يحاول توفير مصاريف إقامته في فندق رخيص.
إن إغفال هذا المسار النفسي والأدبي يجعل
قراءة الكتاب ناقصة، لأنه يحوّله من سيرة روحية متكاملة إلى مجرد مجموعة مقالات
نقدية متفرقة. المطبقاني لم يكتب كل فصوله بنفس الروح، بل تطورت روحه مع تطور
عمره، وهذا ما يمنح الكتاب عمقه الإنساني.
ثانياً: المشاهد الحية
والوصف الساخر – تجعل القارئ شريكاً في الرحلة
المطبقاني ليس مجرد محلل بارد، بل هو
رسّام بالكلمات، ينقل المشاهد بحيث يشعر القارئ وكأنه يعيشها. وهذا البعد الوصفي
هو ما يميز الكتاب عن كثير من الكتابات النقدية الجافة. إليك بعض اللوحات التي
رسمها بقلمه:
لوحة مدينة بند في أوريجن:
حيث يصف الثلج الذي كان يبقى أكثر من خمسة أشهر، والغابات الكثيفة، وجداول المياه
في كل مكان، وأماكن التزلج التي تملأها الأرجل والأيدي المكسورة بعد الشتاء. هذه
اللوحة الطبيعية تنقل القارئ إلى ذلك المكان البارد النائي، وتجعله يشعر بالبرد
القارس الذي عاشه المؤلف.
لوحة المنزل الأمريكي
المجهز بأحدث التقنيات: حيث يصف بعجب المكنسة
الكهربائية المركزية التي لا تحتاج إلى نقل، فقط يُربط الأنبوب في الحائط وتُدار
الكهرباء. ثم يضيف بسخرية لطيفة: "وهو أمر لم نصل إليه بعد"، في إشارة
إلى الفجوة التقنية بيننا وبينهم، لكن بنكتة خفيفة لا مرارة فيها.
لوحة جسر البوابة الذهبية
في سان فرانسيسكو: حيث يصف كيف أن السياح الأمريكيين
يمرون على الجسر سريعاً، يلتقطون صوراً، ثم يذهبون لتعبئة بطونهم، دون أن يستمتعوا
بالجمال الحقيقي للجسر والطبيعة المحيطة. يقول ساخراً: "كل ما فعلوه هو
التقاط صور فوتوغرافية لن يحملوا في مخيلاتهم الضيقة أي شيء. بينما المتعة
الحقيقية التي عشتها شخصياً هي المشي على الجسر من طرف إلى آخر". هذا الوصف
النقدي يُظهر سطحية السياحة الأمريكية، ويقارنها بتجربته الشخصية حيث استمتع
بالتفاصيل.
لوحة موكب المثليين في
سولت ليك سيتي: حيث يصف المشهد بواقعية صارخة:
الشبان بملابس النساء، والسكارى في المترو، والفتيات المتعانقات في الشوارع. يعلق
بألم وغضب: "تباً لك من حضارة ومدنية"، لكنه يستشهد فوراً بقوله تعالى: أَئِنَّكُمْ
لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ
الْمُنكَرَ ۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ
اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29)،
(سورة العنكبوت) وكأنه يريد أن يؤطر المشهد برؤية إيمانية تمنحه معنى، وتخرج
القارئ من حالة الصدمة إلى حالة التدبر.
هذه المشاهد الحية هي ما يجعل الكتاب
عملاً أدبياً، وليس مجرد تقرير سياسي أو اجتماعي. الوصف الحسي ينقل القارئ إلى
المكان، ويجعله شريكاً في التجربة، وليس مجرد متلقٍ سلبي للتحليل. وكأن المطبقاني
يقول لنا: تعالوا، انظروا معي، واشعروا بما شعرت به.
