السبت، 3 يونيو 2017

نظرة إلى كتاب "تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي ج1 ط8 (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية) 1972 – تأليف د. حسن إبراهيم حسن

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خلق الإنسان ووهبه العقل وأرسل إليه رسله ليهدوه سواء السبيل، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فكتابة التاريخ أمانة في أعناق من حملوها أمام الله والناس، فإن هم سلموا من نقد البشر فالله بهم عليم وعليهم رقيب، ويرحم الله المؤرخ المسلم الإمام الطبري حيث يقول لزوجه حين اشتكت طول سهره، وكده المجهد في كتابة التاريخ: "إني إذا أكتب الكلمة أعلم أن الله محاسبي عليها".
نعم إن المؤرخ الصادق هو الذي يكون نزيهاً فيما يكتب، صادقاً مع نفسه ومع الناس، وهو الذي لا يألو جهداً في تمحيص وتدقيق كل ما يقع تحت يديه من الأخبار ولا يضمها إلى كتبه إلا بعد أن يكون موقفا غاية اليقين بأنه قد بذل غاية جهده فيما كتب.
هذا ولم تخط كتابة التاريخ الإسلامي في مدارسنا حتى الآن بالاهتمام الكافي بالرغم من المؤتمرات التي عقدت لبحث هذا الأمر. فما زال كتاب التاريخ الذي يدرس في جامعاتنا بحاجة لأن تعاد كتابته وفقا للمنهج الإسلامي. ولعلنا نجد في ما كتبه شهيد الإسلام سيد قطب رحمه الله بعض الإرشادات. ومع ذلك فما زالت تقرر في جامعاتنا بعض الكتب المشوبة "بأفكار المستشرقين المليئة بالكيد والدس للإسلام وتاريخه".
ففي كتاب "تاريخ الإسلام السياسي و الديني والثقافي والاجتماعي" لمؤلفه حسن إبراهيم حسن وجدت كثيراً من الفقرات التي قد يمر بها الطالب دون أن يدرك مغزاها البعيد الذي يناقض الإسلام ويعاديه. فبيّنا كنت اقرأ هذا الكتاب واستذكره للامتحان بكلية الآداب – قسم التاريخ بجامعة الملك عبد العزيز – سنة أولى انتساب عام 1394 (1395هـ) ومع نظري على الأشياء التالية أنقل بعضها هنا مع تعليق مختصر جداً راجياً أن يقوم المسؤولون عن تدريس هذا الكتاب في الجامعة عن تدريس هذا الكتاب في الجامعة باتخاذ ما يلزم نحوه من استبداله بمذكرات لتلاقي التشويه المقصود لتاريخ الإسلام حتى يقيض الله لهذه الأمة من يحسن كتابة تاريخها في صورة عصرية.
كما أجد من المناسب أن أذكر هنا أن المؤرخين الغربيين ينظرون إلى التاريخ نظرة مادية بحتة مستبعدين الروح من كثير من الحوادث مع ثبوتها بالقرآن الكريم والسنة المطهرة، وكما أثبتها المؤرخون المسلمون في مؤلفاتهم. فإن كانوا لا يؤمنون بالقرآن والسنة مصدراً من مصادر التاريخ فكيف يقبلون التوراة والإنجيل كذلك؟ هل هذا لأن الغرب حين حارب الكنيسة ولذلك لا نجد غير التفسيرات المادية لكثير من حوادث التاريخ التي قامت فيها العوامل الربانية بدور كبير مثل تهدم سد مأرب، وما حدث في قصة الطوفان، أو غزوة بدر حين أعان الله جنوده بالملائكة وفي عيرها من الغزوات.
ولأنتقل الآن إلى بيان الفقرات التي وجدتها في مقرر التاريخ الإسلامي للسنة الأولى قسم تاريخ في كلية الآداب بجامعة الملك عبد العزيز بجده وهي كما يلي:
أولاً: يقول المؤلف في الصفحة التاسعة: "ولما أخذت بلاد اليمن في الانحطاط، وعجز أهلها عن إصلاح السد الذي أقامه أسلافهم لحفظ المياه، وانكسر السد، عرفت بلادهم، وتفرقوا أيدي سبأ في شتى أنحاء الجزيرة العربية".
فهو هنا لم يرجع أسباب انهيار السد لطغيانهم وعصيانهم أوامر ربهم، بل للأسباب التي ذكرها مهملاً ما ذكره القرآن في ذلك ""لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له، بلدة طيبة ورب غفور، فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل، ذلك جزيناهم بما كفروا، وهل نجازي إلا الكفور" سبأ 15 – 17.
ثم يعاود الحديث عن السر في الصفحتين السابعة والعشرين والثامنة والعشرين، ومع أنه يذكر أن القرآن تحدث عن تهدم سد مأرب على أنه عقاب من الله إلاّ أنه يجعل ذلك شيئاً ثانوياً بعد أن يورد أقوال المستشرقين على أنها القول الفصل في تهدم هذا السد. فيقول المؤلف: "ويظهر أنه لما تطاولت الأزمان على هذا السد وأهله الملوك، تصدعت جوانبه ولم يعد يحتمل تدفق السيول والمياه الكثيرة المحجوزة خلفه، فانكسر وفاضت المياه على ما حوله من القرى والمزارع فأتلفها."
وقد ذكر أوليرى أن انكسار سد مأرب حدث تاريخي لا ريب فيه، وأن القرآن الكريم وصف هذا الحدث بأنه عقاب أنزله الله هل سبأ".
ثانياً: الباب الثاني البعثة النبوية.
يقول المؤلف في الصفحتين الخامسة والسبعين والتي تليها: "وقد اتسعت معرفته وتجربته بما شاهد من أحوال بلاد الشام وطرق التعامل وأخلاق الناس ومظاهر الحياة في البيئة الرومانية، كما وقف على أساليب الناس في البيع والشراء مما كان له أعظم الأثر في التشريعات بعد الرسالة". فهل حقاً هناك ما يربط بين معرفته بأحوال الشام والاتجار فيها بالتشريع بعد البعثة؟ لعل هذا تمهيداً للقول بأن الشريعة الإسلامية اعتمدت على التشريعات الرومانية.
وحين يتحدث المؤلف عن الهجرة إلى المدينة وتأسيس الكيان الإسلامي ودولته وجدها فرصة ليقول "وعلى هذه الصورة أصبح الإسلام، ولو من الوجهة النظرية على الأقل – كما كان دائماً – نظاماً سياسياً بقدر ما هو نظام ديني". صفحة ثلاثة ومئة.
والحق إن الإسلام كان نظاماً سياسياً ودينياً في ذلك الوقت فعلياً، ولو لم يكن كذلك في ذلك الوقت فمتى يكون؟
وفي الصفحة الرابعة بعد المئة يتحدث المؤلف عن توحيد كلمة العرب وأن الذي ساعد الرسول في تحقيق ذلك "تلك المساواة التي جاء بها الإسلام وتلاشت أمامها هذه الفوارق الجنسية التي مزقت شمل العرب. وليس أدل على تلك الديمقراطية من قوله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم" وسؤالي كيف ينزل بمستوى الدين السماوي العظيم إلى الديمقراطية البشرية، والكل يعرف أن لله المثل الأعلى.
وفي الصفحة الخامسة بعد المئة يقول عن الغزوات: "فلما فرغ الرسول من توحيد كلمة العرب حوّل همته إلى نشر الإسلام خارج المدينة وحينئذ بدأت الغزوات".
والسؤال وما مكانة غزوة بدر وأحد والخندق وتبوك ؟ وهذه كلها قبل توحيد الجزيرة، بل هي في سبيل توحيد الجزيرة. ففي جملة المؤلف أيضاً ما يوحي بأن انتشار الدعوة كان عن طريق الغزوات، ونحن نعلم أن الغزوات كانت ضرورية لنشر الإسلام بالسلم.
وفي حديث المؤلف عن الجهاد وأغراضه في الصفحة نفسها نجد أنه سطحي إلى أبعد درجة، فهو لا يتعمق في فكرة الإسلام ولا في نهجه ولا في الدوافع للجهاد ولا كيف كان العالم حينئذ وكيف أصبح بالإسلام.
ونواصل مع المؤلف في حديثه عن مغازي الرسول ففي صفحة عشرين ومئة وحديثه عن غزوة الأحزاب يقول "وفي تلك الأيام التي عصفت الطبيعة بمعسكر قريش واضطرتهم إلى الجلاء" والحق إن الطبيعة لا تفعل فإنما فعل ذلك رب العباد لينصر جنده ويهزم الأحزاب وحده. وفي ذلك يقول الله عز وجل "وردّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قوياً عزيزاً" الأحزاب: 25.
كذلك تحدث المؤلف عن زواج الرسول من زينب بنت جحش رضي الله عنها في الصفحة ستمئة وثمانين ومائة قائلاً: "على أننا نرى في زواج الرسول بزينب بنت جحش مثلاً أعلى من مثل الديمقراطية التي امتاز بها الإسلام" فلماذا يصر المؤلف على استعمال هذه الكلمة حين نعلم إنها كلمة يونانية ولا تعنى مطلقاً الحكم الأمثل، وهذا الحكم هو الإسلام الذي نزل من عند الله. أهذا تملق للغرب الجاهل ؟



ثالثاً الباب الرابع – الخلفاء الراشدون
وهنا نجد المؤلف يتحدث بألفاظ المستشرقين وقلوبهم ليصف الرجل الذي ما طلعت الشمس ولا غربت على أفضل منه – بعد النبيين – أبو بكر الصديق ، كما وصفه الرسول . فماذا يقول المؤلف: "وجه أبو بكر همه بعد ذلك إلى إخماد الفتن والثورات الداخلية ليشغل العرب بالحروب الخارجية، لأنها كانت تفي بما أمر به الدين من نشر الإسلام من جهة، ولأنها كانت من جهة أخرى استغلالاً لصالحاً لما جبل عليه العزبي من حب القتال...".
إذن كانت الحروب الخارجية في نظر المؤلف لنشر الإسلام كما أمر الدين، والأمر الثاني إنها استغلال صالح لما جبل عليه العربي من حب القتال. فهل هناك مغالطة أشنع من هذا، الإسلام الذي لا يكره أحداً على اعتناقه بنص القرآن "لا إكراه في الدين" والعربي الذي ما كان يطمع في أكثر من قوت يومه يحارب كسرى وقيصر لأنه جبل على حب القتال. لماذا لم تظهر هذه المواهب قبل أبي بكر رضي الله عنه.
ويقول في صفحة أخرى (217): "فوجد أبو بكر في الأمة العربية الفتية المولعة بالحرب المتقشفة في طعامها ولباسها مع ما عليه رجالها من شدة الإيمان والحرص على الاستشهاد في سبيل نصرة الدين خير معين للقضاء على هاتين الدولتين" [الفرس والروم].
لقد قدّم المؤلف هنا ولع الأمة العربية بالحرب على الإيمان، وهل كان ولع العرب بالحرب يخلق فيهم الجرأة على مناجزة الدولتين لو لم يسبقه الإيمان؟ هذا ويكرر المؤلف استخدام اصطلاح الدولة العربية في مكان الدولة الإسلامية كما في هذه الصفحة [217] على سبيل المثال لا الحصر.
فتح فارس:
يحاول المؤلف هنا أن يبرر فتح المسلمين لفارس بأسباب منها تولي ملك حديث السن هو يزدجر الثالث. عليها فيقول: "وكان قد جلس على سرير الملك وعمره إحدى وعشرين سنة، فقوى حينئذ طمع العرب في غزو هذه البلاد، وساعد على ذلك ما كان الرسول يعدهم به من امتلاك كنوز الأكاسرة" ص219.
كان من الأجدر بالمؤلف أن يقول: أراد المسلمون نشر الدعوة الإسلامية ورفع راية الإسلام، وقمع الظلم والاستبداد الذي يعيش تحت نيرانه أهل فارس وغيرها، ومما ساعدهم على ذلك حداثة سن يزجرد الذي نُصِّب ملكاً على البلاد وهو في الواحدة والعشرين ومما قوى عزيمة المسلمين وشحذ همتهم وعد الرسول لهم بالاستيلاء على كنوز الأكاسرة وتلوح لي هنا ملاحظة أن الحديث عن فتح بلاد فارس كان حديثاً مقتضباً لا يهمه منه إلا من ولي القيادة وكيف فتحت بلاد كذا وكذا، وما تم فيها من أسر وقتل دون الالتفات إلى عظمة القادة المسلمين وما أظهروه من صنوف الشجاعة والتضحية في سبيل رفع كلمة الله عاليا، وما تحلو به من إعراض عن الدنيا وطمع فيما عند الله من ثواب، كذلك ما لاقاه المسلمون من مقاومة عنيفة في فتح هذه البلاد. ومن ثم ما كان لرسالتهم من أثر في هذه البلاد.
يؤيد ما ذكرناه الدس الذي يمارسه المستشرقون الذين تتلمذ أبنائنا عليهم واعتماد آرائهم دون تحليلها والنظر فيها. فالدكتور حسن إبراهيم حسن هو تلميذ توماس آرنولد صاحب كتاب "الدعوة إلى الإسلام" وقد ترجم التلميذ كتاب أستاذه إلى اللغة العربية وأخذ يستقي منه المعلومات. ففي الحديث عن دخول الفرس الدين الإسلامي يقول توماس  آرنولد: "على أن سكان المدن وخاصة الصناع وأصحاب الحرف وأهل الطبقة العاملة رحبوا بالدين الإسلامي واعتنقه عدد عظيم منهم في حماسة كبيرة وذلك لما تتطلبه أعمالهم (تسطيري) من تركهم ديانة في زرادشت، وتقبيح عبادة النار والأرض والماء، وهم الذين كان ينظر إليهم باحتقار وازدراء ولما يترتب على اعتناقهم الإسلام من تركهم أحراراً ومساواتهم في المذهب الديني" ص225 عن الدعوة إلى الإسلام ص237 – 238.
وأقول ألم يتبع هؤلاء الإسلام لأنه دين الفطرة، وأقرب إلى الفهم والمنطق وتتمثل فيه المساواة الحقة والعدالة والمحبة.
ثم يقول آرنولد فيما اقتبسه منه مؤلف الكتاب: "فوجدوا السبيل ميسوراً لما بين مذهبهم الجديد ومذهبهم القديم من أوجه الشبه الكثيرة، فالفارسي يستطيع أن يجد في القرآن كثيراً من التعاليم الأساسية في ديانته القديمة وإن كان ذلك بصورة مختلفة كثيراً". فهنا يوجد تناقض فكيف يكون هناك أوجه شبه كثيرة ولكن بصورة مختلفة، ثم كيف يتشابه دين التوحيد مع الوثنية وكيف يتشابه دين الله مع ما وضعه البشر ؟
صور أخرى من التحريف:
1-    يقتبس المؤلف من كتاب سيد أمير على "مختصر تاريخ العرب" بأن عثمان بن عفان كان يتصف بضعف الإرادة وعدم القدرة على الاضطلاع بأعباء الحكم رغم نزاهته وفضائله الكثيرة" ص269.
2-    يقول المؤلف: "على أن السلطة السياسية جاءت عرضاً لأن الغرض الأول الذي بعث الرسول من أجله إنما كان نشر الدعوة إلى الإسلام" إن هذا القول تكرار لافتراءات علي عبد الرازق في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" فالسلطة السياسية لم تكن عرضاً وإنما هي دائماً من الأمور الأساسية في الدين الإسلامي.
وأخيراً نجد المؤلف يقتبس حرفياً من كتاب "الدعوة إلى الإسلام" دون ذكر المصدر ودون وضع علامات الاقتباس وإليك بعض هذه الحالات:
أ‌-     في صفحة 92 نقرأ النص: "ولا يبعد أن يكونوا نزحوا..." منقول من صفحة 42 من كتاب آرنولد.
ب‌-  في الصفحة 95 النص التالي: "وكان سعد بن معاذ وأسيد بن حضير..." وفي آخر النص يشير إلى صفحات مختلفة من كتاب الدعوة إلى الإسلام.
كتبه مازن صلاح مطبقاني
25/4/1408هـ
هذه الصفحات كتبت عام 1394/1395هـ(1974/1975م) حين كنت في السنة الأولى في الجامعة وقد أعدت كتابتها بتصرف بسيط جداً.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق