الاثنين، 21 نوفمبر، 2016

المبحث الثاني الكتّاب المحاربون للإرهاب بزعمهم


عندما انطلقت البعثات العلمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا قبل أكثر من ثلاثين سنة، كان من أول ما أصيب به معظم الشباب العربي المسلم الصدمة الحضارية التي زلزلت أركان البعض حتى إنه لم يفق منها مطلقاً، ومنهم من كانت الصدمة الحضارية مؤقتة استطاع بعد مدة أن يتغلب عليها ويستعيد رشده، ومنهم من أصابته زمناً طويلاً.
ولكن كيف كانت هذه الصدمة الحضارية؟ رأى البعض أنه جاء من بلد محافظ متمسك بالإسلام وشعائره وقيمه، وأن هذا البلد يعاني من التخلف والجهل والمرض، فلا بد أن يكون التمسك بالإسلام هو السبب. واختلط الطلاب السعوديون بالطلاب القادمين من الدول التي كان يطلق عليها حينذاك "الدول التقدمية" وكانت حرب الستة أيام أو حرب الست ساعات قد أحدثت أزمة نفسية كبرى لدى الجميع فاستغلها بعض الشيوعيين من أمثال صادق جلال العظم ليكتب أن الهزيمة إنما كانت بسب الدين. وكانت القوة الدعائية لدى طلاب الدول المسماة بـ"التقدمية" أقوى، فوصل بعض الطلاب من السعودية إلى درجة الإيمان العميق بالفكر العلماني التغريبي وأن الدين حقيقة هو سبب التخلف. بل إن السخرية بالدين بلغت بأحدهم (كان يعد لدرجة الدكتوراه في التربية عام 1970م) أن يشبّه القرآن الكريم بالشعر الجاهلي، ويشيد بآراء طه حسين وغيره في ضرورة أن نأخذ الحضارة الغربية خيرها وشرها.
وبلغت السخرية بالبعض أن يقترح أن يعطى كل فرد بطاقة ممغنطة لتسجيل أدائه للصلوات في المسجد، وقد برزت هذه الفكرة عندما علِم الطلاب السعوديون في أمريكا في تلك الفترة (1970 وما حولها) أنه سيكون هناك تشديد على حضور الصلاة في المساجد. (وهذا ما قرأت أن تونس تنوي القيام به قريباً) وتحدث أحد الطلاب العرب عن الزواج في بلده فوصفه بعملية البيع والشراء.  لقد كان الانبهار بالغرب بل حتى الاستلاب قد وصل إلى درجة لا يمكن تخيلها. وقد لا يلام الطلاب كثيراً الذين جاؤوا من مجتمعات تؤكد على آحادية النظرة إلى حد كبير، وأن ثمة طريقة واحدة للإسلام، وكذلك غياب الرأي الآخر والحرية الفردية.
وهناك من لم يخرج من البلاد العربية الإسلامية ولكنه راعه ما يرى من تقدم علمي وتقني وعمراني واجتماعي في الغرب، وقرأ عن الغرب من خلال الحديث عن أدباء ومفكري أوروبا والغرب عموماً فوقع في نفسه حب القوم، بل إن كلمة الحب قليلة لقد توله بعض هؤلاء بالغرب؛ فأصبح الغرب مقياساً للتقدم والتحضر، فالتنوير هو التنوير الأوروبي والعصور والقرون تقسم وفقاً للتقسيم الأوروبي، والتحضر والتقدم هو ما عند أوربا، والإنسانية والأنسنة هو ما جاء من عندهم. بل إن بعضهم بدون أي دليل عقلي أو نقلي أنكر أن يكون للأمة الإسلامية أي دور حضاري في الحضارة البشرية، فالفتوحات الإسلامية (التي وصفها جوستاف لوبون بأنها أرحم فتوحات عرفها البشر) إنما هي حروب استعمارية في نظر هؤلاء.
ويصف محمد الخير عبد القادر نظرة هؤلاء إلى الغرب وحضارته بأنها نظرة قائمة على الإعجاب بالحضارة الغربية، ولكن هذا الإعجاب أدى بهم إلى "تناول القضايا الإسلامية بأسلوب جاوز حدود الحوار الموضوعي إلى السخرية والتمويه بل الطعن في مقدسات المسلمين.."(اتجاهات حديثة في الفكر العلماني، أم درمان الدار السودانية للكتب ، ص 5)
ويقارن محمد قطب بين "التنويريين" القدامى من أمثال طه حسين ورفاعة رافع الطهطاوي وغيرهم و"التنويريين" المعاصرين فيقول: "نحسب الأجيال الأولى من التنويريين..... كانوا مخلصين، والله أعلم بهم، لم يكن في قلوبهم ذلك الحقد الأسود على الإسلام الذي اكتسبه المتأخرون منهم، الذين يتحدثون عن المسلمين بشماتة ظاهرة لا حياء فيها، ويتحدثون عن الإسلام كأنه العدو الأكبر الذي لا بد من إزالته من الأرض."(ص 33 من كتاب قضية التنوير في العالم الإسلامي، دار الشروق القاهرة،1420 هـ/1999م) ويضيف محمد قطب بأن "التنويريين" المعاصرين " ليسوا حريصين على إنقاذ أمتهم الإسلامية بصفتها تلك بل هم على العكس حريصون على إبعاد هذه الأمة عن الإسلام، باعتبار أن هذا هو العلاج الذي لا علاج غيره لما أصاب الأمة من الأمراض، فهم سابحون مع تيار الغرب برغبة ووعي ويعلمون على وجه التحديد ماذا يريدون"(ص 34)
لكن الجانب الآخر من مواقف هذه الفئة أن بعضها دخل مجال التعليم الديني وتدّين حتى درجة متطرفة، بل عرف عن أحدهم أن رفض مظاهر المدنية الحديثة وسكن في بيت من الطين. واستمر بعضهم في هذا التطرف العجيب حتى أدين بأعمال عنف، أو أدين آخرون بالوقوف في وجه الأنظمة الحاكمة هنا وهناك ودخل بعضهم السجن، فلّما خرج تغيرّت قناعاته وآراؤه تماماً فأخذ يكتب ساخراً من المتدينين أو أصحاب الالتزام الديني أو التنظيمي.
وأود أن أضيف سبباً لهذه العداوة للاتجاه الإسلامي التي يصرح بعضهم بها في المجالس الخاصة ولكن لا يجرؤون على كتابتها وهو ما يملأ قلوبهم غيضاً وحسداً من النجاح الكبير والإقبال الجماهيري على مؤلفات بعض الكتّاب والمشايخ ومن يطلقون عليهم "الإسلامويين" وتجدهم دائمي التحذير من هذه الفئة. فيذكر أحدهم كيف أن كتاب الدكتور عايض القرني (لا تحزن) قد بيع منه مليون نسخة أو زيادة، كما أن أشرطة الكاسيت التي تحمل محاضرات ودروس دينية تباع بأعداد كبيرة، وكذلك حضور المحاضرات والدروس في المساجد يكثر روادها بينما أفضل ليبرالي لا يطمع بحضور محاضراته عدة أشخاص قد لا يتجاوزون أصابع اليد. فهل هذا الجمهور كلُّه غبي أو إن في الأمر سراً يحتاج إلى اكتشاف؟
وقد وقف مستشرق هولندي هو يانسن John Jansen  من جامعة ليدن في المؤتمر العالمي الأول حول الإسلام والقرن الواحد والعشرين ليقول بشجاعة ليقول: إن ما أطلق عليه "البديل الليبرالي" قد فشل، وأكد على أن الليبراليين أو العلمانيين يجدون دعماً كبيراً من الجهات الرسمية؛ إذ تطبع كتبهم طباعة فاخرة وتباع بأسعار زهيدة ويمكّن لهم من الظهور في وسائل الإعلام المختلفة وبخاصة الوسائل الأكثر جماهيرية (يجدون مساعدة هائلة ليظهروا في الإنترنت حالياً –كما هو الحال في موقع الدكتور حمزة المزيني وغيره-) ومع ذلك فإن إقبال الجماهير في البلاد العربية على الكتابات الإسلامية والكتب الدينية، وأن الكتاب الإسلامي هو الأول في المبيعات في معارض الكتب التي تقام هنا وهناك.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق