الأحد، 9 أبريل 2017

مكالمة بعد منتصف الليل ودعوة إلى مؤتمر


    فتحت أحد دفاتري التي أدون فيها بعض تفاصيل رحلاتي وسفري ومؤتمراتي فوجدت بعض الأبيات الشعرية دون أن أشير إلى الشاعر فاستشرت العم جوجل  فأعطاني المعلومة وهي أن الأبيات للعلامة إقبال رحمه الله فها هي أبدأ بها قبل أن أكمل الحديث عن المكالمة الهاتفية
والطير صادحةُ .. على أفنانها ..  تبكي الربى بأنينها المتجددِ

قد طال تسهيدي .. وطال نشيدها ومدامعي كالطل في الغصن الندي

فإلى متى صمتي .. كأني زهرةٌ   خرساء ..لم ترزق براعة منشدِ ..

قيثارتي .. مُلئت .. بأنات الجوى         لا بد للمكبوت من فيضانِ
بعد منتصف الليل تلقيت مكالمة هاتفية من المجلس الشعبي البلدي يدعونني أن أشارك في الندوة الدولية حول أثر جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الحياة السياسية والثقافية في الجزائر. وسبب تأخر المكالمة الفرق في التوقيت بين الجزائر التي يمكن أن تكون أحياناً وفقاً لتوقيت جرينتش أي يكون الفرق ثلاث ساعات. ومن العادة أن يخشى الإنسان في عالمنا العربي طارق الليل إلاّ طارقاً يطرق بخير. ولكن الخوف  هو الأغلب وليس طارق الليل ولكن صار عندنا طارق ما قبل الفجر.
اخترت موضوع (العلماء المسلمون الجزائريون: مواقف سياسية مؤثرة) وقدمته لزميلي الدكتور أحمد الخرّاط لمراجعته فكان مما كتبه تعليقاً:" حار اللهجة، ويصلح لمجلة جماهيرية وليس لمجلة علمية" ومع احترامي الشديد لرأي الدكتور الخراط وهل لا يصلح في المجلة العلمية اللهجة الحارة أو حتى الحادة أو العنيفة؟
ومرة أخرى لم تصل التذكرة كما وعدوا فاشتريت تذكرة من الخطوط السعودية على حسابي ، وسافرت إلى الجزائر ونسيت الآن كيف انتقلت إلى قسنطينة فربما كان بالطائرة. لكن قدمت ورقتي في المؤتمر وفي ختام المؤتمر طلب منّي أن ألقي كلمة الضيوف.  فحمدت الله عز وجل وقلت إنني لست من أرباب هذا المقام ولكن أشكركم على اختياري فلا أعرف تنميق الكلام والخطابة،ثم أشدت بالملتقى وموضوعه وما قيل فيه.
ودعي المشاركون إلى مكتب رئيس المجلس الشعبي البلدي المضيف وكان رأيي أنه كان الأولى به أن يلتقي بنا في  الفندق أو مقر إقامتنا. فطلب مني أن أقول كلمة كما طلب مني أن أتحدث للتلفزة الجزائرية لمحطة قسنطينة وتحدثت قليلاً وكانت أول مرة أقف أمام الكاميرات أو الأنوار الساطعة. وبعد هذا أجرى شابان من صحيفة الشعب لقاءً معي.
ونظراً لطرافة الموضوع الذي قدمته فأحب أن اثبت هنا بعض العبارات التي وردت في المقدمة ومن الطريف أنني قدمته إلى مجلة جامعة الإمام دون أن أدرك أنه من المستحيل  نشر مثل هذا الكلام وإليكموه:
ولما ابتعد العلماء عن الساحة أصبحت القيادة في يد مجموعة من الزعماء العلمانيين الذين صاغهم الاستعمار والغزو الفكري الذين أخذوا يطالبون بحقوق الجماهير، ويطالبون أن تكون الأمة مصدر السلطات، وأن يكون للحاكم حدود يلتزم بها ولا يتجاوزها.([1])
     وحين أصبحت القيادة في يد هؤلاء فإن من حقنا أن ندعو العلماء للعودة إلى القيادة بعد أن يستعدوا لها و يبغونها لوجه الله لا لمطمع دنيوي أو مصلحة شخصية.  وسيكون الحديث في هذا البحث عن ثلاثة علماء هم : الشيخ عبد الحميد بن باديس ([2])، والشيخ البشير الإبراهيمي ([3]) والشيخ الطيب العقبي.  ([4]) نذكر بعضاً من مواقفهم العلمية والقولية مما يساعدنا على فهم موقف العلماء في الكفاح ضد الاحتلال الفرنسي ومن العمل السياسي بعامة.
    لئن ابتعد العلماء المسلمين من ذوي الاختصاص في العلوم الشرعية عن السياسة في القرن الأخير ، فإن لنا في ماضي هذه الأمة ما يؤكد لنا ممارستهم للسياسة بكل ما تعنيه هذه الكلمة. ألم يكن الإمام السنوسي رحمه الله يعمل مع تلاميذه - ولا أبالغ إن قلت النخبة من شعبه - يوماً في مزارع الزاوية وفي يوم ثان يتعلمون صناعة من الصناعات ، وفي يوم ثالث يتدربون على الفروسية والقتال ([5]). ألَم يؤسس الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله جمعية التربية والتعليم بقسنطينة ويلحق بها مصنعاً للنسيج ، ويثبت في نظامها الأساسي تعليم الصنائع وإرسال بعض أبنائها إلى المعامل الكبرى للتعلم والتدريب .([6])
    وقد يبدو للبعض أن العلماء قد ابتعدوا عن السياسة والعمل فيها لأن السياسة قد أضحى لها مفهوم عجيب، لأننا أخذنا هذا المفهوم من اللغات الأوروبية التي تربط السياسة بالخداع والغش والكذب والمناورة. وننقل هنا ما استشهد به أحمد لطفي من كلام أحد المفكرين الغربيين:" إن أدب السياسة الدولية هو أدب القرصان، أدب الخداع...فأين أدب السياسة والسياسيين ،وإلى أي شيء مرده ، إلى محكمة الضمير وقد جرى العرف على أن السياسة لا ضمير لها.([7]) ولنلتفت الآن إلى تعريف لفظ السياسة في اللغة العربية فهي تدل على الرعاية والاهتمام والمداراة .وقد جاء في لسان العرب أن كلمة سياسة معناها القيام على الشيء بما يصلحه([8]). وقد عرفها المقريزي في خططه أنها " القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال." ([9])وقال أبو البقاء :" السياسة استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي في العاجل والآجل."([10]). وأما زعمهم أن السياسة هي فن الغش والكذب فليس في حياة المسلم أي مكان لذلك حتى إن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بالصدق وحث عليه و حذّر من الكذب في أحاديث كثيرة منها قوله صلى الله عليه وسلم ( وعليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وما زال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار وما زال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذّابا)([11]).
    وقد أصبحت السياسة في عصرنا علماً مستقلاً له مناهجه وبحوثها المختلفة ، وتطورت المفاهيم وتعقدت حتى إن تعرف السياسة أصبح هو الآخر يعكس هذا التطور والتعقيد، وفي ذلك يقول أحد الباحثين إنّ السياسة أو مفهوم السياسي بأنه: "مجموعة العلاقات التي تتناول الحكم والسلطة."([12]) ويعرض هذا الباحث لأقوال العلماء الغربيين من أرسطو وماكس فيبر وغيرهما ويضيف قائلاً:" إن السياسة إنما تتعلق أساساً بالأفكار و المبادئ اللتين تكونان الجسم (العقدي) الذي يصنع القرارات في داخل الجماعة ، وبما يتضمنه من مؤسسات سياسية رسمية وغير رسمية والتي يناط بها ممارسة المسؤوليات العامة."([13])
 الحواشي
[1] -قطب ، المرجع السابق ص 329
[2] - عبد الحميد بن باديس هو عبد الحميد بن محمد بن المصطفى بن مكي بن باديس ،ولد بقسنطينة في 11 ربيع الثاني 1307 الموافق 4 ديسمبر 1889، من عائلة عريقة في الحسب والنسب ،تلقى تعليمه الأولي في قسنطينة على أيدي الشيخ محمد الماداسي حيث حفظ القرآن الكريم .وتلقى اللغة العربية والفقه على الشيخ حمدان الونيس .ثم توجه إلى الزيتونة وهو في الثالثة عشرة من عمره حتى نال شهادة التطويع .عاد إلى الجزائر وبدأ التدريس في الجامع الكبير ثم الجامع الأخضر ومسجد سيدي قموش .شارك في الكتابة بجريدة النجاح ثم لمّا وجدها لا تتحمل نشر فكره أنشأ جريدة المنتقد عام1925 .انتخب رئيساً لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين عند تأسيسها سنة 1349هـ(1931م) وظل رئيساً لها حتى وفته في 9 ربيع الأول 1359هـ الموافق 16 أبريل 1940 م.
[3] - الشيخ البشير الإبراهيمي ولد في أولاد سيدي إبراهيم شرق الجزائر عام 1889م (1307) تلقى تعليمه في بلده على يد والده وعمه ،ثم هاجر مع والديه إلى المدينة المنورة عام 1329هـ(1911م) وفي المدينة المنورة أكمل تعليمه . غادر المدينة المنورة إلى سوريا عام 1334(1916) حيث ازداد علما ،كما بدأ في إلقاء الدروس العلمية في الجامع الأموي .عاد إلى الجزائر عام 1920م،وبدأ حركته العلمية .عندما تأسست جمعية العلماء كان نائبها في الغرب الجزائري ومقره تلمسان .تولى رئاسة الجمعية بعد وفاة ابن باديس وظل رئيساً لها حتى انضمت إلى جبهة التحرير الوطني ، وكان ممثل الجبهة في المشرق ، وعاد إلى الجزائر بعد استعادة الاستقلال ،توفي عام 1386هـ) 1966م)
[4] - الطيب العقبي :هو الطيب بن محمد بن إبراهيم العقبي ولد في بلدة سيدي عقبة  في شوال 1307( 1890) هاجر مع أسرته إلى المدينة المنورة وهو ابن خمس أو ست سنوات ،تلقى تعليمه في الحرم النبوي الشريف حتى أصبح معلّماً فيه .نفاه الأتراك لاتهامه بتأييد القومية العربية ،عينه الشريف حسين بعد عودته من المنفى محرراً في جريدة القبلة .عاد إلى الجزائر عام 1327هـ(1920) ليعمل في مجال الإصلاح سواءً بالخطابة أو الكتابة .أسس جريدة صدى الصحراء وجريدة الإصلاح  ، وكان من الأعضاء المؤسسين لجمعية العلماء المسلمين واختير ليكون ممثلها في العاصمة.
[5] -لوثروب ستودارد. حاضر العالم الإسلامي .ترجمة عجاج نويهض .م 2 ،ص 163-164.
[6] -عمار الطالبي ، ابن باديس حياته وآثاره ، م1 ص 114.
[7] -أحمد لطفي السيد .قصة حياتي ،ص 200 نقلاً عن ألدوس هسكلي ، وللتوسع في هذه النقطة انظر مكيافيللي .الأمير والمطارحات السياسية وغيرها.
[8] -ابن منظور الإفريقي .لسان العرب .م6 ص108 مادة  سوس.
[9] -المقريزي .الخطط. ج2 ص220-221
[10] - أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوى .الكليات :معجم في المصطلحات والفروق اللغوية. نقلاً عن سعدي أبو حبيب .دراسة في منهاج الإسلام السياسي .(بيروت:1406-1985)ص 440.
[11] -البخاري كتاب الأدب.
[12] -إبراهيم درويش.علم السياسة .ص 23.
[13] - المرجع نفسه


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق