التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مركز استشراقي (راند Rand)



 دعوة انطلقت قبل عدة أعوام تنادي بدراسة الغرب دراسة جادة للإفادة من معطيات الحضارة الغربية، لفهم أسباب قوتها واستمرارها رغم كل إشارات وإنذارات الهبوط والتراجع والانهيار. أطلق البعض على هذه الدعوة (علم الاستغراب) ويحلو لي أن أطلق عليها (الاستشراق المضاد) لأن الغرب في بداية نهضته درس حضارة الأمة الإسلامية دراسة وعي واستيعاب وتعلم الكثير منها حتى انطلق في نهضته.
    وحتى تتبلور هذه الدعوة في أقسام علمية وكليات متعددة أعتقد أنه من العجز ألا نفعل شيئاً بتقديم ما يستطيعه الفرد من ملاحظات ونظرات لعلها إذا اجتمعت تقود من بيده الأمر إلى المساعدة في الإسراع في إنشاء هذه الأقسام أو هذه الكليات.
   وكما قيل بأن الألف ميل تبدأ بخطوة، وهذا المقال خطوة على الدرب حيث يتناول إحدى مؤسسات البحث العلمي في الولايات المتحدة الأمريكية أقدم تعريفاً بها وبأهدافها ونشاطاتها. ومصدر هذه المعلومات كتيبان صادران عن هذه المؤسسة.
    تأسست مؤسسة راند RAND كمشروع تحت مظلة شركة دوجلاس المتخصصة في الصناعات الحربية، ووضعت القواعد التي تضمن استقلاليتها، وأن تكون بحوثها ذات اهتمام بالأهداف طويلة المدى، ولها أن تحصل على المعلومات الاستخباراتية، ومعلومات التخطيط من سلاح الجو الأمريكي. وبالتالي تقدم تقاريرها وتوصياتها كما يقتضي البحث العلمي.
      وتركزت بحوث هذه المؤسسة على الموضوعات الحربية والتكنولوجية مثل: المحركات النفاثة، ومحركات الصواريخ، والوقود ذي الطاقة العالية والنظرية الإحصائية للرادار والفيزياء الفضائية.
       ولمّا كانت العلوم الفيزيائية غير كافية كحل فعّال لمشكلات وحيد لمشكلات الأمن القومي، ولا يمكن فصلها عن الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فقد سعت مؤسسة راند للاستعانة بخبراء مـن خارجها في التخصصات المطلوبة. ولوضع أسس للعلاقات بين خبراء المشروع مع المتخصصين من خارجه فقد عقدت ندوة عام 1947 استمرت ستة أيام لهذا الغرض. 
     وفي عام 1948 بدأت الخطوات الفعلية لتحويل المشروع إلى مؤسسة غير ربحية وتم اختيار مجلس أمناء لإدارتها، واختيار المسؤولين الكبار فيها. وكانت الميزانية المبدئية للاه لا تتجاوز ثلاثة ملايين وسبعمائة وخمسين ألف دولار. (3750000.00) وأصبحت ميزانيتها عام 1963 تزيد على عشرين مليون دولار.
             ومن الأسس المهمة التي شجعت البحث العلمي أكثر من مجرد استمرار الدعم المادي، الظروف التي عمل فيها الباحثون حيث إن الأفكار غير المألوفة والجديدة لم تكن في حاجة إلى موافقات موسعة من الهيكل الإداري، أو الإداريين الحكوميين واللجان المتخصصة. ومثل هذه البيئة الجذابة جداً للأشخاص المبدعين، وبالإضافة إلى الظروف الأخرى التي وفرتها المؤسسة فقد ساعد ذلك كله على تعدد المستفيدين من بحوث المؤسسة.
      ويتكون مجلس أمناء مؤسسة راند RAND شخصيات علمية وسياسية ورجال أعمال ورجال إعلام وأساتذة جامعات أذكر منهم على سبيل المثال: مستشار الدراسات الاستراتيجية والدولية، ورئيس مؤسسة التايم ورنر، ورئيس مجلس إدارة شركة سيتي كورب، ورئيس جامعة ستانفورد بكاليفورنيا (وهي من جامعات القمة في أمريكا) ورئيس معهد الطب بالأكاديمية القومية للعلوم، وأستاذ الإدارة بجامعة كاليفورنيا (لوس أنجلوس).
    وفي الكتاب الصادر عن المؤسسة عام 1993 نجد نماذج من البحوث التي أجرتها المؤسسة أذكر بعضها لنرى مدى اتساع موضوعات البحوث وشمولها مختلف المجالات: "صورة حياة المدينة الأمريكية: حيث تناول البحث تغير الحياة في المدينة الأمريكية منذ عام 1965، وما الذي لم يتغير، وهل تساعد سياسة الحكومة على تحسين الأحوال أو تؤدي إلى إفسادها وما الذي يمكن تعلمه من البرامج الحكومية السابقة وما الذي يمكن عمله مستقبلاً.
        وثمة بحث آخر بعنوان (إعادة تخطيط الدراسات العليا) وقد دعا إلى القيام بهذا البحث ازدياد الاهتمام بحالة الدراسات العليا في الجامعات الأمريكية حيث لوحظ أن المشكلات المادية في الجامعات أدى إلى تخفيض نسب القبول في الجامعات، وتقليص عدد المواد المقدمة وزيادة حجم الفصول وتأخير صيانة المباني، وتخفيض التزويد في المكتبات، كما إن من هموم الدراسات العليا أن نوعية الطلاب قد انخفضت، وكذلك لم تعد الدراسات العليا تستجيب لمشكلات الأقليات وأن تخريج العلماء والمهندسين لا يفي بالحاجة القومية.
       وثمة جانب آخر جديد لنشاطات المؤسسة وهو التعليم حيث تتعاون مع الجامعات في تقديم منح للدراسات العليا، ووضع برامج للحصول على الدرجات العلمية في مجالات البحث المختلفة.
      إن الحديث عن مثل هذه المؤسسة لا يكفي العديد من المقالات، ولكننا نتساءل كم عدد مؤسسات البحث العلمي المستقلة في عالمنا العربي الإسلامي؟ لا شك أننا في بداية الطريق، فمراكز البحوث موجودة لدينا، ولكن بعضها يدار بأسلوب يغلب عليه الروتين الإداري، والإجراءات الإدارية الطويلة.
      إننا بحاجة إلى من يدرس هذه المؤسسات دراسة علمية ميدانية يطلع عليها، ويعرف كيف تعمل، فإن لدينا الكثير من المشكلات في العالم الإسلامي ولا يمكن أن تستمر هكذا دون إجراء البحوث المستقلـة وإتاحة الفرصة للمفكرين والمبدعين من أبناء الأمة للعمل الجاد بدلاً من تركهم ليهاجروا إلى الغرب فنفقدهم مرتين؛ مرة بعدم الإفادة من عقولهم وعلمهم وإمكاناتهم والثانية بأن تصبح هذه العقول في خدمة دول أخرى لا تخفى مواجهتها لنا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

استعراض تاريخي موجز للتهديد الذي واجهته اللغة العربية

  المحور الأول استعراض تاريخي موجز للتهديد الذي واجهته اللغة العربية      لم يكن الاستعمار الغربي للعالم العربي مجرد احتلال عسكري يهدف إلى استغلال الأرض والموارد، بل كانت أهدافه أكثر من ذلك بكثير. كان يعني ربط هذه الدول بالغرب برباط أبدي من خلال مهاجمة الهوية ومكوناتها المختلفة. لأنني أمضيت سنوات عديدة في بحثي في تاريخ الجزائر الحديث وخاصة جمعية العلماء الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية بقيادة عبد الحميد بن باديس، اخترت الجزائر لتكون مجال الدراسة. (دراسة الحالة)      بذلت فرنسا جهوداً كبيرة لأكثر من مائة وثلاثين عاماً لإلغاء الهوية الجزائرية (وكذلك المغربية والتونسية) بوسائل عديدة سأعرضها بإيجاز في النقاط التالية. أما بالنسبة لمحاربة اللغة العربية فالأدلة كثيرة لدرجة أن الأمر يتطلب منا مئات الصفحات للتقرير. ومع ذلك سأقسم هذا القسم إلى الترجمات التالية: • استيعاب الإسلام وشيطنته • إلغاء السياسات الحكومية والعربية • فرق تسد أولاً: استيعاب الإسلام وشيطنته       يمكن اعتبار فرنسا رائدة في هذه السياسة في التاريخ الحديث. ما...