الأربعاء، 22 فبراير، 2017

ومن مثلنا في محاربة التطرف

                                   

         لقد هزت حادثة العليا أبناء هذه البلاد مرتين: الأولى حين انطلقت المتفجرات تهدم وتروّع وتقتل،  والثانية حين توصلت أجهزة الأمن في بلادنا الحبيبة إلى الفاعلين. والكتابة حول هذا الموضوع واجب تمليه أمانة القلم التي أكد عليها سمو الأمير نايف أكثر من مرة وبخاصة في مؤتمره الصحفي في منى قبل حج هذا العام . وأعرف أنني تأخرت كثيراً في تناول هذا الموضوع وذلك لسببين أولهما أنني كنت عازماً على سفر فأرسلت عدة مقالات إلى الصحيفة فكان عليّ الانتظار حتى نشر تلك المقالات.  أما السبب الثاني فهو أن دارس التاريخ لا بد أن يتمهل في تناول القضايا المعاصرة.
        أجمع الذين كتبوا عن حادثة العليّا أنها كانت نتيجة لبعض الأفكار المتطرفة التي أصابت هؤلاء الشباب.وانفتاح بلادنا على العالم عن طريق وسائل الإعلام المختلفة بالإضافة إلى السفر إلى الخارج أو استقبالنا للقادمين للحج والعمرة والزيارة والعمل أدى إلى ظهور هذه الفئة التي تطرفت في أفكارها.
        وهذه البلاد وقفت سداً منيعاً في وجه أنواع كثيرة من التطرف العقدي والفكري الذي اجتاح العالم العربي والإسلامي منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وازداد قوة وعنفاً بعد الحرب العالمية الثانية. فما أن انتهت هذه الحرب حتى وجدت الأمة الإسلامية نفسها وقد فقدت الخلافة التي كانت توحدها وأصبحت  دولاً عديدة برز إلى الوجود دعاة القومية ودعاة الشيوعية والاشتراكية والعلمانية وقد وجدت  هذه الموجة بعد الحرب العالمية الثانية دعماً لها من بعض الدول بعد سلسلة من الانقلابات العسكرية في المنطقة.
         وقد حفلت وسائل إعلام تلك الدول القريبة جداً إلى بلادنا بحملات ضخمة ضد الدين والتدين وأصبحت القومية عقيدة راسخة حتى جعل القوميون رابطة الجنس واللغة فوق رابطة العقيدة. وعشعشت الأفكار العلمانية والشيوعية واليسارية (ولا تزال) في عقول الكثيرين حتى حجبتهم عن رؤية حقيقة ما يدور في العالم.
        وحفظ الله سبحانه وتعالى بلادنا بمنّه وفضله ثم بتلك الجهود الكبيرة التي بذلها الملك فيصل رحمه الله وأخوته من بعده والنخبة المباركة من العلماء الذين استضافتهم هذه البلاد للمشاركة في نهضتها العلمية مع علماء المملكة في الوقوف في وجه هذا التطرف الذي وصل بعد حرب عام 1967 ذروته حتى كتب أحد القوميين العلمانيين الماركسيين (صادق جلال العظم) يزعم أن الهزيمة كانت نتيجة التمسك بالإسلام . وكم هو عجيب هذا المنطق المقلوب فلم تكن الهزيمة إلاّ بسبب البعد عن الإسلام . ولو نظر هؤلاء بعين العقل الذي يزعمون أنه رائدهم لوجدوا أن هذه الأمة ما انتصرت ولا عزت إلاّ عندما كانت متمسكة بالإسلام عقيدة وشريعة وفي السياسة وفي الأخلاق. وقد أكدّ هذا عبقري هذه الأمة -كما وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم- عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال:" إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العزة في غيره يذلكم الله"
        وعشنا سنوات مباركة من الأمن والطمأنينة ببعدنا عن التطرف القومي والعلماني واليساري حتى هبت على بلادنا رياح تطرف من شكل آخر. ففي هذه المرة لم تلتفت إلى العدو الحقيقي لهذا الدين وأهله ولكنها اتجهت إلى الداخل فأخذ صغار الطلاب (حتى لو كانوا شيوخا في السن) ممن لم يأخذ العلم الشرعي على أصوله المعروفة أخذوا يطعنون في علماء الأمة . وما زلت أذكر منظر الشاب الذي لم يتجـاوز السابعة عشرة من عمره (وليس هذا تقليلاً من شأنه) يتأبط كتاباً في علم الرجال فتذكرت المثل القائل (تزبب قبل أن يتحصرم) وذلك لأن هؤلاء لم يتركوا كتاباً حتى ادعوا أنهم سيحكمون عليه فنالوا من كتب الصحاح وغيرها. ولو أردت بعض شنيع صنعهم لذكرت ما فعلوه بكتاب فتح الباري ، ولكني لا أريد أن أظهرهم بصورة من يستحق أكبر من حجمه.
    وظلت هذه الموجه تتنامى في أنحاء العالم الإسلامي فجعلت همها البحث عن المعايب والنقائص-المزعومة - في بعض علماء الأمة الذين بذلوا حياتهم وأرواحهم في سبيل هذا الدين -نحسبهم كذلك ولا نزكى على الله أحدا- فجعلتهم هدفا لها حتى وصل بهم الأمر إلى التكفير ، وليس تكفير من يطالب بهدم الدين وعدم تحكيم شرع الله أو يطالب بالفصل بين الدين الحياة -هؤلاء الذين قال الشيخ الغزالي رحمه الله أنهم يجب أن يطلق عليه الاسم الذين يستحقون وهو المرتدون- .
        وكأنّ أرباب التكفير هؤلاء ( المُكَفِّراتية) أصابهم الغم من القبول الذي وصل إليه هؤلاء العلماء الأفاضل كأمثال الشيخ الوالد عبد العزيز بن باز والشيخ محمد الصالح بن عثيمين وأبي الحسن الندوي والشيخ يوسف القرضاوي ومحمد قطب حفظهم الله والشيخ محمد الغزالي وسيد قطب وأبي الأعلى المودودي رحمهم الله تعالى وغيرهم.  أقول أصابهم الغم من قبول الأمة لهؤلاء فجعلوهم عدواً لهم.
        إن تيار العودة إلى الدين والتمسك به يتميز في هذه البلاد بحمد الله بالاعتدال والتوسط . وقد سلك المسلك الرشيد الذي تدعمه الدولة بحمد الله فهذه مكتباتنا مزدهرة بالكتب الإسلامية وهذه صحافتنا أبوابها مشرعة لمن يكتب ويدعو إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ووسائل إعلامنا الأخرى لا تفتأ تدعو العلماء ليسهموا في برامجها الإذاعية والتلفازية، وهم فاعلون بحمد الله.

         ومهما غلا الغالون وتطرف المتطرفون فإن هذا الدين محفوظ بحفظ الله له بما قيّضه له من علماء أجـلة فضلاء هدفهم إعلاء كلمة الله والدفاع عن محارم الدين بكل ما أوتوا من عزيمة وعلم .وإن بلادنا ستكون بإذن الله محفوظة من التطرف الذي غزا المجتمعات الأخرى. فهل يصحوا المتطرفون ويوجهون عداوتهم الحقيقية لمن يعادي هذا الدين من الذين لا يرون أن هذا الدين قد اشتمل السياسة والاجتمـاع والأخلاق والجهاد ضد الأعداء. وأن من مسؤولية هذه الأمة الدعوة إلى الله عملاً بقول الله تعالى {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعن} والحمد لله رب العالمين. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق