التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاستغراب في الوطن العربي

 المقدمة:

أيها السيدات والسادة، تحية طيبة، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وحياكم الله في برنامجكم "نافذة". ضيفنا في هذه الحلقة هو الدكتور مازن مطبقاني، الدكتور أو الأستاذ المشاغب بجامعة الملك سعود، كلية التربية. وسيكون عنوان الحلقة إن شاء الله تعالى عن "الاستغراب في الوطن العربي". ترحب بكم، حياكم الله وأهلاً وسهلاً بك.

وشكراً لكم. حياكم الله. الاستغراب، ما هو هذا الاستغراب؟ كيف نشاهد المصطلح؟

المحور الأول: تعريف الاستغراب ونشأته:

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. كلمة "استغراب"، أول ما يتبادل للذهن، هي أن يقوم مجموعة من أبناء المسلمين بأن يستغربوا، أي يقلدوا الغرب. فهذا هو المدلول الأول لكلمة استغراب؛ أن نتأثر بالغرب ونقلده، ونعيشه على منواله.

المصطلح يعني كلمة "استغرب" أو "استغراب" قديمة، منذ أن بدأت البعثات العلمية من العالم العربي إلى الغرب، وعاد كثير من المبتعثين وقد تأثروا بالبلاد التي ذهبوا إليها، تأثروا بها فكرياً وعقلياً وسلوكياً وأخلاقياً، وأتوا إلينا بهذا التأثر. فهذا استغراب، وهو في الحقيقة ليس المصطلح الحقيقي، لكنه ما يقال في حال هؤلاء المبتعثين أيضاً أنهم "تغربوا"، أي تأثروا بالغرب.

أما الاستغراب فهو مصطلح جديد، يعني أن ننتقل إلى دراسة الغرب، أن ندرس الغرب دراسة علمية منهجية ميدانية أكاديمية واسعة عميقة. فهذا هو الاستغراب الذي لم ينشأ حتى الآن، مع العلم أن هناك دعوات كثيرة انطلقت في العالم العربي منذ سنين بدراسة الغرب، منها مشروع قدمه الدكتور السيد محمد الشاهد في جامعة الإمام قبل أكثر من عشرين سنة.

يعني عندما يكون أقرب لإنشاء كلية الدراسات العربية، فالاستغراب كمصطلح علمي يعني حديث، ولكنه لم يتحقق بعد.

المحور الثاني: دوافع وأهمية دراسة الغرب (الاستغراب):

أن تقصد الآن دراسة الغرب الذي هو غصب، وتتبع الغرب. يعني نحن المسلمين ندرس الغرب، نضعه تحت المجهر، نتتبع ما يعني التحولات الفكرية والاجتماعية التي حدثت. أيه الفائدة إذا قمنا بهذا العمل؟ المردود هو أننا بحاجة للتعامل مع هذا الغرب، ولا بد من معرفة دقيقة واسعة.

يعني الغرب عندما أراد أن يتعامل مع الشعوب كلها، أنشأ مراكز بحوث وأقساماً علمية. ومن أقدم الغرب، منذ أن أصدر أحد البابوات أمراً بابوياً بإنشاء ستة كراسي لدراسة اللغة العربية، ثم نشأت في جامعة أكسفورد في سنة 1636، كرسي اللغة العربية، وفي جامعة كامبريدج سنة 1632. يعني الشعوب حتى تعرف كيف تتعامل مع بعضها البعض وتفهم عقلية الآخر، لابد أن تكون لدينا معرفة عميقة بتاريخه وتراثه وفكره ومعتقداته. وهذه المعرفة ضرورية جداً.

ونفصل فيما بعد إن شاء الله من جهات التي يمكن أن تفيد. النبي صلى الله عليه وسلم كان لازمنا في نفس المحور. أستاذنا الفاضل، مسألة أن ندرس الغرب، هل نتيجتها مثلاً أن نتقدم مثلما تقدم الغرب؟ أو مثلاً أن نتوارى عن مكائده ووساوسه ونرد عدوانه؟ يعني الفائدة المرجوة هي عدة فوائد:

  • الفائدة الأولى: أننا بحاجة إلى معرفة الشعوب الأخرى، وهذه المعرفة هي التي تقودنا إلى كيفية التعامل وفهم العقلية.
  • مثال بسيط: في شركة الخطوط البولندية، وقد زرت مدة أسبوع كتدريب قبل أكثر من 20 سنة عندما كنت أعمل في الخطوط السعودية، فوجدت الخطوط البولندية قبل أن يذهب أي وفد منها إلى أي بلد، يقدمون له دراسة اجتماعية وعقائدية وفكرية وسياسية. بل عند الخطوط البولندية مكتبة تضم كتباً ومراجع عن كل الدول. وليس هذا فقط، فعندما كنت أعمل أيضاً في الخطوط، كان لديهم تقارير شهرية عن البلاد المختلفة. هذا على مستوى الخطوط العالمية، تقارير شهرية مثلاً عن الجزائر: عدد سكان الجزائر، مساحة الجزائر، تركيب المجتمع الجزائري، خلفياته الثقافية. طيب، لماذا هذا؟ إذاً هذه المعرفة ضرورية بالنسبة لنا كمسلمين، هذا الجانب مهم جداً في التعامل.

قضية ليست فقط التعامل من فهم العقلية، الأمر الآخر: نحن أمة الشهادة، وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً. هذه الشهادة تقتضي أن نعرف الآخر، أن نعرف من هو وكيف يفكر. ثم عندما نعرفه، نحن نريد أن ننقل الإسلام، جاءت هذه الرسالة لتكون للبشر، فكيف نستطيع أن ننقل هذه الرسالة دون أن نكون على معرفة ودراية؟ والمعرفة والدراية لها تفاصيل كثيرة.

يعني الآن المسلمين فيهم شريحة عريضة مهاجرة في أوروبا، بعثات تعليمية مثلاً انطلقت من المملكة وغيرها من دول الخليج إلى الغرب، تناقش في ثقافاتهم. هذه العوامل كلها ما أعطتنا التصور الكافي إلى الآن. نحن بحاجة إلى مراكز متخصصة لكل ما تعنيه الكلمة، بمعنى القيام بعملية المتابعة والتواصل. الذين يذهبون للغرب وعاشوا أصبحوا جزءاً من تلك المجتمعات، فلا شك أن لهم تأثيرهم ومكانتهم، ومنهم من أصبح على معرفة جيدة بالغرب. لكن من يتأسس منهم مجالاً معرفياً علماً نسميه "علم استغراب"، علم دراسة الشعوب والأمم الغربية؟ إنما من يعرف القانون البريطاني، من يعرف القانون الهولندي؟ حتى منهم، لكن لم نستفد منهم بالنسبة للبعثات.

أنا أرى، مع الاعتذار، أن البعثات التي تذهب للدراسة وتعود، لا تخرج عن المختبرات والمعامل والعيادات. الذي يدرس الهندسة، قليل من أبناء الأمة الإسلامية والعربية الذين يذهبون ليدرسوا تلك المجتمعات بعمق ويفهموها، قليل جداً. لذلك، عدد من عاشوا حياتهم في الغرب قديماً، وكم منهم من أصر على أنه بعد أن عاد من الغرب أن يدرسوا الغرب وأن يكتبوا عنه. البعثات هذه لم تؤدِ إلى النتيجة المطلوبة، من انتقالنا من "ذات مدروسة" إلى "ذات دارسة". ولكن أحياناً عندما توجد أمثلة من تطلع بعض شبابنا لدراسة قضايا في الغرب، قد يجابه برفض بعض الجامعات، ولكن هذه مسألة أخرى، لا يعني مثال واحد.

المحور الثالث: الفرق بين الاستغراب والتغريب:
الكثير يخلط ما بين مصطلح الاستغراب، فلنبين الفارق بينهما. التغريب: هو أن يتأثر الفرد بالغرب في السلوك والأخلاق والفكر والاعتقاد، أن يفقد هويته ويفقد انتماءه، أو أن يتأثر هذا الهوية وهذا الانتماء، بأن يعجب، ينبهر، يعشق، يهوى، أن يصبح مفرونجاً (مستغرقاً) بالغرب. هذا هو التغريب. وهذا التقريب له وسائله كثيرة، منها البعثات، يتقرب الناس أو كثير منهم إذا ذهبوا للغرب. ونحن في داخل بلادنا، عندما ظهرت قضية الحداثة، بعض المثقفين تبنوا مفاهيم الحداثة وأفكار الحداثة الغربية في الفكر والأدب والسلوك والاعتقاد، وهم لا يعرفون كلمة واحدة من لغة أجنبية. وحتى عندنا نماذج عجيبة جداً ممن يعشقون الحضارة الأوروبية والغربية وهم لم يخرجوا من البيت.

فهذا التغريب الذي يعني يتسلل إلينا أيضاً من المجالات الفضائيات، وفي التقليل الخطورة أيضاً في القنوات الفضائية التي تأتينا بكل قاذورات ونفايات المجتمعات الغربية. وحتى ما يعرض في بعض القنوات الفضائية التي أتتنا، يعني لم يكن قد عُرض في دور السينما في بلادهم، فيقدموه لنا. وأنا عرفت أن هناك من يشكو من الإعلان الغربي من الغربيون أنفسهم. وأتحدث عن هذا في الحديث عن نماذج من دراسة.

أما الاستغراب: فهو أن تنشأ كليات وأقسام علمية في الجامعات لدراسة الشعوب الغربية تاريخياً وجغرافياً واجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، لدراسة جغرافيتهم وثرواتهم. نحن بحاجة إلى أن نعرفهم معرفة عميقة جداً. فهذا هو الاستغراب الذي هو مجال علمي معرفي له قواعده وأسسه ومناهجه.

المحور الرابع: تأخر المسلمين في الاستغراب:
هل تأخرنا نحن المسلمون في دراسة الغرب أو الاستغراب؟ نعم، تأخرنا في القرون الأخيرة. في عام 1950، كان هناك مؤتمر عالمي للمستشرقين، وكان يجلس مستشرق بجوار أحد الباحثين المسلمين وقال له: "انظر كم عددنا نحن الغربيين الذين ندرسكم ونتعلم لغاتكم وتاريخكم وثقافتكم، كم منكم من يعرف عنا؟". لا يوجد.

أستاذ في جامعة جورج تاون، وهو المشرف على كرسي الوليد بن طلال للتفاهم بين الإسلام والنصرانية، وهو اسبوزيتو (كاثوليكي)، وقد درس مع إسماعيل راجي الفاروق رحمه الله في جامعةتمبل ب فيلاديلفيا متخصص في دراسة الإسلام وله عشرات الكتب. مما جاء في المؤتمر قال: "انظروا كم منا من تخصص في دراسة الإسلام وكتب عن الإسلام، هل منكم من درس النصرانية وتعمق في فهمه؟". لا يذكر.

قبل فترة قابلت أحد الإخوة في مجلة البيان، وقد ذهب إلى أمريكا في معهد لدراسة اللاهوت المقارن، وتعلم اللغات اللاتينية واليونانية القديمة. ولكن هذا استثناء. الطلاب منا من يتحمس للذهاب، ومن الجامعات التي تشجع طلابها على التخصص في دراسة الآخر.

هل يكفي أن نقرأ عن النصرانية ما كتبه ابن حزم، أو أن نقرأ في لغاتهم؟ الاستغراب هو أن ننتقل إلى دراستهم من الداخل من جميع الجوانب.

في المقابل، ممكن يجيك واحد يقول لك: "حنا أصلاً تأخرنا عن دراسة أنفسنا ونعاني تحت خطوط من الفرقة والتخلف والتناحر، كيف ندرس الغرب؟". هذا غير صحيح، لأن هذا علم متداخل لا أصل له. يمكن أن يتوجه مجموعة لدراسة أنفسنا، وفي نفس الوقت ينطلق مجموعة لدراسة الأمم والشعب الأخرى. الآن إذا أردنا نحن أن ننشئ علاقات مع الصين، ولا نعرف أي معلومات عن الصين، فنذهب إلى المراجع الغربية الأمريكية والروسية وإلى خبراء من أي بلد أعطونا معلومات عن الصين. هذا صحيح، يعني الأولى أن نُجِيءَ أبناءنا لمعرفة تلك البلاد معرفة حقيقية. لا يمنع من أننا وإن كنا متخلفين في مسألة معرفة أنفسنا، أن نحاول معرفة الآخر.

المحور الخامس: موقفنا من الغرب ابتداءً:
موقفنا من الغرب ابتداءً، عندنا حساسية طويلة. نعود بالغرب إلى الحروب التي أطلقوا عليها هم "الحروب الصليبية"، التي حملوا فيها الصليب وهاجموا بلاد المسلمين وقتلوا المئات الألوف. ثم الغرب الذي قبل الحروب الصليبية، الغرب الذي تعلم على الحضارة الإسلامية وتعلم دروسها وأخذ العلوم. ثم الغرب في الحروب الصليبية، وحتى بعد الحروب الصليبية، عاد كثير منهم وعاش في العالم العربي والإسلامي، وكثير منهم بقي واستقر. ثم جاء الغرب بالاستعمار، استعماراً يعني كما يقال، وهو استدمار وتخريب.

بعد ذلك، نكمل المحاور، نعود بعد فاصل قصير لاستكمال محاور هذا اللقاء مع ضيفي الكريم حول "الاستغراب في الوطن العربي"، فابقوا معنا.

حياكم الله أيها الإخوة المشاهدين مرة أخرى، نستكمل معكم محاور لقائنا هذه الليلة مع أستاذنا الدكتور مازن طبقاني. دكتور، حياك الله مرة أخرى. قبل هذا الفاصل، تحدثنا عن موقفنا من الغرب ابتداءً وشرعت في الإجابة، أتمنى أن تكمل.

عاد الغرب بعد الحروب الصليبية بقرون، بحملة شرسة بدأت في الجزائر في سنة 1797 واستمرت ثلاث سنوات، وكان تأثيرها خطيراً جداً. ثم جاء الاستعمار أو احتلال بريطانيا لمصر 1882. ومن آثار التغريب والاستعمار أننا نحفظ التواريخ بالميلادي، لأن الذين كتبوا تاريخ هذه المرحلة في أذهانهم التاريخ الميلادي. فجاء الاحتلال وسيطر على البلاد العربية والإسلامية من الجزائر إلى المغرب إلى تونس إلى بقية العالم الإسلامي من إندونيسيا.

فهذا الغرب الذي احتل الأرض ونهب الخيرات وسفك الدماء وقتل، حاول أن يطمس الهوية. الاحتلال الجزائري الفرنسي للجزائر وشمال أفريقيا، آثاره ما زالت باقية إلى اليوم. فهذا الغرب، يقال لماذا لا نتحاور مع الغرب؟ لماذا لا نحب الغرب؟ ما زالت آثار وجود الاحتلال الغربي باقية إلى اليوم، وما زالت مستمرة، وما زالت تستمر بجهود كبيرة جداً يبذلها الغرب للهيمنة والسيطرة علينا.

فعلاقتنا بالغرب في المرحلة الأولى أنه جاء محتلاً في الحروب التي سميت صليبية أو حروب الفرنجة التي قتلوا فيها. وجاء الحمل الثاني كذلك، ثم حصل أن العالم الإسلامي، وفي أثناء احتلالهم تدخلوا في شؤوننا الداخلية إلى درجة كبيرة، وبقي هذا الأثر حتى اليوم.

عندما نعود إلى احتلال بريطانيا لمصر وتدخلهم في صناعة المناهج، يعني الآن الغربيون يزعمون أن مناهجنا تحتاج إلى تغيير. طيب، التعليم في بلادنا كان يصوره الأجنبي في مصر، وإذا سيطر التعليم الغربي على مصر والمناهج التربوية الغربية على مصر، معنى ذلك أنه انتقلت إلى بقية البلاد العربية، وقد انتقلت بالفعل. أنا عندما درست في الأول متوسط في المملكة، في مادة الحساب أو الرياضيات، كنت أدرس حساب الفوائد البنكية، الفوائد البسيطة والفوائد المركبة، وكانت تعجبني الفوائد المركبة، لكننا لا ندرك أن هذه الفوائد هي الربا وهي المحرم. حتى بعد ذلك انتبهت وزارة المعارف في المملكة وغيرت تلك المناهج. وفي علم الاجتماع أيضاً.

فالغرب احتل بلادنا، ثم أنشأ مدارس كثيرة في بلادنا، مدارس أجنبية ما زالت آثارها باقية إلى اليوم في تغريب مجموعة من أبناء الأمة. وحتى عندما استطعنا أن ننهي وجود الغرب بالمقاومة وبالجهاد، أوفيق الجهاد من مضمونه، وسلمت البلاد إلى مجموعة من المتغربين، وهي ما سماه الأستاذ محمد قطب في كتابه "واقعنا المعاصر" صناعة الزعيم: يأخذون أحد القادة من بلاد عربية إلى جزيرة ينفونه، فإذا أعادوه أعادوه بعد شروط، أو الهيمنة على عقليته، فيأتي كأنه بطل. وقد فعلوا هذا في عدة دول عربية. فهذه العلاقة معهم.

ثم ذهب الغرب وقد ترك لنا، كما يقال: ذهب المستعمر الأبيض وبقي المستعمر الأسمر المحلي، وكان المستعمر الأسمر أحياناً أو في أكثر الأحيان أشد سوءاً وأشد مكراً. وقد يشكك بعض الناس في كتاب "نعمة الأمم" وتدمير مصر في معهد الثورة، ودور الاستخبارات الغربية في صناعتها، لكن لا شك أن ما بعد الاحتلال لم يكن أحسن حالاً مما قبل الاحتلال. ليس بكاءً على الاحتلال، لا أحد يحب الاحتلال، ولا حتى القطة تحب أن يحتل أحد مكانها، ولا أي حيوان. لكن هذا الغرب الآن، كما يقول رجل فرنسي مهتم بالعالم الإسلامي، إن هذا الغرب لا يعرف إلا العلمنة، لا يعرف إلا استغلال نفسه.

وأحب أن أذكر هنا، في الغرب الحالي بعد ذهاب الاحتلال، مقال لرجل فرنسي في أواخر سنة 2006 قال: "إإلى متى أيها العرب والمسلمون، (وكأنّ الرجل كاد يكون مسلماً)، ونسأل ما زال في البلاد يقولون العرب المسلمون، تثقون بهذا الغرب الذي يقتلكم ويستبيح أموالكم؟". الغرب حتى وإن ترك البلاد وترك جيوشه، لكنه عاد مهيمناً علينا في شتى المجالات الاقتصادية والثقافية والفكرية.

المحور السادس: الاستعمار الثقافي والتربوي:
يعني في حقبة من الحقب، الحكم الاستعماري كان يسيطر على المناهج. ما تلاحظ أننا الآن أصبحنا ننفق بأن نلحق أبناءنا بمدارس تتبنى هذه المناهج الغربية، من حيث أن الطالب يواكب العصر ويتعلم لغة. المشكلة أنها تدرس أولاً التربية، وهي شخصية الأمة، الأمة التي ليس لها تربية خاصة بها ومناهج تربوية خاصة بها. والتربية ليست فقط الكتاب، ولكن الأستاذ صفي يعني عملية طويلة في شخصية الأمة.

قضية التربية، دائماً أتذكر الدكتور محمد محمد حسين رحمه الله في كتابه "الإسلام والحضارة الغربية" وفي كتابه "حضارتنا مهددة من داخلها"، يقول كيف اهتم الغربيون في أن يؤثروا في التربية. وأنا أتعجب، أحد كبار السن في المدينة كان مديراً لإحدى المدارس، لا أريد أن نسميها، قبل أربعين سنة ذهب إلى بيروت إلى الجامعة الأمريكية لدراسة التربية. وهناك إحصائية ولست متأكداً من دقتها، لكن تقول إن أكبر عدد من حملة الدكتوراه في المملكة العربية السعودية هم في مجال التربية ومن أمريكا. وهناك أيضاً من يقول إن الجامعات الغربية عادة ما تسهل لنا الحصول على درجة الدكتوراه في مجال التربية، لماذا؟ يريدون أن يخربوا تربيتنا.

أما المدارس الأجنبية، فأذكر من خلال مدرسة "فيكتوريا" في مصر، وهي مدرسة ثانوية عريقة، خرجت منها شخصيات، لكن العجيب ما قال عنها الأستاذ جلال أمين في مذكراته: "في هذه المدرسة فصلنا مئات الأمتار من هويتنا ومن تراثنا ومن انتمائنا إلى ثقافتنا، والتحقنا بالثقافة الغربية، وتعلمنا عن جورج واشنطن وفيكتوريا". وكان في هذه المدرسة يمنع منعاً باتاً الحديث باللغة العربية، ومن يتحدث بالعربية يدفع غرامة. والتحق بها مجموعة من السعوديين، وللأسف التخطيط الناكر أنهم جاءوا بأبناء من المملكة من جميع المناطق، أعرف أنه من جيزان، ومن مكة، ومن الرياض، ومن المنطقة الشرقية، ومن الحجاز، يعني قبل خمسين سنة استطاعوا أن يستقطبوا مجموعة ليجلسوا في فيكتوريا، ويتعلموا التاريخ الإنجليزي والأوروبي، وكأنهم إنجليز 100%.

حتى الشاب الذي يدرس التاريخ الإسلامي، يدرسه من وجهة نظر الغرب. مدارس أجنبية خطيرة جداً. أما أن نتعلم اللغة، فهذه قضية أخرى. يعني هل لو أصبحنا كلنا نتحدث الإنجليزية أو الفرنسية، هل نستطيع أن نصنع السيارة أو مصنع الطائرة؟ المصنع ليست بقضية صحيحة. قضية اللغة، وقضية الروح والهمة والإصرار.

المحور السابع: سمات الباحث في الاستغراب:
جميل جداً، هل يستطيع أي إنسان أن يقوم بدراسة للاستغراب؟ لا بد أن تكون هناك سمات معينة لهذا الإنسان. لابد أن يكون متمكناً في تراث أمته، في تاريخها، في شريعتها، حتى يستطيع أن يدرس الغرب. وأن يكون مؤهلاً من الناحية اللغوية. وأيضاً يكون لديه الروح المقاتلة، الروح الطموح، الروح المغامرة، لأن دراسة الشعوب الأخرى ليست سهلة.

واضرب لك مثالاً، الذين يدرسوننا من الغربيين هم شخصيات غير عادية. شخص يكون متخصصاً في الرياضيات والفيزياء ثم يتحول إلى دراسة الإسلام والمسلمين. أحد أصحاب أكبر المواقع عن الإسلام في جامعة جورجيا، كان تخصصه في علم النفس واشتغل في هذا المجال، ثم يتحول إلى دراسة الإسلام، وإن كان أسلم على طريقة صوفية، لكن لديه موقع ضخم جداً عن الإسلام. فالذي يريد أن يدرس، لابد أن يكون لديه قدرات عقلية كبيرة، وأن يكون طموحاً، مغامراً، لأن المعرفة لم تأتِ على طبق من ذهب، يجب أن يسعى إليها الإنسان.

المحور الثامن: لماذا ندرس الغرب؟ (ملخص):
جميل جداً، لماذا يجب علينا أن نقوم بدراسة الغرب؟ قلنا لأمرين:

  • أولاً: المعرفة في حد ذاتها، حتى نستطيع أن نعرف كيف نتعامل ونتفاهم ونتحاور.
  • ثانياً: لنُصيبَ هجومهم وتخطيطهم ومكرهم.
  • ثالثاً: أننا أمة الشهادة، وبحاجة إلى أن ننقل إليهم هذا الدين.

قبل مدة، قلت لرئيس وزراء بريطانيا الأسبق، جان نيجر، فسألته عن اهتمام الغرب بالاقتصاد الإسلامي، ولم يكن على درجة عالية من الثقافة في هذا الموضوع، فأحببت أن أنيره. عندنا قضيتان في الإسلام: أن المالك الحقيقي هو الله عز وجل، وأن البشر إنما يملكون المال على سبيل المجاز، ولذلك على البشر أن يراعوا شروط المالك الحقيقي في التصرف بالمال. الإنسان يستطيع أن يوصي بماله لمن يشاء، حتى الوصية عندنا كاملة نزلت في أدق التفاصيل. ولا يتصرف إلا في الثلث، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

على مبدأ الوفرة، الله عز وجل خلق السماوات والأرض وقدر فيها أقواتها، أنه ليس هناك تنافس هناك ندرة، فكلوا من دابة الله، ويرزقها ويرزقكم في السماء. فليس عندنا تنافس مثل ما يحدث. التنفس أو التنافس يحدث متى؟ عندما يستأثر الشمال (الكرة الأرضية) أوروبا بثمانين بالمئة من خيرات الأرض ويتركون العالم 20%، هذا هو الذي يحدث التنافس. فإذا أردتم الاقتصاد الإسلامي، وليست بعض التفصيلات بالفنيات والأقسام، الإسلامي ليس هذا ما ينقذكم.

المحور التاسع: تجربة الدكتور الشخصية وأهمية الاستغراب:
بعض الدراسات والأبحاث منذ سنوات، الضوء على بعضها. اهتماماتك بهذا الجانب؟ اهتمام، عندما كنت مبتعثاً في الولايات المتحدة الأمريكية من سنة 1388 هجرية إلى 1393 هجرية، عندما كنت في أمريكا في تلك المرحلة، أولاً سكنت مع أسرة مسيحية في مدينة شهرين، ثم سكنت مع أسرة موسوية على قضية أنه لا يؤمن بوجود رسول بعد عيسى عليه السلام ولا يؤمن برسالة الرسول صلى الله عليه وسلم.

ثم عندما درست في الهندسة، ولكن درست في الجغرافيا، وفي الأخير درست الأدب. وفي الدراسة كان هناك احتكاك بيني وبين عدد من الأمريكيين، فقرأت الكتب التي كانت شائعة في تلك الحين، وبدأت أعرف عن بعض الحركات، الحراك الفكري والثقافي في المجتمعات الغربية، ما يسمى بـ "الثقافة المضادة" (Counter Culture) التي رفضت ثقافة الآباء، وصار هناك انفصام بين الأجيال، والثورة عن التعليم، وثورات الطلاب في الجامعات، ما شابه ذلك. فكنت قريباً منهم وعرفتهم عن قرب. وحتى النجوم كانوا يعتمدوا على الحكومة، وعي كبير في أن الطلاب كانوا يريدون أن يكون لهم دور في إدارة جامعاتهم وفي تقرير مصيرهم. فهذه فتحت عيني على دراسة الغرب.

ثم عندما عدت، شاء الله عز وجل أن أعود إلى القراءة في مجال الفكر الإسلامي، قراءة كتب الندوي، والمودودي، وسيد قطب، ومحمد سيد سابق، وقراءة ابن القيم الجوزية. هذه القراءات جعلتني أتأثر بشكل كبير. في الجامعة في أمريكا روجوا لبعض الكتب مثل رواية "زوربا اليوناني". هذا رجل عجوز يمارس جميع أنواع الملاهي، كاتب ملحد. أنا عندما كنت شاباً قرأت هذه القصة وأعجبتني.

المحور العاشر: الترويج للانحراف وانعكاسه على المجتمعات:
قد يتأثر شكل الموجود هنا، كان هناك ترويج لبعض الروايات والكتب. بعد أن عدت بسنوات، فكرت لماذا كان خلف الترويج مثل هذه القصص مثل "زوربا اليوناني" و"الأم" لمكسيم غوركي، وروايات هرمان هيسه، وكانوا يروجون للمتعة. في الستينيات والسبعينيات في أمريكا، كان هناك ما يسمى بالثورة الجنسية، وكان يتحدث عن الجنس بصراحة في الجامعات الأمريكية. أحدهم ألف كتاباً "كل ما تريد أن تعرفه ولكن تستحي أن تسأل". وبدأ الترويج للأفلام الفاحشة في أوائل السبعينيات وآخر الستينيات. أنا، كما قلت، كنت معجباً بشخصية "زوربا"، رجل كبير في السن يستمتع بالحياة، ولكنها تباهينية وانحراف عجيب.

بعد أن عدت وقرأت في الإسلام، أدركت أن هناك جهات كانت تدعو إلى أن يغرق الناس في المتعة والمصيبة، وأن الأمم التي تميل لللهو والحكومات التي تميل إلى إغراق شعوبها في اللهو، هي حكومات مخطئة. هذه الشعوب في وقت الأزمات لا يعتمد عليها، ولذلك سقطت فرنسا في ساعات قليلة بيد ألمانيا، لأنها كانت غارقة في الملذات. فإذا الشعوب التي تقوم حكوماتها بنشر الرذيلة ونشر زخارف الترفيه والتسلية، ستكون مخطئة. نحن أمة جادة، ويجب أن نكون جادين.

أنا تأسفت بهذا الكلام. عدت من أمريكا وكتبت مشاهدات عائد من أمريكا في مجلة المجتمع عام 1394-1395 هجرية، أي 1975 ميلادية. وهذه المشاهدات طورتها فيما بعد إلى كتاب "رحلاتي إلى أمريكا". وفي الوقت نفسه، في نادي أبها الأدبي، قدمت دراسة عن الثقافة والمعرفة للآخر، عن "الدراسات الاجتماعية في الغرب"، وطورته إلى كتاب "الغرب من الداخل: دراسة للظواهر الاجتماعية". طبع الكتاب الطبعة الأولى في أبها، وهذه الطبعة الثانية على حسابي.

في هذا الكتاب، رجعت إلى تقارير حكومية بريطانية وأمريكية عن الأوضاع المجتمعية. في بريطانيا يصدر تقرير سنوي اسمه "الحياة في بريطانيا". في هذا الكتاب رصدت الظواهر الاجتماعية في الغرب، من ظاهرة الأسرة، ظاهرة الأولاد غير الشرعيين، ظاهرة اللواط. وأيضاً تحدثت عن جوانب إيجابية من الغرب: المؤسساتية، حب العلم، نشر العلم، تسهيل عملية التعريف. هذا الكتاب الأول، وما زلت مهتماً بدراسة الغرب، لكني منذ سنوات وأنا أدعو إلى أن يصدر قرار من أعلى مستوى في البلاد، في المملكة أو في أي بلد عربي أو مسلم، لإنشاء مراكز لدراسة الغرب.

المحور الحادي عشر: الدعم الغربي لدراسة الإسلام:
وقد فعلتها الحكومة الأمريكية، في 1990 أصدرت مراسيم جمهورية لدعم 24 مركزاً لدراسة الشرق الأوسط، ودفعت أموالاً ضخمة. في 1990 أيضاً، دخلت الحكومة الأمريكية ودعمت عدداً كبيراً من المراكز لدراسة العالم الإسلامي، بل إنهم أحصوا أنهم بحاجة إلى معرفة، من أولها اللغة العربية، واشترطوا على من يحصل على هذه المنح أن يعمل في الحكومة الأمريكية، ومنها في الاستخبارات، وهو مثال ينتقده بعض الأكاديميين، ومع ذلك ما ضد الحكومة.

بعد 2001 أيضاً، الحكومة الأمريكية دخلت من جديد. الحكومة البريطانية في 1903 كونت لجنة لدراسة احتياجات بريطانيا من المعرفة بالعالم العربي والإسلامي. في 1916، البرلمان البريطاني أقر إنشاء كلية الدراسات الشرقية في جامعة لندن. في 1947، الحكومة البريطانية شكلت لجنة برئاسة اللورد سكرب لدراسة احتياجات بريطانيا، وفي 1961، 1985، وفي 2007، الحكومة البريطانية عدت دراسة الإسلام موضوعاً استراتيجياً على أعلى مستوى، وأنفقت أموالاً ضخمة لدعم دراسة الإسلام والمسلمين.

إذاً، هل نحن بحاجة لدراستهم أم لا؟ أنا بذلت جهداً متواضعاً في هذا الكتاب، أو ترجمت أجزاءً من كتبهم، يعني هذا فصل في كتاب في علم الجريمة بعنوان "تأثير الإعلام على السلوك والعنف: هل المجتمع ضحية للإعلام؟". وهذا مخطوط ما زال، الفصل الرابع موجود على الإنترنت. ترجمته تتكلم عن تجاوزات الإعلام، حتى أنهم في أمريكا وصلوا إلى مستوى أن يهددوا مؤسسات الإعلام الأمريكية بأن يصدر الكونغرس الأمريكي قراراً بالحد من جرعات الجنس والعنف في الأفلام الأمريكية، ولكن قوة هوليوود أعلى من قوة المجتمع الأمريكي. المؤلف يتكلم عن غيرها كثير، أذكر أيضاً في نقد الإعلام الأمريكي، مايكل مجاهد، وهو ناقل سينمائي، أصدر كتاباً بعنوان "Hollywood vs. America". حتى عرض في مجلة الشرق الأوسط في يوم من الأيام. كتاب رائع وجدته من الصعوبة أن تجده في كل المكتبات في أمريكا، يتكلم عن أن هوليوود تشير للمجتمع الأمريكي وتنشر ثقافة خيانة الزوجية وما شابه ذلك.

فنحن بدراسة هذه الظواهر، لأن كل ما يكون في الغرب يصل إلينا، فلا بد أن ندرسهم ليكون لدينا حصانة.

المحور الثاني عشر: مجالات دراسة الغرب وتعدد التخصصات:
من أهم المجالات التي يمكن للباحث من خلالها دراسة الغرب، هو مجال العلوم الاجتماعية. إذا أنشأنا أقساماً لدراسة الغرب، فلابد أن يكون هناك تعدد في الجوانب، كما هو في الغرب الآن، دراسة الشعوب الأخرى متعددة الجوانب: علم الاجتماع، علم الإنسان، علم النفس. ممكن شخص متخصص في العلم الشرعي يريد أن يدرس اللاهوت الغربي، معتقداتهم ومؤسساتهم. ولهذا ترجمت موضوعاً عن انهيار التبشير عند الكنيسة الأنغليكانية. فالدراسة يمكن أن تكون في عدة مجالات، والآن العلوم أصبحت متداخلة.

الذين يدرسون الشرق الأوسط، أنا أحصيت في جامعة كاليفورنيا 18 قسماً تدرس العالم العربي والإسلامي، ثم يجمع بينها مركز دراسات الشرق الأوسط أو معهد دراسات الشرق الأوسط. الطالب يأخذ مادة اجتماع ويطبق على مجتمعات معينة، تخصص دقيق عندهم، مثلاً مجتمع بريدة، مجتمع عنيزة، مجتمع سكاكا. فهم يدرسون دراسة دقيقة، وجميع التخصصات قابلة لأن تتحول إلى دراسة الطرف الآخر.

المحور الثالث عشر: الضوابط الأكاديمية لدراسة الغرب:
الضوابط الأكاديمية التي تضمن صحة الدراسات التي تتناول الآخر بالبحث، طالما أنها دراسات فردية تخضع لصاحبها. من الضوابط:

  • أولاً: الدراسات التي تنطلق من دارس باحث مسلم مؤمن بالإسلام مقتنع بهذا الدين، ينطلق أنه لا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى. نحن عندما ندرس الغرب نريد أن نعرفه، لا نريد أن نشوه سمعته، ولا نثير العالم ضده. الغرب في دراسته للشعوب الأخرى لم يشوه أحداً كما شوه الإسلام والمسلمين، وهو ليس عنده مشكلة مع الهندوس أو مع البوذيين أو مع الثقافة اليابانية. حتى الدكتور محمود الزغواني، أستاذ علم الاجتماع في تونس، قال: "ليس هناك ثقافة ينزعج منها الغرب".

الذي يدرس الغرب من الأبناء المسلمين سينطلق من أنه يريد أن يعرف، لا يريد أن يشوه، لا يريد أن يسيطر، لا يريد أن يستولي، وإنما يريد أن يتفاعل حضارياً ويستفيد من الجوانب الإيجابية في الحضارة الغربية. نحن بحاجة إلى معرفة النظام المؤسساتي. عندما يكون هناك مركز بحوث، نريد أن نعرف. مثلاً، معهد الولايات المتحدة للسلام، سنة 1984 تأسس لدراسة الشعوب والأزمات

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

حوار مع المستشرق برنارد لويس

               عندما شرعت في إعداد بحث الدكتوراه حول منهج المستشرق برنارد لويس كان لا بد من الإعداد للقائه، وقد زرته في مكتبه في جامعة برنستون التي كان قد تقاعد منها ولكنه كان يحتفظ بمكتب فخم كبير. وأجريت معه لقاءً مطولاً قدمت له فيه عدة أسئلة فأجاب عنها وسجلتها في آلة التسجيل ثم نسخت المادة وبعثتها إليه لتوثيقها. وتأخر كثيراً في توثيق الحوار وفي الأخير أرسل الحوار مطبوعاً كله ومعه رسالة اعتذار يبدي فيها أسفه للتأخر في الرد ولو لم أزعجه بالتعقيب لما اعتذر.        وفيما يأتي الأسئلة وإجابات لويس ثم تعليقي على الإجابات. وعلى الرغم من أنني ناقشت تلك الإجابات في طيات رسالتي للدكتوراه لكني هنا جمعت تلك التعليقات في مكان واحد. الأسئلة والإجابات:        لهذا الحوار قصة طريفة، فقد سبقه مراسلات بين الباحث والمستشرق، وقد اتسم رد لويس بالتردد والممانعة. كما إنه كال التهم جزافاً للباحثين والمؤرخين في دول العالم (غير الحر) من حيث عدم تمتعهم بما يتمتع به الباحثون في (العالم الحر) من حرية الرأي، وأن بح...