ثالثاً: المعايشة
الميدانية – من أريزونا إلى سان فرانسيسكو
في القسم الأول من الكتاب، وتحديداً في
الفصل الذي عنونه بـ"صور من حياتهم"، لا يكتفي المطبقاني بالنقد النظري
للمجتمع الأمريكي، بل يقدم شهادة ميدانية حية نادرة. فبدلاً من أن يظل في برجه
العاجي كطالب مبتعث، قرر أن يخوض مغامرة جريئة: السفر من مدينة فينكس بولاية
أريزونا إلى مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا بطريقة السفر بطلب التوصيل من
الغرباء، متبنياً مؤقتاً أسلوب حياة جماعة المنسلخين ثقافياً (الهيبيين) التي كانت
تمثل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي ثورةً مضادة للقيم الرأسمالية.
ما يفعله المؤلف هنا هو عمل بحثي ميداني
تطبيقي، حيث يغوص في بيئة "المرتزقة" من الشباب الهاربين من عائلاتهم.
يصف بألم وحس مرهف كيف وجد مأوى في منازل تغرق في القاذورات، وأجساد لا تعرف
الماء، وشباب يمارسون الجنس كالبهائم تحت تأثير المخدرات. في أحد المشاهد، يصف
ليلة قضاها مع مجموعة من الشباب في مدينة سانتا باربرا، ليكتشف في الصباح أنهم
يمارسون الفاحشة علناً، ليهرب منهم مذعوراً. لكن المفارقة التي يستخلصها المؤلف
هنا عبقرية: هذا الهروب من المادية، وهذا العيش في العراء، لم يكن إلا وجهاً آخر
للانحطاط الأخلاقي، فشباب الهيبيين كانوا يمارسون أشد أنواع الاستغلال المادي،
ويدمنون المخدرات التي تلتهم أرواحهم، بينما يرددون شعارات التحرر الزائف.
هذه التجربة لم تكن مجرد مغامرة، بل كانت
محطة تحول في حياة المؤلف. ففي تلك الرحلة، التقى بشاب خرج للتو من مستوصف لعلاج
الهيروين، ورأى بأم عينيه كيف أن الدولة التي تدّعي الرفاهية تترك أبناءها فريسة
للإدمان. لقد جعلته هذه التجربة يقرر، وهو لا يزال في قلب أمريكا، أن الحل الوحيد
هو العودة إلى الوطن والتمسك بجذوره الإسلامية، وقد كتب ذلك بعبارة صارخة:
"إن بذور الإيمان لم تزل في قلبي حية ترشدني إلى أن الضياع لا بد له من
نهاية، وأن الخروج من هذا البلد هو أقرب الحلول".
رابعاً: اقتصاد الوهم
وطرائف السوق الأمريكي
لا يقتصر نقد المطبقاني لأمريكا على
الجانب الأخلاقي أو الاجتماعي، بل يتعداه إلى تفكيك الاقتصاد الاستهلاكي الذي يراه
السبب الرئيسي لتعاسة الأمريكي رغم وفرة المال. في فصل "أمريكا تحتضر"،
يقدّم تحليلاً بارعاً لآليات السوق الأمريكي، مستشهداً بما أسماه "التنزيلات
الكاذبة" و"الدعاية الخادعة".
يشرح المؤلف، وكأنه اقتصادي مخضرم، كيف
أن صاحب متجر أثاث يدّعي كل عام أن حريقاً قد أصاب متجره ليبيع بضاعته الرخيصة،
وكيف أن بائعي السيارات يمارسون ألواناً من التضليل لا حصر لها. يعلق بسخرية:
"كم حريق أصابه في تلك السنة؟ وكم تصفية سنوية يجريها هذا المحل؟"،
وكأنه يفضح أكاذيب التسويق بنكتة خفيفة.
لكن الأعمق من ذلك هو تحليله لدور
الإعلان التجاري كسلاح نفسي. يستشهد بفيلسوف الاجتماع إريك فروم، الذي أكد أن
الدعاية ليست إلا أسلوباً "لابتزاز أموال المشاهد بإيهامه أن شراءه لسلعة ما
يحقق له جميع أحلامه في السعادة". ويضرب مثالاً بدعاية العطور، حيث تُصوّر
المشاهد وكأن استعمال عطر معين سيجعل الفتيات "يتهافتن عليه كما يتهافت
الذباب على العسل". هذه الصورة الساخرة تجعل القارئ يضحك وهو يدرك عمق الخداع.
الأمريكي، في نظر المطبقاني، يعيش في
حلقة مفرغة: إنه مدين طوال حياته، يدفع أقساطاً لسيارة لا يملكها، ومنزل يراهن
عليه البنك، وبطاقات ائتمان تعلّم عليه ثقافة العجز المالي. هذا "الانتعاش
الاقتصادي الزائف"، كما يصفه، مبني على استغلال الشعوب الأخرى، وليس على
إنتاج يعزز القيم الإنسانية.
خامساً: قصة النهوض من
الفشل – اللحظة الإنسانية الأكثر تأثيراً
يكمن سر قوة هذا الكتاب في أنه لا يكتفي
برمي الاتهامات نحو الغرب، بل يحوّل سهام النقد الحاد نحو الواقع العربي
والإسلامي. لكن اللحظة الإنسانية الأكثر تأثيراً هي قصة عودته إلى السعودية بعد
خمس سنوات من الابتعاث دون شهادة.
يتقدم المؤلف للعمل في الخطوط الجوية
السعودية، وعند الفحص الطبي يسأله فني الأشعة عن دراسته، فيجيب أنه درس في أمريكا.
فيرد عليه الفني بسخرية واحتقار: "الذين يفشلون في أمريكا، يأتون للعمل في
الخطوط السعودية". هذه الجملة الموجعة كانت صدمة التقييم الذاتي، وجعلته
يتساءل بمرارة: "هل كنت فعلاً فاشلاً؟".
لكنه لم يستسلم، بل حول هذه الصفعة إلى
منعطف، فعاد إلى الجامعة، وحصل على الماجستير والدكتوراه، وأصبح أستاذاً وباحثاً
مرموقاً. بل إنه يروي بفخر أن والده رحمه الله حضر مناقشة رسالة الماجستير قبل
وفاته، وكأنه أراد أن يبرئ نفسه أمام أعين أقرب الناس إليه.
هذه القصة هي قلب القيمة الحقيقية
للكتاب: إنه ليس عن أمريكا فقط، بل عن كيف تحوّل الفشل الظاهر إلى نجاح حقيقي.
فالرحلة إلى أمريكا، رغم عدم منحها شهادة، منحت المؤلف إتقان اللغة وفهم الثقافة
اللذين كانا أساس نهضته العلمية لاحقاً. إنها شهادة على أن قيمة الرحلة المعرفية
لا تُقاس بالشهادات وحدها، بل بما تتركه في النفس من أثر، وما تبنيه في العقل من
قدرة على الفهم والتحليل والنقد.
سادساً: ذاكرة التأسيس –
وثيقة أرامكو وهاري سنايدر كنموذج للعلاقة العميقة
من أكثر الأجزاء التي تمنح الكتاب عمقاً
تاريخياً، الملحق الذي ترجم فيه المؤلف السيرة الذاتية للخبير التربوي الأمريكي
هاري روسكو سنايدر، الذي عمل في شركة أرامكو في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
هذه الترجمة هي وثيقة تاريخية نادرة تُظهر أن العلاقة السعودية الأمريكية لم تكن
يوماً مقتصرة على النفط والأسلحة، بل كانت شراكة حضارية في بناء الإنسان، ساهم
خلالها سنايدر في بناء المدارس وابتعاث الطلاب ووضع أولى لبنات التعليم الفني في
المملكة.
يُظهر هذا الملحق أن المطبقاني، رغم نقده
اللاذع للحضارة الغربية، لا يغفل عن الاعتراف بالجميل التاريخي، وأن هناك وجهاً
مشرقاً للعلاقة مع الغرب، وجهاً بنّاءً استفادت منه المملكة في نهضتها الحديثة.
هذه الموضوعية في الطرح هي ما يميز الكتاب عن كثير من الكتابات المتطرفة التي ترفض
الغرب رفضاً مطلقاً، أو التي تعجب به إعجاباً أعمى.
سابعاً: المعضلة الأخلاقية
في زيارته الأخيرة لأمريكا عام 2008،
وتحديداً في مدينة سولت ليك سيتي، صُدم المؤلف بموكب سنوي للمثليين جنسياً ترعاه
شركات كبرى مثل أمريكان إكسبريس وهيلتون. يصل النقد هنا إلى ذروته، حيث يطرح
سؤالاً صاعقاً: بأي حق ينتقدوننا في قضايا المرأة والحجاب، بينما يسمحون لمثل هذه
الفوضى الأخلاقية أن تصبح ظاهرة علنية مدعومة من الحكومة والشركات؟
يستشهد في ذلك بناقدات غربيات مثل كاثلين
باركر، التي كتبت مقالاً ينادي بإنقاذ الرجولة في أمريكا، قائلة إن الحركة النسوية
المتطرفة جعلت الرجل "ملعوناً وتافهاً"، ودمرت مؤسسة الأسرة، وأوجدت
جيلاً من الأولاد بلا آباء. باستخدامه لمصادر غربية تنقد الغرب، يضرب المطبقاني
أعداءه بسلاحهم، مؤكداً أن هذا التناقض ليس وهمياً، بل هو جوهر الأزمة الحضارية
الغربية التي تفتقد إلى البوصلة الأخلاقية.
ثامناً: التأثير الثقافي،
المواجهة الاستشراقية، وهوليوود
يخصص المطبقاني فصولاً مهمة لتحليل
برنامج الزائر الدولي كأداة نفوذ ثقافي أمريكي، ويقر باستفادته منه، لكنه يوجّه
سهام النقد إلى تقاعسنا العربي عن إنتاج برامج مماثلة. وفي الرحلة الثانية، يخوض
معركته الفكرية الكبرى مع المستشرق برنارد لويس في برنستون عام 1988، موثقاً تناقضات
لويس المنهجية. وفي الرحلة الثالثة، يحلل صناعة السينما الأمريكية معتمداً على
ناقد غربي (ميدفيد)، داعياً إلى إنتاج سينما إسلامية بديلة تنافس هوليوود. وهنا
يبرز دور اللوبي الصهيوني في تشكيل هذه السياسات، حيث يرى المطبقاني أن العداء
للإسلام في أمريكا لا ينفصل عن النفوذ اليهودي في الإعلام والكونجرس.
تاسعاً: ملاحظة نقدية
بناءة
رغم ثراء الكتاب، تكشف القراءة المتأنية
عن ملاحظة تستحق الإشارة، لا لتقليل من قيمته، بل لإثراء النقاش حوله:
الإشكالية الوجودية غير
المحلولة: المطبقاني يرفض الحضارة الغربية روحاً،
لكنه مفتون بمؤسساتها المادية. ويمر على هذه الإشكالية دون حل فلسفي واضح. لكن
يمكننا اقتراح حل ضمني: فهو يدعو إلى "فصل التقنية عن الثقافة"، أي أخذ
المناهج والمؤسسات، وملؤها بروح إسلامية، دون الحاجة إلى تبني النموذج الغربي في
الحياة الشخصية.
عاشراً: التوصيات العملية
بين الطموح الواقعي وعوائق التطبيق
أهم ما يقدمه الكتاب، إلى جانب التحليل،
هو مجموعة من التوصيات العملية:
.1 إنشاء
معهد وطني للدراسات الأمريكية، على غرار ما تفعله الصين وأوروبا.
.2 استغلال
مواسم الحج والعمرة والمؤتمرات لبرامج "زائر دولي" سعودية.
.3 إنتاج
سينما ودراما إسلامية بديلة تنافس هوليوود.
.4 إصلاح
منظومة التقويم الجامعي بإنشاء هيئات مستقلة غير حكومية.
لكن، وهنا يكمن النقد الذاتي للتوصيات:
هذه الدعوات، التي يكررها المطبقاني منذ الثمانينيات، تظل حبراً على ورق طالما أن
البيروقراطية العربية، والفساد الإداري، وانعدام الرؤية الاستراتيجية، هي العقبات
الحقيقية. فالكتاب يقدّم تشخيصاً دقيقاً، لكنه يترك للمؤسسات العربية مهمة تطبيق
الحلول، وهو أمر ما زال بعيد المنال في غياب الإرادة السياسية والإدارية
الحادية عشرة: لمن يكتب
المطبقاني هذا الكتاب؟
للكتاب ثلاثة جماهير رئيسية، ولكل منهم
رسالة مختلفة:
· الشباب المبتعث: "أمريكا ليست
جنة، ولا جحيم، بل هي تجربة معقدة، فكونوا واعين، ولا تفقدوا هويتكم. قيمتكم ليست
في شهادتكم فقط، بل في ما تتعلمونه عن أنفسكم وعن الآخرين".
· صنّاع القرار والباحثون:
"أنشئوا معاهد لدراسة الغرب، وأصلحوا جامعاتكم، واستثمروا في القوة الناعمة.
الغرب يدرسنا منذ قرنين، فمتى نبدأ في دراسته بجدية؟".
· الأجيال القادمة من المؤرخين والمفكرين:
"هذه شهادتي على عصر التحول الكبير، فاستفيدوا منها لتكتبوا تاريخكم بأنفسكم،
ولا تتركوه للغرب يكتبه عنكم".
الثانية عشرة: هل تحققت
نبوءة المُطّبقاني بعد 17 عاماً؟
آخر رحلة موثقة في الكتاب كانت عام 2008.
مضى عليها الآن 17 عاماً. هل ما كتبه المؤلف ما زال صحيحاً اليوم؟ الإجابة هي نعم،
وبقوة أكبر.
· تفكك
الأسرة الذي وصفه تضاعف، وأصبحت ظاهرة "الأسر بلا آباء" أزمة وطنية.
· الأزمة
الاقتصادية والديون التي تنبأ بها تجسدت في أزمات 2008 و2020.
· الاستقطاب
السياسي والعنصرية ازدادت حدّة مع أحداث مقتل جورج فلويد واقتحام الكابيتول.
· أمريكا
التي كانت "القوة العظمى الوحيدة" بدأت تتراجع أمام صعود الصين، وهو ما
أشار إليه بقوله تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين الناس}.
هذه النبوءات تثبت أن المطبقاني لم يكن
ناقداً عاطفياً، بل كان مفكراً استشرافياً رأى مكامن الضعف في أعتى إمبراطورية قبل
أن تظهر على السطح.
الخاتمة:
الحلم الذي أصبح وعياً، والمحطة التي ستصبح منطلقاً
"أمريكا
الحلم الذي كان" هو واحد من أنضج الكتب التي تناولت العلاقة العربية
الإسلامية مع الغرب. إنه نموذج للباحث المسلم الذي يسافر ليتعلم، فيكتوي بالتجربة،
ثم يعود لينقد بعين محايدة ونافذة، ويعترف بفضل من أحسن، وينتقد من أساء، وينظر في
عيوب نفسه قبل أن ينتقد عيوب الآخرين.
