التخطي إلى المحتوى الرئيسي

السينما الغربية والحروب الصليبية


الإعلام سلاح خطير في الصراع بين الأيدلوجيات والأديان والاتجاهات الفكرية. والسينما إحدى أدوات الإعلام المهمة. لذلك حرصت الدول التي تزعم أنها كبرى أو عظمى أن يكون لها صناعة سينمائية مهيمنة وقوية وجبارة . وليس المقام مقام بحث علمي أكاديمي فالأفلام لديهم تتكلف عشرات ملايين الدولارات حتى إن بعض الأفلام يصل إلى مائة مليون دولار وزيادة. وأجور الممثلين هي أيضاً ذات أرقام ضخمة لا يستوعبها خيالنا في العالم الثالث، فهذه ممثلة تتقاضى عن دورها ستة ملايين جنيه أو دولار . وفي إحدى القضايا التي تراجعت فيها ممثلة عن دور تعاقدت على أدائه كان عليها أن تدفع غرامة تصل إلى تسعة ملايين دولار.
وها هو الغرب الذي يشنها صليبية حمراء على أرض الواقع لا ينكرها أحد يسعى إلى إنتاج فيلم عن الحملات الصليبية بعنوان "الصليبيون" ينتجه المنتج العربي ماريو قصار(من هو ماريو قصار؟) وبطولة الممثل شوارزنغر. وقد أوردت جريدة الحياة الخبر وتساءلت "ومن غير المعروف ما إذا كان الفيلم سيكشف عن التاريخ الصحيح للحملة (الحملات) وبشاعة المجازر التي ارتكبت أثناءها أو كيف سيتعامل مع العنصر العربي في الفيلم … وإما أن تكمل المسيرة الطويلة من تشويه الصورة العربية عى الشاشة على النحو الذي مارسته تلك السينما في أنواع مختلفة من الأفلام  من بينها تلك التي دارت حول مراحل التاريخ العربي" أ . هـ .
ويتردد في الأوساط السينمائية العالمية أن المخرج العربي العالمي مصطفى العقاد –صاحب فيلمي الرسالة وعمر المختار–كان ينوي إنتاج فيلم عن صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، يقوم الفيلم–كما حكت جريدة الحياة(ع11400 في 23/11/1414هـ)–يقوم على تقديم ذلك البطل العربي (المسلم) الذي أنقذ القدس من الغزو الصليبي على نحو يكشف للعين الغربية حقيقة الحرب الصليبية، وما جرى فيها من تجاوزات إنسانية تذكر بما يدور حالياً في البوسنة وترتبط بالوضع القائم في فلسطين وحق المسلمين في الاحتفاظ بالقدس كون الإسلام ضمن سلامة اليهود والمسيحيين فيها على حد سواء .
وتعرقلت جهود مصطفى العقاد لأسباب بعضها سخيف جداً حيث ذكرت الجريدة أن من أسباب "التلكؤ العربي" أو التخاذل أو التراجع هو أن البعض برر فتوره بأن صلاح الدين لم يكن عربياً بل شركسياً، بينما قال آخرون إنه كان شيعياً. وكانت مبررات البعض أن مثل هذه الأفلام لن يكون لها مردود تجاري فأصحاب الأموال يودون أن يستثمروا في مجالات تعود عليهم بالربح السريع
وتعود الصحيفة للحديث عن جهود ماريو قصّار وأنه أوشك الحصول على التمويل العربي لفيلمه وأنه استطاع استدراج الممول إلى أجواء الحياة الاجتماعية في هوليود ويوشك أن يوقع الاتفاق  ويستدرك كاتب الجريدة أن هذه المعلومات غير مؤكدة.
المهم هل سينتج الصليبيون الجدد فيلماً عن الصليبيين القدامى؟ وهل تظل الأموال الإسلامية بعيدة عن هذا المجال الحيوي. إنّ موقف الغرب المتخاذل في البوسنة والصومال وكشمير والفلبين وبورما إنّما هو نتيجة لجهود مئات السنين من الكتابات الاستشراقية التي حجرت عواطف الغرب ضد الإسلام والمسلمين وجعلتهم لا يرون لهم حياة إلاّ بالقضاء على المسلمين والشماتة بهم. وقد انطلقت السينما الحديثة من هذه الكتابات الاستشراقية فكان من أكبر أفلام هوليود المعاصرة فيلم لورنس العرب وما فيه من تشويه لصورة العربي المسلم وغير ذلك من الأفلام .
إن الحروب الصليبية لو أنتج فيلمها بصدق لأوضح مخازي الغرب ليس ضد العرب المسلمين وحدهم بل إن الحملة الصليبية الأولى لم تصل إلى البلاد الإسلامية لأنها انتهت في أوروبا وقد أطلق عليها حملة الرعاع والهمج فقد راحت أوروبا النصرانية نفسها ضحية لوحشية الصليبيين وهمجيتهم. والحملة الرابعة انتهت في القسطنطينية وقد عاثت في الأرض فساداً وخربت ونهبت وارتكبت من المجازر ما يجعل أوروبا في خزي وعار إلاّ بالتكفير عن ذلك في ارتكاب المجازر نفسها ضد المسلمين .
والحروب الصليبية إنما هي مقارنة صادقة لأوروبا المتخلفة البربرية مع العالم الإسلامي المتحضر حين ذاك . ومن شاء أن يرجع إلى صور صادقة جداً فعليه بكتاب أسامة بن منقذ عن الحروب الصليبية، وعنوانه: كتاب الاعتبار .
أما تراجع أصحاب الأموال العرب عن تمويل الفيلم لشكهم في أصل صلاح الدين فإنّ نزعته القومية العربية قد عفا عليها الزمن. إنّ العرب أمّة عظيمة لكن هذه العظمة ما تحققت إلاّ بالإسلام ولا يضير صلاح الدين إن لم يكن عربياً فهذه عظمة الإسلام الذي محى الفوارق بين الأجناس والأعراق. وكيف يكون شيعياً وهو الذي حوّل الأزهر إلى جامعة سنيّة. وهاهم يجعلون الصليبيين كلهم أبطالاً فلماذا نركز على شخصية صلاح الدين فالعالم الإسلامي قد أفاق ليرد على الصليبيين
إلى متى سنظل نماطل في مثل هذه المشروعات الحيوية…يا أصحاب الأموال إنّ الله سائلكم يوم القيامة عن أموالكم من أين وكيف فهل من مستجيب؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

