الجمعة، 9 يونيو 2017

السينما الغربية والحروب الصليبية


الإعلام سلاح خطير في الصراع بين الأيدلوجيات والأديان والاتجاهات الفكرية. والسينما إحدى أدوات الإعلام المهمة. لذلك حرصت الدول التي تزعم أنها كبرى أو عظمى أن يكون لها صناعة سينمائية مهيمنة وقوية وجبارة . وليس المقام مقام بحث علمي أكاديمي فالأفلام لديهم تتكلف عشرات ملايين الدولارات حتى إن بعض الأفلام يصل إلى مائة مليون دولار وزيادة. وأجور الممثلين هي أيضاً ذات أرقام ضخمة لا يستوعبها خيالنا في العالم الثالث، فهذه ممثلة تتقاضى عن دورها ستة ملايين جنيه أو دولار . وفي إحدى القضايا التي تراجعت فيها ممثلة عن دور تعاقدت على أدائه كان عليها أن تدفع غرامة تصل إلى تسعة ملايين دولار.
وها هو الغرب الذي يشنها صليبية حمراء على أرض الواقع لا ينكرها أحد يسعى إلى إنتاج فيلم عن الحملات الصليبية بعنوان "الصليبيون" ينتجه المنتج العربي ماريو قصار (من هو ماريو قصار ؟) وبطولة الممثل شوارزنغر. وقد أوردت جريدة الحياة الخبر وتساءلت "ومن غير المعروف ما إذا كان الفيلم سيكشف عن التاريخ الصحيح للحملة (الحملات) وبشاعة المجازر التي ارتكبت أثناءها أو كيف سيتعامل مع العنصر العربي في الفيلم … وإما أن تكمل المسيرة الطويلة من تشويه الصورة العربية عى الشاشة على النحو الذي مارسته تلك السينما في أنواع مختلفة من الأفلام  من بينها تلك التي دارت حول مراحل التاريخ العربي" أ . هـ .
ويتردد في الأوساط السينمائية العالمية أن المخرج العربي العالمي مصطفى العقاد – صاحب فيلمي الرسالة وعمر المختار – كان ينوي إنتاج فيلم عن صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، يقوم الفيلم – كما حكت جريدة الحياة (ع11400 في 23/11/1414هـ) – يقوم على تقديم ذلك البطل العربي (المسلم) الذي أنقذ القدس من الغزو الصليبي على نحو يكشف للعين الغربية حقيقة الحرب الصليبية، وما جرى فيها من تجاوزات إنسانية تذكر بما يدور حالياً في البوسنة وترتبط بالوضع القائم في فلسطين وحق المسلمين في الاحتفاظ بالقدس كون الإسلام ضمن سلامة اليهود والمسيحيين فيها على حد سواء .
وتعرقلت جهود مصطفى العقاد لأسباب بعضها سخيف جداً حيث ذكرت الجريدة أن من أسباب "التلكؤ العربي" أو التخاذل أو التراجع هو أن البعض برر فتوره بأن صلاح الدين لم يكن عربياً بل شركسياً، بينما قال آخرون إنه كان شيعياً . وكانت مبررات البعض أن مثل هذه الأفلام لن يكون لها مردود تجاري فأصحاب الأموال يودون أن يستثمروا في مجالات تعود عليهم بالربح السريع
وتعود الصحيفة للحديث عن جهود ماريو قصّار وأنه أوشك الحصول على التمويل العربي لفيلمه وأنه استطاع استدراج الممول إلى أجواء الحياة الاجتماعية في هوليود ويوشك أن يوقع الاتفاق  ويستدرك كاتب الجريدة أن هذه المعلومات غير مؤكدة .
المهم هل سينتج الصليبيون الجدد فيلماً عن الصليبيين القدامى؟ وهل تظل الأموال الإسلامية بعيدة عن هذا المجال الحيوي . إنّ موقف الغرب المتخاذل في البوسنة والصومال وكشمير والفلبين وبورما إنّما هو نتيجة لجهود مئات السنين من الكتابات الاستشراقية التي حجرت عواطف الغرب ضد الإسلام والمسلمين وجعلتهم لا يرون لهم حياة إلاّ بالقضاء على المسلمين والشماتة بهم . وقد انطلقت السينما الحديثة من هذه الكتابات الاستشراقية فكان من أكبر أفلام هوليود المعاصرة فيلم لورنس العرب وما فيه من تشويه لصورة العربي المسلم وغير ذلك من الأفلام .
إن الحروب الصليبية لو أنتج فيلمها بصدق لأوضح مخازي الغرب ليس ضد العرب المسلمين وحدهم بل إن الحملة الصليبية الأولى لم تصل إلى البلاد الإسلامية لأنها انتهت في أوروبا وقد أطلق عليها حملة الرعاع والهمج فقد راحت أوروبا النصرانية نفسها ضحية لوحشية الصليبيين وهمجيتهم . والحملة الرابعة انتهت في القسطنطينية وقد عاثت في الأرض فساداً وخربت ونهبت وارتكبت من المجازر ما يجعل أوروبا في خزي وعار إلاّ بالتكفير عن ذلك في ارتكاب المجازر نفسها ضد المسلمين .
والحروب الصليبية إنما هي مقارنة صادقة لأوروبا المتخلفة البربرية مع العالم الإسلامي المتحضر حين ذاك . ومن شاء أن يرجع إلى صور صادقة جداً فعليه بكتاب أسامة بن منقذ عن الحروب الصليبية، وعنوانه : (كتاب الاعتبار) .
أما تراجع أصحاب الأموال العرب عن تمويل الفيلم لشكهم في أصل صلاح الدين فإنّ نزعته القومية العربية قد عفا عليها الزمن. إنّ العرب أمّة عظيمة لكن هذه العظمة ما تحققت إلاّ بالإسلام ولا يضير صلاح الدين إن لم يكن عربياً فهذه عظمة الإسلام الذي محى الفوارق بين الأجناس والأعراق. وكيف يكون شيعياً وهو الذي حوّل الأزهر إلى جامعة سنيّة. وهاهم يجعلون الصليبيين كلهم أبطالاً فلماذا نركز على شخصية صلاح الدين فالعالم الإسلامي قد أفاق ليرد على الصليبيين
إلى متى سنظل نماطل في مثل هذه المشروعات الحيوية … يا أصحاب الأموال إنّ الله سائلكم يوم القيامة عن أموالكم من أين وكيف فهل من مستجيب ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق