التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شوقي أبو خليل ومازن المطبقاني في مواجهة الرواية الاستشراقية: مؤرِّق ومفكِّك قراءة مقارنة في أطروحتي الدكتوراه بقلم الدكتور محمد سعيد أركي

 

 

شوقي أبو خليل ومازن المطبقاني في مواجهة الرواية الاستشراقية: مؤرِّق ومفكِّك

قراءة مقارنة في أطروحتي الدكتوراه

تمهيد:

في سياق المواجهة الفكرية مع الاستشراق، تتنوع المداخل بقدر تنوع أشكال الخطاب المستهدف. فبينما يواجه الباحث خطاباً غربياً معادياً للإسلام، قد يختار أن يُفكّك آليات هذا الخطاب ذاته، أو قد يختار أن يُفكّك إحدى ثماره الفكرية التي نبتت في التربة العربية نفسها. هذا الفرق الجوهري هو ما يميز مشروعي الدكتور شوقي أبو خليل رحمه الله والدكتور مازن المطبقاني حفظه الله في أطروحتهما للدكتوراه.

فالمطبقاني، كما سنرى، اتجه غرباً إلى برنستون ليُحاور برنارد لويس، أحد أخطر المستشرقين المعاصرين، وليُفكّك خطابه من جذوره. أما أبو خليل، فاتجه شرقاً - أو إلى الذات العربية - ليُحاسب بندلي الجوزي، المفكر الفلسطيني الذي تأثر بالمنهج الماركسي في قراءة التاريخ الإسلامي، وكتب عن "تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام" برؤية مادية اختزالية.

هذه المقارنة ليست مجرد سرد لاختلاف الموضوعات، بل هي محاولة لفهم كيف توزّع الجهد النقدي العربي بين نقد الخطاب الغربي من جهة، ونقد آثاره في الفكر العربي من جهة أخرى، وكيف يكمل كل منهج الآخر في معركة واحدة هي معركة تحرير التاريخ الإسلامي من التشويه.

تعريف بالأطروحتين:

أطروحة الدكتور شوقي أبو خليل - رحمه الله - التي نناقشها هنا، صدرت لاحقاً في كتاب مستقل بعنوان: "بندلي الجوزي: عصره، حياته، وآثاره"، ضمن سلسلة "في الميزان" التي كان يهدف من خلالها إلى تقديم قراءات نقدية متوازنة لشخصيات فكرية مثيرة للجدل.

أما أطروحة الدكتور مازن المطبقاني، فقد صدرت بعنوان: "الاستشراق والاتجاهات الفكرية في التاريخ الإسلامي"، وهي أول دراسة أكاديمية شاملة عن المستشرق برنارد لويس باللغة العربية.

تنبيه: حدود المقارنة (أطروحتا الدكتوراه لا غير)

ينبغي التأكيد بداية على أن هذه المقارنة محصورة في نطاق ضيق ودقيق، هو الأطروحتان الأكاديميتان التي نُوقشتا لنيل درجة الدكتوراه، ولا تمتد إلى مجمل الإنتاج الفكري للرجلين. فأبو خليل، صاحب الموسوعات التاريخية الضخمة كـ"أطلس السيرة النبوية" و"أطلس التاريخ الإسلامي"، له مؤلفات عديدة تجاوزت الأطروحة في حجمها وتأثيرها. وكذلك المطبقاني، له مؤلفات ومقالات وأبحاث أخرى في نقد الاستشراق توسعت في المنهج والموضوع. لكن بوصلتنا هنا تتجه نحو نصهما المؤسس الأكاديمي الأول؛ لأن الأطروحة تمثل الباحث في حالة انضباطه المنهجي الأكبر، وتكشف عن استراتيجيته الأساسية في مواجهة الخصم.

أولاً: صاحبا المشروعين – بين التاريخ والاستشراق

 

شوقي محمد أبو خليل (1941-2010)

مؤرخ فلسطيني-سوري، وُلد في مدينة بيسان بفلسطين عام 1941، وخرج مع أسرته إثر النكبة إلى دمشق. تخرج في جامعة دمشق، كلية الآداب - قسم التاريخ عام 1965. نال درجة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي عام 1990 من أكاديمية العلوم في جمهورية أذربيجان. تميز بإنتاجه الغزير في كتابة التاريخ الإسلامي بأسلوب توثيقي بصري، حيث ابتكر فكرة "الأطلس" في السيرة والتاريخ والحديث. كان مشروعه الأساسي تقديم رواية إسلامية موثقة للتاريخ، ترد على الشبهات الاستشراقية وتقدّم البديل الصحيح. وقد بدأ رحلته العلمية مبكراً بنشر كتابه "الإسلام في قفص الاتهام" عام 1968، حيث أعلن حربه على المستشرقين.

مازن صلاح المطبقاني

أكاديمي سعودي جمع بين الدراسة الأكاديمية والخبرة الصحفية والعمل الميداني. درس التاريخ في جامعة الملك عبد العزيز، ثم التحق بقسم الاستشراق بالمعهد العالي للدعوة (كلية الدعوة حالياً) لنيل درجة الدكتوراه. عمل صحفياً في صحيفة المدينة المنورة، مما صقل قدرته على التعبير والتحليل. أسس مركز المدينة المنورة لدراسات وبحوث الاستشراق، وهو موقع إلكتروني متخصص أصبح مرجعاً للباحثين. تميز بتعدد لغاته (العربية، الإنجليزية، الفرنسية)، مما أتاح له الاطلاع المباشر على مصادر الاستشراق بلغاتها الأصلية.

 

ثانياً: المشروعان – الهدف والموضوع

مشروع أبو خليل: نقد المفكر العربي المتأثر بالاستشراق

كان موضوع أطروحة أبو خليل هو شخصية بندلي الجوزي (1871-1942)، المفكر الفلسطيني المسيحي الذي عُرف كمستشرق روسي من أصول فلسطينية، وباحث لغوي وعلم من أعلام الاستشراق واللغات السامية. وقد حصل الجوزي سنة 1921 على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي واللغة العربية، واشتهر بكتابه "من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام" الذي قدّم فيه قراءة مادية-ماركسية للتاريخ الإسلامي.

يهدف أبو خليل من خلال أطروحته إلى وضع بندلي الجوزي "في الميزان"، أي تقديم قراءة نقدية متوازنة لشخصيته الفكرية، تُبرز ما له وما عليه. فهو يعترف للجوزي بثقافته الواسعة، وشخصيته المطلعة، وأمانته في الإحالة إلى المصادر، ودقته في النقل، ودفاعه عن أمته العربية، وحنينه إلى وطنه. لكنه في المقابل ينقده بشدة لتفسيره التاريخ الإسلامي تفسيراً مادياً ماركسياً، ولجوئه إلى "التمريض والتضعيف في مواطن كثيرة، مع الدعوى بلا دليل، والجزم في أمور لم يثبت، وتفسيره لبعض الآيات الكريمة بالمعنى الذي يراه".

محاور الأطروحة الرئيسية:

.1 عصر الجوزي: الظروف السياسية والاجتماعية لفلسطين وبلاد الشام في القرنين التاسع عشر والعشرين، بما في ذلك حملة نابليون، حملة إبراهيم باشا، الحرب السورية، ومعاهدة لندن الأولى.

.2 حياة الجوزي: نشأته في القدس عام 1886 في عائلة مسيحية أرثوذكسية، تنقلاته التعليمية من القدس إلى روسيا وأذربيجان، تأثره بالفكر الماركسي والاجتماعي.

.3 آثاره الفكرية: تحليل كتابه "تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام"، ومنهجه في تفسير الأحداث الدينية والتاريخية في إطار اقتصادي واجتماعي، ومواقفه من الفرق الإسلامية والقومية العربية.

.4نقد المنهج: كشف الأخطاء المنهجية في استخدام المصادر، واعتماده على مصادر متحيزة ضد الإسلام صادرة عن مستشرقين غربيين أو مؤرخين ذوي مواقف أيديولوجية معادية.

 

مشروع المطبقاني: نقد المستشرق الغربي مباشرة

أما مشروع المطبقاني، فهو مختلف تماماً في هدفه. فهو لا ينقد مفكراً عربياً تأثر بالاستشراق، بل ينقد أحد أبرز المستشرقين الغربيين أنفسهم: برنارد لويس. والكتاب الذي نتحدث عنه هو أول دراسة أكاديمية شاملة عن لويس باللغة العربية.

محاور الدراسة الرئيسية:

.1 موقف لويس من القرآن الكريم والحديث النبوي، وكيف تعامل معها بتشكيك منهجي مكرراً شبهات المستشرقين السابقين.

.2 موقف لويس من التاريخ الإسلامي والحضارة، من السيرة النبوية إلى الخلافة العثمانية والقضية الفلسطينية.

.3رؤية لويس للمذاهب الفكرية المعاصرة، كالقومية والشيوعية والحركات الإسلامية.

 

ثالثاً: السياقان ودلالة الفجوة الزمنية والجغرافية

سياق أبو خليل: أكاديمية العلوم في أذربيجان (1990)

نال أبو خليل درجة الدكتوراه من أكاديمية العلوم في جمهورية أذربيجان عام 1990، وقد قدمت أطروحته وعُممت تحت عنوان: "تاريخ الإسلام والمقاطعات الشرقية للخلافة الإسلامية في مؤلفات بندلي الجوزي". وهذا السياق له دلالته: فبندلي الجوزي نفسه كان قد عاش وتأثر في روسيا وأذربيجان، حيث تعرّف على الفكر الماركسي. فكأن أبو خليل يذهب إلى موطن التأثير الفكري للجوزي ليُحاسبه هناك، في سابقة أكاديمية لافتة.

واللافت أيضاً أن الأطروحة نوقشت في العام الأخير من عمر الاتحاد السوفيتي، أي في لحظة كان فيها الخطاب الماركسي يلفظ أنفاسه الأخيرة، مما يضفي على الأطروحة دلالة رمزية: وكأن أبو خليل كان يودّع العصر الماركسي بنقده لأحد أبرز أبنائه الفكريين في العالم العربي.

النسخة العربية من الكتاب صدرت عام 1993 عن دار الفكر المعاصر، وهي نسخة "معدلة عن الأطروحة كما قدمت لتتناسب مع سلسلة في الميزان".

سياق المطبقاني: الرياض وبرينستون (أواخر التسعينيات)

أما سياق المطبقاني، فهو مختلف تماماً. فدراسته صدرت في وقت كانت فيه الجامعات السعودية تشهد نهضة أكاديمية، وبدأت تفتح أبوابها لدراسات نقدية جادة في مجال الاستشراق. لكن الأكثر تميزاً هو أن المطبقاني لم يكتفِ بقراءة مؤلفات لويس، بل سافر إلى برنستون وقابله شخصياً، وسجّل حواره، ونشر رسائله المتبادلة معه. هذه الوثائق جعلت من دراسته أكثر من مجرد عمل أكاديمي؛ إنها وثيقة تاريخية تسجل لحظة حوار بين باحث مسلم وأحد أبرز المستشرقين في العصر الحديث.

دلالات الفجوة الزمنية والجغرافية: من المواجهة السوفيتية إلى المواجهة الأمريكية

إن الفارق ليس فقط في المكان (أذربيجان مقابل أمريكا)، بل في طبيعة الخصم ونوع المواجهة. ففي زمن أبو خليل (1990)، كان التحدي الأبرز هو الاجتياح الماركسي للتاريخ الإسلامي، حيث كان الاتحاد السوفيتي - ولا يزال في عامه الأخير - يقدّم قراءة مادية للدين تهدف إلى نزع قداسته، وتأثر بذلك مفكرون عرب مثل الجوزي. لذلك، كانت أطروحة أبي خليل معركة ضد تأثير الشرق الشيوعي على الفكر العربي.

أما في زمن المطبقاني (أواخر التسعينيات)، فكان التحدي الأكبر هو الهيمنة الأكاديمية والسياسية الأمريكية، ممثلة في شخصية برنارد لويس الذي كان مستشاراً للكونجرس وصانعاً للصورة الذهنية عن الإسلام في الغرب. لذلك، كانت أطروحة المطبقاني معركة ضد الخطاب الاستشراقي الأنجلو-أمريكي.

هذا التحول من الشرق الماركسي إلى الغرب المحافظ في مصادر تهديد الهوية الإسلامية، يعكس تحولاً جيوسياسياً عميقاً في العقود الأخيرة، ويُظهر كيف أن الباحث المسلم كان يضبط بوصلته وفقاً لمصدر الخطر الأكثر إلحاحاً في زمانه.

 

رابعاً: نقاط التقاطع – ما يجمع المشروعين

رغم الاختلاف في الموضوع والاتجاه، يمكن رصد عدة نقاط تقاطع جوهرية:

.1نقد الاعتماد على المصادر المغلوطة:

كل من أبو خليل والمطبقاني يركزان على أزمة المصادر في الخطاب الذي ينقدانه. ففي أطروحة أبو خليل، يبيّن كيف اعتمد الجوزي على مصادر متحيزة ضد الإسلام صادرة عن مستشرقين غربيين، مما انعكس في تشويه بعض الوقائع أو تبني سرديات مغلوطة. وفي أطروحة المطبقاني، يكشف كيف يستخدم لويس المصادر بشكل انتقائي، ويتجاهل المصادر الإسلامية الأصلية، ويفضّل المصادر الغربية المشكوك فيها.

.2 الإنصاف قبل النقد:

تميز كلا المشروعين بالإنصاف في التعامل مع الخصم. ففي أطروحة أبو خليل، يعترف للجوزي بثقافته الواسعة، وشخصيته المطلعة، وأمانته في الإحالة إلى المصادر، ودقته في النقل، ودفاعه عن أمته العربية. وكذلك المطبقاني، الذي اعترف بفضل لويس العلمي وغزارة إنتاجه وأسلوبه الأدبي الجذاب، قبل أن ينقد مناهجه ويكشف انحيازاته.

.3كشف الخلفيات الأيديولوجية:

كلا المشروعين لا يكتفي بالنقد الشكلي، بل يسعى إلى كشف الخلفيات الأيديولوجية للخطاب المدروس. ففي أطروحة أبو خليل، يكشف كيف أن تفسير الجوزي المادي-الماركسي للتاريخ الإسلامي لم يكن مجرد منهج أكاديمي، بل كان رؤية أيديولوجية اختزالية. وفي أطروحة المطبقاني، يكشف كيف أن خطاب لويس ليس علماً محايداً بل سياسة وأيديولوجيا تخدم المشروع الصهيوني.

.4 الجمع بين التوثيق والنقد:

كلا الأطروحتين تجمع بين الجهد التوثيقي والجهد النقدي. ففي أطروحة أبو خليل، هناك توثيق دقيق لحياة الجوزي وعصره وآثاره، إلى جانب النقد المنهجي. وفي أطروحة المطبقاني، هناك توثيق دقيق لمؤلفات لويس ومنهجه وتأثيره السياسي، إلى جانب النقد التفكيكي.

 

خامساً: نقاط الاختلاف – ما يميز كل مشروع

.1اتجاه المواجهة: نحو الداخل يقابله نحو الخارج

أبو خليل يتجه إلى الداخل العربي لينقد مفكراً عربياً تأثر بالاستشراق، ويُحاسبه على قراءته الماركسية للتاريخ الإسلامي. أما المطبقاني فيتجه إلى الخارج الغربي لينقد مستشرقاً غربياً مباشرة، ويُفكّك خطابه من جذوره.

.2 طبيعة الخصم: المفكر المتأثر يقابله المستشرق المؤثر

خصم أبو خليل (الجوزي) هو ضحية للاستشراق بمعنى ما، فهو مفكر عربي تأثر بالمنهج المادي الغربي وطبّقه على التاريخ الإسلامي عن حسن نية أو عن قلة وعي بتحيزاته. أما خصم المطبقاني (لويس) فهو صانع للاستشراق، أي أحد أبرز من شكّلوا الصورة الذهنية عن الإسلام في الغرب.

.3 الهدف: التصحيح يقابل التفكيك

هدف أبو خليل هو تصحيح صورة التاريخ الإسلامي التي شوّهها الجوزي، وتقديم البديل الصحيح. أما هدف المطبقاني فهو تفكيك آليات الخطاب الاستشراقي نفسه، وكشف كيف يعمل في سياق سياسي وأكاديمي محدد.

.4المنهج: التاريخي التوثيقي يقابله التحليلي التفكيكي

منهج أبو خليل هو منهج تاريخي توثيقي: يعتمد على تتبع حياة الجوزي وعصره ومؤلفاته، ثم نقدها نقداً تاريخياً. أما منهج المطبقاني فهو منهج تحليلي تفكيكي: يمزج بين المنهج التاريخي والنقدي والتحليلي والمقارن، مع لقاء مباشر ووثائق فريدة.

.5 الأدوات: المصادر العربية يقابله المصادر المتعددة اللغات

أبو خليل يعتمد بشكل أساسي على المصادر العربية (مؤلفات الجوزي، كتب التاريخ الإسلامي). أما المطبقاني فيعتمد على مصادر متعددة اللغات (مؤلفات لويس بالإنجليزية والفرنسية والألمانية، بالإضافة إلى المصادر العربية)، مما يعكس تعدد لغاته وسعة اطلاعه.

.6 طبيعة الخصم: الضحية المؤثَّر فيها مقابل الجاني المؤثِّر

بندلي الجوزي، الذي ينقده أبو خليل، هو مفكر عربي مسيحي، عاش في فلسطين وروسيا، وتأثر بالفكر الماركسي. إنه ليس عدواً للإسلام، بل هو ضحية للاستشراق بمعنى ما؛ لأنه استورد منهجاً غربياً وطبّقه على التاريخ الإسلامي عن حسن نية أو عن قلة وعي بتحيزاته. لذلك، كان نقد أبي خليل له نقداً تصحيحياً، يخاطبه من موقع "أخ مخطئ" يحتاج إلى توجيه، وليس من موقع "عدو" يحتاج إلى تفنيد. وهذا ما يفسّر النبرة الهادئة نسبياً في أطروحة أبي خليل، واستخدامه لعنوان "في الميزان" الذي يوحي بالموازنة والإنصاف.

أما برنارد لويس، الذي ينقده المطبقاني، فهو مستشرق يهودي بريطاني-أمريكي، مستشار للكونجرس، وصانع لسياسات معادية للإسلام. إنه جاني ورئيسي في تشويه صورة الإسلام، وليس ضحية. لذلك، كان نقد المطبقاني له نقداً تفكيكياً، يكشف آلياته وأيديولوجياته، ويخاطبه من موقع "المُحقق مع المتهم". وهذا ما يفسّر النبرة الحادة نسبياً في بعض فصول الكتاب، واستخدامه للقاء المباشر كأداة استجواب أكثر منه حواراً ندياً.

هذه الفروق في طبيعة الخصم هي التي تبرر اختلاف المنهجين، وتُظهر أن أبا خليل والمطبقاني لم يكونا يدرسان الموضوع نفسه، بل كانا يخوضان معركتين مختلفتين في جبهتين مختلفتين، لكنهما متكاملتان في الهدف النهائي: تحرير التاريخ الإسلامي من التشويه.

 

.7الخلفية العقدية للخصم وأثرها في شكل المواجهة:

مما يُعزز فهم اختلاف المنهجين، النظر إلى الخلفية الدينية للخصمين. فبندلي الجوزي كان مسيحياً فلسطينياً، ينتمي إلى ثقافة عربية إسلامية في محيطها، وإن اختلفت معتقده. وهذا ما جعل نقد أبو خليل له يحمل نبرة "الأخوة في الوطن والثقافة"، حيث يخاطبه من موقع المُصلح لا المُفنّد، ويعترف له بحنينه لوطنه ودفاعه عن أمته العربية. الخلاف هنا كان منهجياً وأيديولوجياً (ماركسية مقابل إسلامية)، لكنه لم يكن عدائياً.

أما برنارد لويس، فهو يهودي بريطاني-أمريكي، ينتمي إلى ثقافة غربية صهيونية، وكان مستشاراً سياسياً معروفاً بعدائه للإسلام. لذلك، كان نقد المطبقاني له يحمل نبرة "المواجهة مع الخصم الأيديولوجي"، حيث يكشف عن تورطه السياسي المباشر في تشويه صورة الإسلام. وهذا ما يفسّر لجوء المطبقاني إلى أدوات تفكيكية أكثر حدّة، واستخدامه لمصطلحات مثل "التحيز الصهيوني" التي لم تظهر في نقد أبي خليل.

هذه المقارنة تُظهر أن هوية الخصم ومنطلقاته العقدية تؤثر في اختيار أدوات النقد، بل وفي درجة الحدة التي يمارس بها الباحث نقده.

 

سادساً: كيف يختلف المنهجان في معالجة قضية واحدة؟

لنأخذ قضية "اعتماد المصادر المغلوطة" التي تهم كلا المشروعين.

في أطروحة أبو خليل، يواجه هذه القضية من خلال تتبّع أخطاء الجوزي في استخدام المصادر. فهو يبيّن أن الجوزي اعتمد على مستشرقين غربيين متحيزين، مما أدى إلى تشويه بعض الوقائع. لكن أبو خليل يكتفي غالباً بـ كشف الخطأ وتقديم الصواب من المصادر الإسلامية، دون أن يحلل لماذا اختار الجوزي هذه المصادر تحديداً، وما هي الخلفيات الأيديولوجية التي قادته إلى ذلك.

في أطروحة المطبقاني، يواجه قضية مماثلة لكن بمنهج مختلف. فهو لا يكتفي بكشف أن لويس اعتمد على مصادر مغلوطة، بل يسأل: لماذا يصر لويس على هذه المصادر؟ ما هي الفائدة السياسية لهذا الاختيار؟ هل يأتي في سياق أوسع لتكريس فكرة أن الإسلام ليس ديناً مستقلاً بل "نسخة مشوهة" مما سبقه؟ إنه لا يكتفي بتصحيح الخطأ، بل يُفكّك آلية إنتاج الخطأ نفسها.

الفرق شاسع: الأول (أبو خليل) يصحح الرواية من الداخل، والثاني (المطبقاني) يفكّك آليات تشكيل الرواية من الخارج.

 

سابعاً: العلاقة مع السياق النقدي الأوسع

يمكن القول إن أطروحة أبو خليل تنتمي إلى المرحلة الدفاعية-التصحيحية في مواجهة الاستشراق، حيث كان الهم الأكبر هو تقديم الرواية الإسلامية الصحيحة للتاريخ، وتفنيد الأخطاء التي وقع فيها المفكرون العرب المتأثرون بالغرب. هذه المرحلة تمثل امتداداً لمشروع النهضة الإسلامية .

أما أطروحة المطبقاني، فتنتمي إلى المرحلة التفكيكية التي تأثرت بنظريات ما بعد الاستعمار ونقد إدوارد سعيد، حيث أصبح الهم الأكبر هو كشف آليات الخطاب الاستشراقي نفسه، وبيان ارتباطه بالمشاريع السياسية والاستعمارية.

لكن الأهم من هذا التصنيف، هو أن كلا المشروعين يكمل الآخر. فبدون الجهد التصحيحي الذي يقدمه أبو خليل، كان التفكيك المطبقاني ليصبح خطاباً يفتقر إلى العمق المعرفي في تفاصيل التاريخ الإسلامي. وبدون التفكيك المطبقاني، كانت التصحيحات الأبوخليلية لتظل حبيسة الإطار الدفاعي الضيق دون أن تنفتح على الأبعاد السياسية والأيديولوجية للخطاب الاستشراقي.

 

خلاصة المقارنة:

تقدم لنا هاتان الأطروحتان نموذجين متكاملين في مواجهة الاستشراق. ففي أطروحة أبي خليل، نرى كيف يمكن للباحث أن يتجه إلى الداخل العربي لينقد المفكرين الذين تأثروا بالمنهج الغربي، ويُصحح ما وقعوا فيه من أخطاء في قراءة التاريخ الإسلامي. وفي أطروحة المطبقاني، نرى كيف يمكن للباحث أن يتجه إلى الخارج الغربي ليفكّك خطاب المستشرقين أنفسهم، ويكشف آلياته وخلفياته السياسية.

يبقى السؤال الذي تطرحه هذه المقارنة على الباحث المعاصر: هل نحن في حاجة إلى تصحيحيات أبو خليل أم تفكيكيات المطبقاني؟ الحقيقة أن كلتيهما مطلوبة. يُحتاج إلى تصحيحيات أبو خليل عندما نتعامل مع مفكرين عرب وقعوا في أخطاء منهجية، فنقدم لهم الرواية الصحيحة من مصادرنا الأصلية. ويُحتاج إلى تفكيكيات المطبقاني عندما نواجه خطاباً استشراقياً معادياً يتخفى في ثوب الموضوعية، فنكشف أيديولوجياته وآليات تشغيله.

 

توصيات للباحثين

انطلاقاً من دروس هاتين الأطروحتين، يمكن اقتراح ثلاث خطوات عملية لمن يريد دراسة شخصية أو قضية في سياق الاستشراق:

أولاً: تشخيص نوع الخصم. قبل البدء، يجب على الباحث أن يُحدد بدقة: هل خصمه مستشرق غربي يكتب عن الإسلام من موقع الهيمنة (مثل لويس)؟ أم مفكر عربي تأثر بمناهج غربية (مثل الجوزي)؟ أم خطاب إعلامي غربي معاصر؟ كل نوع يستدعي منهجاً مختلفاً: تفكيكاً للخطاب، أو تصحيحاً للرواية، أو رصداً للتحيزات.

ثانياً: تحديد اتجاه المواجهة. هل المواجهة تتجه نحو الخارج (نقد الغرب) أم نحو الداخل (نقد الذات)؟ أبو خليل اختار الداخل، والمطبقاني اختار الخارج. الباحث الناجح هو من يستطيع الجمع بينهما، بأن يبدأ بتصحيح المفاهيم في الداخل، ثم يتجه بمنهجية رصينة إلى نقد الخارج.

ثالثاً: تنويع أدوات البحث. لا يكفي الرجوع إلى المصادر العربية ولا إلى المصادر الغربية وحدها. أبو خليل اعتمد على العربية بشكل أساسي، والمطبقاني اعتمد على التعدد اللغوي. الباحث المعاصر مطالب بأن يكون ثنائي اللغة على الأقل، وأن يستفيد من مناهج الغرب دون أن ينبهر بها.

هذه التوصيات ليست نظرية، بل هي خلاصة تجارب من سبقونا، وضعوها بين أيدينا في أطروحاتهم، وتركوا لنا مهمة تطويرها وتطبيقها في سياقات جديدة.

 من دراسة الشخصيات إلى دراسة الخطاب الظاهر

بعد قراءة هاتين الأطروحتين، يبرز سؤال بحثي كبير للجيل القادم: لماذا ندرس شخصيات مثل الجوزي ولويس اليوم، بعد أن مضى على معظمها عقود؟

الجواب ليس فقط لأجل التوثيق التاريخي، بل لأن أفكار الجوزي الماركسية لم تختفِ، بل تحولت إلى خطابات إعلامية وسياسية جديدة تُقرأ بها الأحداث الدينية. وكذلك خطاب لويس لم يمت بموته، بل انتقل إلى الأكاديميا الغربية والإعلام والسينما.

لذا، فإن الأطروحات القادمة مطالبة بألا تقف عند شخصيات بعينها، بل أن تنتقل إلى تحليل الخطابات الظاهرة والمعاصرة التي تحمل ذات الأفكار (كخطاب "الإسلام السياسي" في الإعلام الغربي، أو قراءة التاريخ الإسلامي في المناهج الدراسية العربية التي تأثرت بمناهج غربية). هذه هي المرحلة الثالثة التي يُمكن أن تبني على ما أسسه أبو خليل والمطبقاني: نقد الخطاب الاستشراقي في لحظته الراهنة، وليس فقط في كتب التاريخ.

ويبقى السؤال الذي يطرحه كل من المشروعين على الباحثين العرب والمسلمين: هل نحن مستعدون لأن ننظر إلى تراثنا بجرأة أبو خليل والمطبقاني، وننظر إلى خصومنا بإنصافهما، ونكتب عن قضايانا بصدقهما؟ الجواب بين دفتي أطروحة أبو خليل عن بندلي الجوزي وكتاب المطبقاني عن برنارد لويس، وهما دعوة مفتوحة لكل باحث يسعى إلى فهم الآخر من موقع الوعي لا الانبهار، والنقد البناء لا الهدم الأعمى.

وهكذا يبقى هذان المشروعان – كل في موقعه وسياقه – علامتين فارقتين في مسيرة الدراسات النقدية العربية، ومصدر إلهام لكل باحث يسعى إلى تحرير التاريخ الإسلامي من التشويه، سواء أكان مصدر هذا التشويه خطاباً غربياً معادياً أم ثمرة من ثماره نبتت في التربة العربية نفسها.

إقرار وتقدير

 في ختام هذه المقارنة أن أتقدم بخالص الشكر وعظيم الامتنان إلى من كان له فضلٌ مباشر في إنجاز هذا العمل، دون عونه لما تكاملت هذه الدراسة.

إلى الدكتور مازن بن صلاح المطبقاني، حفظه الله، الذي - مع غزارة إنتاجه وانشغالاته العلمية - تفضل بتزويدي بنسخة من أطروحته الرائدة عن برنارد لويس، التي شكلت منعطفاً في مسيرة الدراسات النقدية في الجامعات السعودية، والتي جعلت - بمنهجيتها الفريدة ولقائها المباشر - نموذجاً يُحتذى في كيفية تفكيك الخطاب الاستشراقي بجرأة وإنصاف.

كما أتقدم بخالص الدعاء إلى روح الدكتور شوقي أبو خليل - رحمه الله تعالى - الذي ترك لنا إرثاً علمياً عظيماً، نافح عن دينه وتاريخ أمته بالفكر المتزن، وأتاح لنا من خلال أطروحته عن بندلي الجوزي أن نقف على جذور مشروعه التصحيحي، وأن نرى كيف يمكن للباحث أن يواجه تشويه التاريخ من الداخل قبل أن يتجه إلى الخارج.

دون فضلهما، لما أمكنني الوقوف على جذور هذين المشروعين المتكاملين، فلهما مني أصدق الدعوات وأوفى عبارات الامتنان، سائلاً المولى أن يجزيهما خيراً على ما بذلاه من جهد، وأن ينفع بهما الأمة والعلماء.

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه .

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

وأحياناً على بكر أخينا إذا لم نجد.. وما أشبه الليلة بالبارحة

                                      بسم الله الرحمن الرحيم                                  ما أصدق بعض الشعر الجاهلي فهذا الشاعر يصف حال بعض القبائل العربية في الغزو والكر والفر وعشقها للقتال حيث يقول البيت:   وأحياناً على بكر أخينا إذا لم نجد إلاّ أخانا. فهم سيقومون بالغزو لا محالة حتى لو كانت الغزوة ضد الأخ القريب. ومنذ أن نزل الاحتلال الأجنبي في ديار المسلمين حتى تحول البعض منّا إلى هذه الصورة البائسة. فتقسمت البلاد وتفسخت إلى أحزاب وفئات متناحرة فأصبح الأخ القريب أشد على أخيه من العدو. بل إن العدو كان يجلس أحياناً ويتفرج على القتال المستحر بين الاخوة وأبناء العمومة وهو في أمان مطمئن إلى أن الحرب التي كانت يجب أن توجه إليه أصبحت بين أبن...