حوار مع المستشرق برنارد لويس

               عندما شرعت في إعداد بحث الدكتوراه حول منهج المستشرق برنارد لويس كان لا بد من الإعداد للقائه، وقد زرته في مكتبه في جامعة برنستون التي كان قد تقاعد منها ولكنه كان يحتفظ بمكتب فخم كبير. وأجريت معه لقاءً مطولاً قدمت له فيه عدة أسئلة فأجاب عنها وسجلتها في آلة التسجيل ثم نسخت المادة وبعثتها إليه لتوثيقها. وتأخر كثيراً في توثيق الحوار وفي الأخير أرسل الحوار مطبوعاً كله ومعه رسالة اعتذار يبدي فيها أسفه للتأخر في الرد ولو لم أزعجه بالتعقيب لما اعتذر.        وفيما يأتي الأسئلة وإجابات لويس ثم تعليقي على الإجابات. وعلى الرغم من أنني ناقشت تلك الإجابات في طيات رسالتي للدكتوراه لكني هنا جمعت تلك التعليقات في مكان واحد. الأسئلة والإجابات:        لهذا الحوار قصة طريفة، فقد سبقه مراسلات بين الباحث والمستشرق، وقد اتسم رد لويس بالتردد والممانعة. كما إنه كال التهم جزافاً للباحثين والمؤرخين في دول العالم (غير الحر) من حيث عدم تمتعهم بما يتمتع به الباحثون في (العالم الحر) من حرية الرأي، وأن بح...