الكتاب هو مرآة للذات العربية، يكشف عيوب
بيروقراطياتنا وضعف مؤسساتنا. وهو أيضاً مرآة للذات الغربية، يكشف تناقضاتها
الأخلاقية وسقوطها في مادية خواء. وهو أخيراً مرآة لوعي متنامٍ، يسجل مسار تحول
رجل من الانبهار إلى النقد، ومن النقد إلى الحكمة، ومن الحكمة إلى التوثيق
التاريخي، ومن التوثيق إلى السخرية الأليمة التي تجعل القارئ يبتسم وهو يتألم.
أما الملاحظة النقدية التي أشرنا إليها - فهي لا تنقص من قيمة الكتاب، بل هي
دعوة لقراءة أكثر تعمقاً، وتذكير بأن أي عمل إنساني، مهما بلغت قوته، يظل قابلاً
للنقاش والتطوير. المطبقاني، بجرأته وصدقه وروحه الساخرة، قد فتح الباب واسعاً
لهذا النقاش، وهذا هو أعظم ما يقدمه مفكر لأمته.
لقد كتب رواية وعي جيل كامل، وترك لنا
تساؤلاته المفتوحة: متى نبدأ نحن في دراسة الغرب كما يدرسنا؟ متى نصنع مؤسساتنا
كما صنعوا مؤسساتهم؟ متى ننتج روايتنا عن العالم، بدلاً من أن نكون مجرد مستقبلين
لروايات الآخرين؟
إنه، في النهاية، كتاب عن الرحلة من
الظلمات إلى النور، حيث كان الطريق وعراً، والنتيجة حكمة بالغة. لم يعد المؤلف
يحلم بأمريكا، بل صار يمتلك وعياً بها، وهذا الوعي هو ما يحتاجه العالم العربي
اليوم: أن يحول حلم الأمس إلى معرفة راسخة، وأن يبني من ركام التجارب المريرة
جسراً نحو نهضة حقيقية، لا تستورد الحلول الجاهزة، ولا ترفض الآخر رفضاً مطلقاً،
بل تتفاعل معه من موقع القوة والثقة، لا الضعف والانبهار.
وهكذا، يكون الحلم الذي كان، قد تحول إلى
يقظةٍ دائمة، ورؤيةٍ تستشرف المستقبل بعين البصيرة، لا بعين الدهشة أو الخوف.
ويكون الراكب الذي استظل تحت شجرة أمريكا، قد رحل عنها، لكنه حمل معه ظلها في
قلبه، وفي كتابه، ليظل شاهداً على عصر، ومعلماً لأجيال.
كلمة شكر وتقدير
في ختام هذه القراءة، لا يسعني إلا أن
أتقدّم بخالص الشكر والعرفان إلى الأستاذ الدكتور مازن المطبقاني، الذي تفضّل -
كريماً- بإرسال نسخة من كتابه القيّم "أمريكا الحلم الذي كان" إليّ، مما
مكنني من الغوص في تجربته الثرية، والاستفادة من تحليلاته العميقة، والشهادة على
صدق مشاهداته وحرارة انطباعاته.
هذه اللفتة الكريمة لم تكن مجرد هدية
علمية، بل كانت دعوة مفتوحة للحوار والنقد البناء، وهو ما حاولت تقديمه في هذه
القراءة، ساعياً إلى إنصاف النص من جهة، وتجاوز حدوده نحو آفاق أرحب من الفهم
والتأويل من جهة أخرى.
فجزاه الله خير الجزاء على ما بذله من
جهد في توثيق رحلته، وتقديم شهادته لأمته، وجعل علمه في ميزان حسناته، ونفع به
الأجيال القادمة. فهو لم يكتفِ بأن يكون "راكباً استظل تحت شجرة ثم راح
وتركها"، بل ترك لنا من ظله ما نستظل به في رحلتنا الطويلة نحو فهم الذات
والآخر.
شكراً لك يا دكتور، على هذه الرحلة التي
جعلتنا نرى أمريكا بعينيك، ونفكر بعقلك، ونحلم بحلمك الذي تحول إلى وعي.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .
تعليقات
إرسال تعليق