الأحد، 12 مارس، 2017

رحلتي مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين المباركة


        كان عليّ أن أقدّم اقتراحاً لرسالة الماجستير في التاريخ الحديث في جامعة الملك عبد العزيز بجدة عام 1402هـ (1982م) فاخترت موضوع (ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق عام 1941م في الوثائق البريطانية) وانتظرت قرار القسم فطال الانتظار وكنت قد بدات في جمع المادة العلمية، وأخيراً نطقوا وليتهم ما، فقالوا الموضوع فيه تدخل في شأن بلد عربي آخر، فقبلت الهزيمة العلمية الأولى في حياتي الجامعية ، وهنا تدخل الدكتور لؤي يونس البحري (عراقي) عمل في الجزائر زمناً فقال ما رأيك في موضوع (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية قبل الحرب العالمية الثانية) وأضاف إنها لم تدرس حقّاً حتى في الجزائر. فوافقت على الفور وأمضيت أياماً في المكتبة (الفقيرة جداً في مراجعها، لعدم قيام وزراء الثقافة العرب بواجبهم) ولكنني أعددت الخطة وتمت الموافقة عليها.
        كان لا بد من زيارة المكتبات في مصر والجزائر، أمّا مصر فلم أجد فيها بُغيتي لقلة المساعد والمرشد فكان علي أن أنطلق إلى الجزائر، وكنت موظفاً في الخطوط السعودية فكان ثمن التذاكر لا يُثقل كاهلي فأحصل عليها بالمجان ولكن السفر كما قالت السيّدة عائشة رضي الله عنها قطعة من سقر وكما قال الرسول صلّى الله عليه وسلم (وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " السفر قطعة من العذاب ، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه ، فإذا قضى نهمته من وجهه فليعجل إلى أهله " . متفق عليه . كما أن الجزائر ليس بلداً سياحياً وبخاصة للعرب ولكن حتى عموماً فالفنادق محدودة والمواصلات صعبة والنفوس ليست متعودة على الأغراب وبخاصة سياح العلم.
        فكانت رحلتي الأولى عام 1403 في شهر شوال فنزلت في الأوراسي بتخفيض في السعر لأنني موظف طيران وشاء الله أن أتعرف إلى أستاذ مصري فيساعدني في التعرف على الأستاذ عبد الوهاب حمّودة فدُعيت لأحضر ملتقى الفكر الإسلامي السابع عشر وكان عن الاجتهاد في الإسلام. فها أنا حضرت لأتعرف على جمعية العلماء ودورها الوطني فأحضر مؤتمراً عن الاجتهاد فأسمع كثيراً من المحاضرات العلمية في الشريعة، كما كانت الفرصة للقاء عدد كبير من العلماء ومنهم الشيخ حمزة بوكوشة وعلي المغربي ومحمد الصالح صدّيق ومحمد الصالح رمضان ومحمد خير الدين، وأحمد الشرفي الرفاعي وأحمد بن دياب (رحم الله من مات منهم وحفظ من كان حيّاً) وكان من ضمن البحث أن أجري مقابلات مسجلة معهم فتعلمت عن الجمعية وتعلمت عن الإسلام.
        وكانت المحطة الثانية والأهم في رحلتي مع الجمعية أنه كان من المطلوب أن أعود إلى ملفات رجال الجمعية وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس والإبراهيمي وغيرهما وكذلك صحف الجمعية والصحف الإصلاحية وحتى بعض الصحف الأخرى فكانت فرصة عظيمة أن أتعرف إلى فكر العلماء والقضايا التي كانوا يكتبون فيها أو ينشرونها في صحفهم المسمّاه "صحف الإصلاح" فما كان في هذه الصحف من قضايا تتعلق بحركة التحرر الوطني قمت برصدها والإفادة منها في بحثي ولكن ما أفدته أكثر في قراءة مقالات الشيخ عبد الحميد بن باديس والإبراهيمي والعقبي والميلي رحمهم الله جميعاً وغيرهم. وكأنني كنت طالب شريعة ولست طالب تاريخ ومن هذه القضايا التي دونتها في عشرات البطاقات وأورد لكم منها مقتطفات فيما يأتي:
1-             مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير، واضح من عنوانه أنه كتاب في التفسير ولكن كيف ينفصل التفسير عن الواقع الذي كان يعيشه الجزائريون وقد توقفت عن تفسيره رحمه الله لآيات كثيرة ومنها (فلما أتوا على وادي النمل) فأذكر من ذاكرتي كلام ابن باديس رحمه الله (يبدو أن هذه كبيرة النمل أدركت أن الخطر يواجه قومها ويهددهم فصاحت فيهم منبّهة ومحذرة ، وليست كزعماء أقوام هم الذين يتسببوا بالأخطار والدمار لقومهم وبلادهم) فتعجبت كيف خلص من حديث النملة إلى الحديث عن بعض الزعماء الذين تسببوا بالشر والكوارث لأقوامهم.
أما في حثه على العمل والعمران فقد توقفت عند تفسيرة لقوله تعالى (أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع ) فأكد على أن المصانع المذكورة في الآية هي مصانع لصناعة الأدوات والآلات التي تسهم في التقدم والرقي وليس كما فهمها المفسرون القدامى.
وحين تحدث في قوله تعالى (إن الأرض يرثها من عبادي الصالحين) وكان له كلام جميل في التأكيد على قيم العدل والحق والرحمة وليس الوراثة القائمة على الظلم والاستبداد والطغيان.
2-              أما في مجالات الحرية والاستقلال والقوة فقد وجدت عبارات كثيرة لابن باديس  رحمه الله منها : "لا يا قوم إننا أحياء وللحياة خُلِقنا ، وأن الحياة لا تكون بالخبز وحده(فهل يفهم المشايخ الذين طلبوا بتوفير الطعام ) فهنالك ما علمتم من مطالبنا العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية وكلها ضروريات في الحياة"( الشهاب رمضان 1355، ديسمبر 1936.)
3-             هذه الرحلة مع جمعية العلماء قادتني إلى أن أحصل على جريدة النجاح والإصلاح والتلميذ وأعداد من المنتقد والسراط السوي والبصائر والشريعة وغيرها وتعرفت إلى كافة الاتجاهات الفكرية في الجزائر فيما بين الحربين وقبل ذلك وبعد الحرب. عرفت علماء أفذاذ في الجزائر وكيف أن بعضهم خرج من الجمعية ولكنهم قلة نادرة والنادر لا حكم له ومع ذلك يبقى لهم جهادهم وجهدهم ومن أمثلة هؤلاء الشيخ محمد السعيد الزاهري الذي لا زلت أحتفظ بكتابه (الإسلام في حاجة إلى دعاية وتبشير) الذي نشرته دار الكتب بالجزائر (دون تاريخ) ومنه هذا الاقتباس وهو يتحدث عن طلاب المدارس العربية (أسمتها فرنسا عربية وليس لها من العروبة سوى الاسم ) فقال: وكان هو الآخر متفرنسا، ومتفرنساً في كل شيئ: في عقليته وأدبه وفي أخلاقه وعاداته، وحتى في اللغة العلامية التي يتكلمها. فهو لا يقيم الصلا ولا يصوم رمضان، ولا يحرم ما حرّم الله ، ولا يؤمن بأن القرآن تنزيل من الله ، بل يحسبه من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم" (ص12)
لقد عشت سنوات مع جمعية العلماء في أثناء البحث وبعد أن أنجزت رسالة الماجستير وعندما أعددت كتابي عبد الحميد بن باديس: العالم الربّاني والزعيم السياسي، ثم بعد ذلك حين حاولت أن أسجل بحث الدكتوراه عن الصراع الثقافي في المغرب العربي وأثر الاستشراق الفرنسي فيه ومُنعت في البحث في هذا الموضوع لأسباب تتعلق بأمور داخلية في الكلية أعددت كتابي (المغرب العربي بين الاستعمار والاستشراق) وقد كانت جمعية العلماء حاضرة في كل هذا النشاط حيث إن مصادرها وتراثها كان المصدر الأكبر والأهم في دراستي.
أحمد الله على مشواري مع جمعية العلماء فقد درست الشريعة دون أن أدخل كلية الشريعة، ودرست التاريخ والجغرافيا والسياسة على أيدي علماء الجمعية وبخاصة ابن باديس رحمه الله والإبراهيمي والعقبي والميلي والتبسي وخير الدين وغيرهم. رحم الله الجميع .




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق