من الصعب أن
نجمع المستشرقين كلهم في بوتقة واحدة ونزعم أن منهجهم كان واحداً في كل الأزمان
والأوقات وفي كل الموضوعات التي تناولوها، ولكن تسهيلاً لهذا الأمر ولأن هذا
الكتاب ما هو إلاّ مدخل لدراسة الاستشراق والتنصير فيمكن إجمال هذه المناهج التي
يشترك فيها عدد كبير من المستشرقين قديماً وحديثاً في تناول العلوم الإسلامية
عموماً:
1-
محاولة رد
معطيات الدين الإسلامي إلى أصول يهودية ونصرانية:
وهذا الأمر يتمثل في كثير من الكتابات حول
الوحي وحول القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ويقول في ذلك عماد الدين خليل
نقلاً عن جواد علي:" إن معظم المستشرقين النصارى هم من طبقة رجال الدين أو من
الخريجين من كليات اللاهوت، وهم عندما يتطرقون إلى الموضوعات الحساسة من الإسلام
يحاولون جهد إمكانهم ردها إلى أصل نصراني ..." (دراسات تاريخية،
ص159) وقد ذكر طيباوي في دراسة أن عدداً
من المستشرقين الناطقين باللغة الإنجليزية يعتقدون بذلك ومنهم على سبيل المثال
مونتجمري وات وبرنارد لويس وغيرهم (الصفحات 10-13) وانظر أيضاً البحث الذي كتبه
التهامي نقرة بعنوان (القرآن والمستشرقون ) في كتاب مناهج المستشرقين في
الدراسات العربية والإسلامية) ج1 ، ص 21-57
2-
التشكيك في
صحة الحديث النبوي الشريف:
دأب
المستشرقون عموماً على التشكيك في صحة الحديث النبوي الشريف من خلال الزعم بأن
" الحديث لم يدون وقد نقل شفاهاً مما يستوجب في نظرهم عدم صحة الأحاديث"
(عبد القهار دواد العاني، الاستشراق والدراسات الإسلامية عمّان: دار
الفرقان، 1421هـ ص 121) والأمر الثاني في نظرهم كثرة الوضع في الحديث، والأمر
الثالث اتهام المستشرقين للفقهاء بوضع الأحاديث وتلفيقها "لترويج آرائهم
واختلاق الأدلة التي تسند تلك الآراء..." (المرجع نفسه ص 122)
3-
البحث على
الضعيف والشاذ من الروايات:
يقول جواد علي:" لقد أخذ
المستشرقون بالخبر الضعيف في بعض الأحيان وحكموا بموجبه، واستعانوا بالشاذ ولو كان
متأخراً، أو كان من النوع الذي استغربه النقدة وأشاروا إلى نشوزه، تعمدوا ذلك لأن
هذا الشاذ هو الأداة الوحيدة في إثارة الشك. (جواد علي، تاريخ العرب في
الإسلام، ص 8)
وهذا الأمر مشهور إلى حد كبير فهم يذهبون إلى الكتب
التي تجمع الأحاديث وبخاصة مثل كنز العمال وغيرها من الكتب التي لا يرد فيها تصحيح
أو تخريج للأحاديث، وقد كتب باحث بريطاني عن فتح المسلمين قسطنطينية بأنه وردت
أحاديث عن أن الذي سيفتحها سيكون اسم باسم نبي ثم لما لم تفتح ادعى أن الأحاديث لا
تصح لأن تكون مصدراً، أما أنه لم يعرف صحة الحديث من عدمه فأمر لا يهمه وهو الذي
يدعي العلمية والنزاهة.
4-الاهتمام بالفرق والأقليات وأخبار الصراعات
والبحث عن الوثنيات والتاريخ السابق لبعثة الرسول صلى الله عليه وسلم:
كثرت
كتابات المستشرقين عن الفرق كالشيعة والإسماعيلية والزنج وغيرهم من الفرق التي
ظهرت في التاريخ الإسلامي وأعطوها من المكانة والاهتمام أكثر مما تستحق، بل إن هناك
من كتب عن المنافقين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وأطلق عليهم لقب المعارضة
لإعطاء ما قاموا به من عداوة لله ولرسوله شرعية. وحصل بعضهم على درجة الدكتوراه في
بحوث حول هذه الفرق. وزعموا أن الكتابة
5-الخضوع للهوى والبعد عن التجرد
العلمي:
يقول الدكتور عبد العظيم الديب
" فالمستشرق يبدأ بحثه وأمامه غاية حددها، ونتيجة وصل إليها مقدماً، ثم يحاول
أن يثبتها بعد ذلك، ومن هناك يكون دأبه واستقصاؤه الذي يأخذ بأبصار بعضهم..."
المنهج في كتابات الغربيين عن التاريخ الإسلامي، قطر كتاب الأمة، عدد27 ص
71)
6-التفسير بالإسقاط:
يشرح
الدكتور الديب هذا الخطأ المنهجي بأنه " إسقاط الواقع المعاصر المعاش، على
الوقائع التاريخية الضاربة في أعماق التاريخ فيفسرونها في ضوء خبراتهم ومشاعرهم
الخاصة وما يعرفونه من واقع حياتهم ومجتمعاتهم"( الديب، المرجع نفسه ص
99-100)فمثلاً واقع الغربيين يدل على تنازعهم على السلطة وإن كان الأمر يبدو في الحاضر انتخابات وحرية اختيار ولكن
الحقيقة أن من يملك المال يستطيع أن يصل إلى الأصوات حتى صدر في أمريكا كتاباً
بعنوان بيع الرئيس وكتاباً آخر عن صناعة الرئيس فجاء المستشرقون إلى
بيعة الصديق رضي الله عنها فصوروها على أنها اغتصاب للسلطة أو تآمر بين ثلاثة من
كبار الصحابة هم والله أنقى البشر بعد الأنبياء والرسل وهم أبو بكر وعمر وأبو
عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين فزعموا أن هؤلاء الثلاثة تآمروا على أن
يتولوا الخلافة الواحد تلو الآخر.
وذكرت كذلك أنهم سموا المنافقين
بالمعارضة وغير ذلك من الإسقاطات التي تدل على سوء طوية وخبث وبعد عن المنهج العلمي.
(انظر كذلك عماد الدين خليل، دراسات إسلامية ص 167وما بعدها)
7-المنهج الانتقائي وإثارة الشكوك
في معطيات السنة والتاريخ:
عرف عن كثير من المستشرقين في
كتاباتهم حول السيرة النبوية الشريفة وحول التاريخ الإسلامي أنهم ينتقون بعض
الأحداث والقضايا ويكتبون عنها ويهملون غيرها كما أنهم يشككون في أمور من المسلمات
لدينا في التاريخ الإسلامي فمن ذلك أنهم كما قال د. محمد فتحي عثمان: "لقد
غالوا في كتاباتهم في السيرة النبوية وأجهدوا أنفسهم في إثارة الشكوك وقد أثاروا
الشك حتى في اسم الرسول صلى الله عليه وسلم ولو تمكنوا لأثاروا الشك حتى في وجوده..."(محمد
فتحي عثمان، أضواء على التاريخ الإسلامي ص 69)
8-التحريف والتزييف والادعاء:
قام
بعض المستشرقين بتحريف كثير من الحقائق التي تخص الإسلام ورسالته وتاريخه فمن ذلك
مثلاً أن بعضهم أنكر عالمية الإسلام وبخاصة فيما يتعلق برسائل الرسول صلى الله
عليه وسلم إلى الملوك والأمراء خارج جزيرة العرب كرسائله إلى هرقل والمقوقس وكسرى،
وإنكار عالمية الرسالة الإسلامية يظهر فيما كتبه جوستاف لوبون في كتابه تاريخ
العرب حيث زعم أن الرسول صلى الله عليه وسلم رأى أنه كان لليهود أنبياء وكذلك
للنصارى فأراد أن يكون للعرب كتاب ونبي. وكأن الرسالة والنبوة أمر يقرره الإنسان
بنفسه.
أما التزييف فأنقل ما أورده
الدكتور الديب عن رواية عن أموال الزبير بن العوام رضي الله عنه فقد أورد ديورانت
هذا الخبر:" وكان للزبير بيوت في عدة مدن، وكان يمتلك ألف جواد وعشرة آلاف
عبد..." والخبر كما أوردته المصادر الإسلامية الموثقة هو كالآتي:" كان
للزبير ألف مملوك يؤدون إليه خراجهم كل يوم، فما يُدخل إلى بيته منها درهماً واحداً،
يتصدق بذلك جميعه." وفي مناقشة الخبر أوضح الديب أن المستشرق أضاف ألف جواد
أقحمها في الخبر وليس لها أساس ثم إن في الخبر أن الزبير رضي الله عنه يتصدق بكل
دخلهم لا يدخل بيته منها شيء فلم يورده فهل هذا من الأمانة العلمية؟ (الديب مرجع
سابق، ص 115-116)
9-اعتماد مصادر غير موثوقة لدى
المسلمين:
من
العيوب المنهجية في الدراسات الاستشراقية أنهم يعمدون إلى المصادر غير الموثقة عند
المسلمين فيجعلونها هي المصدر الأساس لدراساتهم وبحوثهم ومن ذلك أنهم يرجعون إلى
كتاب مثل كتاب الأغاني للأصفهاني فيجعلونه مرجعاً أساسياً في دراساتهم
للتاريخ الإسلامي وللمجتمع الإسلامي، كما يعمدون إلى المراجع التي ضعفها العلماء
المسلمون أو طعنوا في أمانة أصحابها فيجعلونها أساساً لبحوثهم أو كان أصحاب تلك
المراجع منحازين إلى فئة معينة أو متعصبين.
تعليقات
إرسال تعليق