الجمعة، 17 فبراير 2017

الجزء الثاني: التطور في الغرب تدمير للبشرية (من كتاب علي عزت بيجوفيتش رحمه الله: الإسلام بين الشرق والغرب)



ألعاب الحظ (القمار)
        ومن الأمراض الاجتماعية التي تحدث عنها بيجوفيتش رحمه الله ألعاب الحظ التي أسهمت الحضارة في تطورها حيث تتبع هذه الألعاب الاتجاه العام للخطايا الأخرى مثل الكحول والصور الفاحشة والفنون الهابطة والأمراض الأخرى. فأكبر مدن القمار في العالم تقع في مناطق الحضارة الراقية: دوفيل ومونت كارلو ولاس فيجاس. ففي مدينة أتلانتك بالولايات المتحدة الأمريكية توجد صالة في كازينو ضخ تتسع إلى عدد يصل إلى ستة آلاف لاعب. وتشير الإحصاءات الحكومية إلى أن الفرنسيين أنفقوا مائة وخمسة عشر بليوناً من الفرنكات على ألعاب الحظ (القمار) سنة 1965 ، وأنفق الأمريكيون 15 بليون دولار، وواحد من ثلاثة من المجريين يشتري تذاكر يانصيب.
المخدرات      
        أما المخدرات فهي من الأمراض الاجتماعية الفتاكة فقد دلّت الإحصاءات الرسمية لشرطة نيويورك سنة 1963 على وجود   23 ألف شاب مدمن على الهروين  ومخدرات قوية أخرى بينما الرقم الحقيقي يصل إلى مائة ألف.وفي كلية هنتر بنيويورك وجد أن أكثر من نصف الطلاب يتعاطون الماروانا والتي هي الخطوة الأولى لاستعمال المخدرات الأقوى
        وقد ظهر جيل حزين بعد الحرب العالمية الثانية فقط في تلك الدول التي تعيش ازدهاراً اقتصادياً ووفرة مادية. فهؤلاء لديهم كل شيء ولا يحتاجون شيئاً ولكن كان ذلك هو السلوك الوجودي لما يسمى بالجيل المنهك الذي دعا إلى فلسفة التجريد وانتشرت الجرائم بين الصغار وظهر الهبيز الذين يتجاهلون الواقع ويهزؤون بكل الأنظمة والقوانين. وقد انتشرت أخلاقهم وأفكارهم مثل الطاعون في كل المدن الكبرى.
وينقل بيجوفيتش رحمه الله عن آرثر ميللر الذي يعدُّ خبيراً في الحياة الأمريكية الحديثة قوله: "إن مشكلات جنوح الشباب لا تقتصر على المدن الكبرى ، فقد وصلت إلى الريف أيضاً. إنها ليست مشكلة خاصة بالرأسمالية ، فإن الاشتراكية تعاني منها أيضا،ولا تظهر فقط لدى الفقراء ولكنها موجودة لدى الأغنياء أيضاً. إنها ليست مشكلة عارضة أو مشكلة هجرة أو أمريكية محضة . أعتقد أنها في شكلها الحالي نتيجة التكنولوجيا التي تدمّر مفهوم الإنسان كقيمة في نفسه. وباختصار لقد اختفت الروح...وربما كانت وحشية الحربين قد طاردت الروح من الأرض، أو إن العملية التكنولوجية قد امتصتها حتى النهاية.
الانتحار
ومن الأمراض الاجتماعية التي أفرزتها حضارة هذا القرن الأوروبية ازدياد عدد حالات الانتحار واستشراء الأمراض النفسية التي يتساءل بيجوفيتش عن تفسيرها فيقول بأن هذه الأمراض ازدادت مع ارتفاع مستوى الحضارة فثمة حقيقة مشوقة من وجهة النظر النفسية وهي أن أحد علماء النفس الأمريكيين اشتكى من أن الناس أصبحوا أقل رضى بتحسين أحوالهم المعيشية. إن تلك الظاهرة الواضحة في بعض الدول المتطورة الخالية من المشكلات الاجتماعية الكلاسيكية (الفقر والجهل والمرض) تهز الإحساس بالثقة في مسألة التطور.
ويقدم بيجوفيتش الأدلة على استشراء هذه الأمراض فيذكر أن أربعة في الألف من سكان الولايات المتحدة من الرجال يرقدون في المستشفيات النفسانية. وتزيد النسبة في ولاية نيويورك لتصل إلى 5,5 في الألف. وإن أكثر من نصف أسرة المستشفيات في الولايات المتحدة يرقد فيها المرضى النفسانيين. وتضم هوليوود أعلى نسبة من أطباء النفس في العالم.
وقد ذكر أحد التقارير الرسمية الصادرة عن خدمات الصحة العامة الأمريكية عام 1978 بأن واحداً من خمسة من الأمريكيين قد أصيب بانهيار عصبي أو كانوا على وشك الانهيار. وهذا الاستنتاج مبني على معلومات أكيدة فقد تم اختيار الأشخاص بطريقة ما ليمثلوا مائة وأحد عشر مليوناً تتراوح أعمارهم بين التاسعة عشرة والتاسعة والسعبين وتحتفظ السويد بأعلى رقم في حالات الانتحار والإدمان الكحولي والأمراض العقلية بينما تتمتع في الوقت نفسه بأعلى دخل قومي في العالم وأعلى نسبة تعليم وتوظيف وضمان اجتماعي. فقد سجلت 1702 حالة انتحار في عام 1967 في السويد بزيادة مقدارها 9% عن عام 1966م وبزيادة قدرها 3% عن عام 1960، وقد نشرت منظمة الصحة العالمية في جنيف تقريرها حول نسبة حدوث حالات الانتحار في عدد من دول العالم عام 1968 وقد احتلت الدول الآتية المراتب الثمانية الأولى: ألمانيا الغربية والنمسا وكندا والدنمرك وفنلندا والمجر والسويد وسويسرا. ويعد الانتحار في هذه الدول السبب في ثلث حالات الوفاة للرجال بين سن 15 و45 ويأتي بعد الانتحار أمراض القلب والسرطان. وقد ذكر تقرير المنظمة الصادر في عام 1970 أن هذه الظاهرة "موازية للتصنيع والتمدين وانهيار الأسرة."
ويرى بيجوفيتش أنه من الخطأ تماماً ومن غير العدل الاستنتاج أن تلك الظاهرة هي فقط من صفات الحضارة الغربية فهي في الحقيقة تعبير عن طبيعة كل حضارة وكل ما قيل عن الولايات المتحدة وبريطانيا أو السويد قابل للتطبيع على اليابان كذلك على الرغم من أنها تقع في الجهة المقابلة من الكرة الأرضية، وفي دائرة مختلفة تماماً. ويمكن للظاهرة  مواجهة تعديلات معينة اعتماداً على بعض الظروف ولكنها تحافظ على الاتجاه نفسه. ففي حالة اليابان تأتي بعض الاختلافات بسبب تماسك التقاليد الثقافية اليابانية ومن قوة العائلة اليابانية.
ويستنتج بيجوفيتش أنه من الصعب اكتشاف كل أسباب الظاهرة موضوع الدراسة. ومع ذلك فقد تم تتبع ظاهرة المخدرات بين الشباب ووجد أنها تعود إلى بيت الوالدين وقد كتب الدكتور فالدتا الطبيب النفساني اليوغسلافي :" إن الأسرة القلقة أو المدمرة كليا التي تتسبب في تطور عصبي في الشباب يدفعهم إلى أن يبحث الشاب أو تبحث الشابة عن آلية خاطئة لحمايته من الأمراض العصبية . إن تحلل المجتمعات الكنسية والعائلة الشائع في كل أنحاء العالم يخلق جواً من الانزعاج الداخلي وله طريقان في العالم الخارجي: غضب وثورة أو رد فعل سلبي وحالة لا مبالاة تنتهي في استخدام المخدرات.
واقترح روجر ريول مدير مركز هارفارد للبحوث الاجتماعية إيجاد لجنة خاصة داخل مجلس النواب الأمريكي لبحث تأثير التكنولوجيا في الإنسان والمجتمع وقال إن حياة الإنسان بسبب الظروف الحديثة ستكون أطول تصل إلى ثلاثة عقود ولكنها ستكون مملة وبدون قيمة"
ونقيضاً للنظرة المادية فإن الحضارة والراحة لا يتناسبان تماماً مع الطبيعة البشرية. إن الفجوة الاجتماعية مثلاً أوسع عموماً في الدول الكاثوليكية عنها في الدول البروتستانتية. وتظهر عدد حالات الانتحار والأمراض العقلية الوضع المعاكس. فالمادة التي خُلق منها الإنسان ليست هي أو ليست الوحيدة التي يعتقد العلم وعلم الأحياء النشوئي حتى القرن التاسع عشر. ليس الإنسان معداً للعيش بحواسه فقط. إن رغبة غير متحققة تسبب الألم بينما المتحققة توحد إحساساً بالإشباع.
تخريب وتحطيم البيئة
وتناول بيجوفيتش جانباً من الحضارة الغربية المادية وهو جانب تحطيم البيئة وتلويثها وذكر أن الخطوط الأمامية للغابات البرازيلية يتراجع من عشرة إلى خمس عشرة كيلاً كل عام بسبب غزو الحضارة مما يجعل الصحراء تنتصر على المساحات الخضراء ، وفي الولايات المتحدة أصبح أثر من ثمانين بالمائة من المياه ملوثاً وإن الدخان المتصاعد من مصنع النحاس في ولاية تنيسي قد حوّل الأرض الغنية إلى صحراء بمساحة قدرها عشرين ألف هكتار. إن تركيز الأحماض النحاسية والسناج في ضباب لندن عام 1952 تسبب في قتل أكثر من أربعة آلاف شخص في يوم واحد. وتدفع مداخن الولايات المتحدة والمحركات فيها 230 طناً من المواد السامة المختلفة في الجو. وقد أطلقت محطات الطاقة الفرنسية 114 ألف طن من غاز الكبريت وأكثر من 82 مليون طن من نفايات المعادن عام 1960 وقد تضاعفت هذه الأرقام مرتين عام 1968 بالرغم من كل الاحتياطات. ويسقط حوالي 27 ألف طن من الغبار الصناعي كل سنة على كل مدينة من منطقة الرور بألمانيا الغربية وارتفعت نسبة الموت التي يسببها سرطان الرئة في المدن الإنجليزية والسويسرية المغطاة بغيوم الدخان أربعين مرة خلال الخمسين سنة الأخيرة. وكانت نسبة الزيادة في الوفيات في الولايات المتحدة خمسين مرة خلال العشرين سنة الماضية. وقد ثبت البحث في طوكيو بأن 10-49 من المارين بتقاطع نياجا الكبير عندما تم فحصهم بوجود رصاص في دمهم بنسبة 2 إلى 7 مرات أعلى من الأشخاص العاديين. وقد كان السبب الرئيس هو الغازات المنبعثة من المحركات. وقد قتلت السيارة منذ اختراعها عدداً أكبر من كل الحروب في هذا القرن.

ويختم بيجوفيتش هذا الحديث عن أمراض الحضارة الغربية المادية بقوله:" من المستحيل أن نرى أية قوة مادية تستطيع محاربة كل هذه المشكلات من داخل الحضارة دو الخروج منها، وفوق ذلك فعلى سلم القيم المعروف للحضارة ليس ثمة ما يعار الطرق المؤدية إلى الصور الفاحشة والكحول. وهذا الإحساس باليأس نفسه يوجد لدى الخبراء الأمريكيين في مجال الجريمة الذين يواجهون ازدياد نسبة الجنح. وهذا في الحقيقة هو عجز العلم في مواجهة المشكلات أو الأمراض الاجتماعية ذات الجانب الأخلاقي الواضح. ولا يمكن هزيمة الحضارة من الداخل ولكن فقط من خارجها وهذا يعني بالثقافة لأن العلم من وجهة نظر الحضارة لا يستطيع أن يقود إلى الدين أو أن تؤدي الحضارة إلى السرة الكلاسيكية إن الدائرة مقفلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق