الاثنين، 21 نوفمبر 2016

ما ذا يكسب العالم إذا عرف الإسلام وليبرالي يسأل أي إسلام

قبل أيام عاد منتدى الشبكة الليبرالية السعودية إلى الظهور ولا بد أن هذا بموافقة الجهات التي تملك المنع والسماح، ودلفت إليها حيث إني من أعضائها منذ كنت في بريطانيا العام الماضي. وكتبت مضيفاً لموضوع (ما ذا يكسب العالم إذا عرف الإسلام) فكتب أحدهم أي إسلام تتحدث عنه، وهل هو الإسلام الوهابي أو الإسلام كذا وكذا. فرددت في بضعة أسطر ولكنه عاد فكتب لي إنه يريد مزيداً من الإيضاح وأن تكون المقالة الليلة، وقد كنت كتبت هذا الموضوع للمجلة العربية ولم يتحمل رئيس التحرير مسؤولية نشرها فحذفت وليتهم لم يستكتبوني ثم يرفضوا ما كتبت. المهم إليكم المقالة التي لم تنشر
لا أدري هل يضحك الإنسان أو يبكي أو يتعجب عندما يسمع أو يقرأ عن التقسيمات الجديدة للإسلام. إن من أول التقسيمات التي تعرفت إليها لهذا الدين أن ثمة إسلامين: إسلام العامة، وإسلام الخاصة. أو الإسلام الشعبي والإسلام الخاص بالعلماء والفقهاء. ثم تكررت هذه التقسيمات عند الحديث عن الإسلام السلفي والإسلام الصوفي، والإسلام الجماهيري والإسلام المتطرف.
وفي عام 1996م كنت أحضر مؤتمراً في ليدن بهولندا وكانت نسبة من الحضور من جنوب شرق آسيا فكان يدور في أروقة المؤتمر بصوت خافت وأحياناً صريح عن وجود إسلام جنوب شرق أسيوي أو لنقل إسلام إندونيسي وإسلام ماليزي وإسلام هندي. وبعض هؤلاء يصرح إلى متى نبقى تابعين للعرب في تفسيرهم للإسلام وفهمهم له؟ فهؤلاء الذين يدفعون إخواننا في جنوب شرق آسيا لابتداع إسلامً خاص بهم ليس لهم هدف إلاّ تمزيق وحدة الأمة الإسلامية. فيمكن أن يمنّ الله عز وجل على عالم في إندونيسيا فيفهم ويجتهد مما يمكن أن يفيد العرب والمسلمين عموماً فلا غرابة في ذلك ولا عجب. وهل كان البخاري أو مسلم أو الترمذي أو النسائي وغيرهم كثير –رحمهم الله جميعاً- إلاّ من بلاد إسلامية غير عربية ولم يقلل هذا أبداً من شأن العرب. فهل كانوا سيبدعون إن لم يعرفوا العربية كأبنائها. بل ما أجمل كلمات الشيخ أبي الحسن الندوي حينما كان عضو المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية (وكان للجامعة مجلساً أعلى من أنحاء العالم الإسلامي، ثم قررنا أن المجلس الأعلى يجب أن يرأسه وزير التعليم العالي، فصار رئيس المجلس الأعلى لسبع جامعات وهو الآن رئيس المجلس الأعلى لعشرين جامعة- ما أصعب مهمته-) وتحدث إلى العلماء في ذلك المجلس مذكراً بأنه من الهند ولكن الإسلام وعلمه به هو الذي أعطاه مكان الصدارة في ذلك المجلس.
وازدادت التقسيمات حتى أصبحت إقليمية فهذا إسلام سعودي، وذلك مصري وآخر مغربي وآخر تونسي. بل تعدد الإسلام وتجزأ أكثر ففي البلد الواحد يمكن أن يكون هناك أكثر من إسلام في نظر البعض ففي المملكة يمكن أن يتحدث البعض عن إسلام حجازي وإسلام نجدي بل ربما يقسمون الإسلام حسب المدن حيث تشتهر مدينة ما بتشدد أهلها بينما المدينة المجاورة لهم أكثر تفتحاً أو انفتاحاً. (عنيزة وبريدة مثلاً، مع أنه في إحداهما من ترك التشدد إلى عكسه تماماً)
فما الذي أدى إلى كل هذه التقسيمات؟ هل هي من صنع الآخرين مستشرقين أو علمانيين أو متغربين أو ليبراليين أو حتى من المتدينين الملتزمين؟ أعتقد أن أسباب بروز هذه الظاهرة يعود إلى أسباب عديدة.
إن طريقة التزام بلد ما بالدين أو تطبيقه ترجع إلى الثقافة الدينية السائدة والخلفيات الاجتماعية والفقهية وإلى الطبيعة النفسية والاجتماعية والتركيبة السكانية لكل بلد. وقد عرف المسلمون مثل هذه الاختلافات منذ كانت الكوفة والبصرة ومنذ قال الشافعي رحمه الله أفتينا بالعراق بكذا ونفتي الآن في مصر بكذا. وهناك قاعدة فقهية معروفة أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان. ولم يقل أحد من قبل إن هذا إسلام كوفي وذاك إسلام بصري. ولم يقل إسلام عراقي وإسلام مصري. ولن تتوقف الاختلافات مهما حاولنا أن نبحث لها عن جذور أو أسباب أو حاولنا إلغاءها.
أما الحديث عن إسلام سعودي فأمر برز منذ سنوات حيث حاول البعض مستخدماً وسائل الإعلام أن يؤكد أن الدولة السعودية التي قامت منذ تأسيسها بمحاربة كثير من البدع التي انتشرت في العالم الإسلامي في المساجد وفي الحياة العامة من أنواع البناء على القبور وغير ذلك، كما أن استمرار الحجاب في المملكة بقناعة إيمانية من البعض وبالتأثير الاجتماعي من البعض الآخر. وعرفنا في المملكة أيضاً أن تدريس الدين لا بد أن يكون من خلال مناهج مكثفة لم تعرفها معظم البلاد الإسلامية فنحن ندرس الدين الإسلامي من خلال مواد كالتوحيد والفقه والتفسير والحديث. وأضاف البعض إلى هذا التميز بعض العادات والتقاليد من إقامة حواجز بين المرأة والرجل بطريقة ملفتة للانتباه لم تعرفها المجتمعات الأخرى ولا حتى مجتمع المملكة قبل سبعين سنة أو أقل خفنا من الاختلاط فوقعنا في تهميش دور المرأة أو إلغائه إلى حد كبير. بل بيننا حواجز عالية بين الرجال والنساء وقدمنا في كثير من الأحياء سوء الظن على حسن الظن. ولمّا عدنا إلى إعطاء المرأة دوراً في المجتمع وفي الحياة لم نتوصل بعد إلى الطريقة الصحيحة، فإما عزلة تامة أو اختلاط مبتذل.
ولم تكن كثافة المناهج الدينية دائماً هي الطريقة المثلى لتطبيق الإسلام والعيش بموجبه، فبعضنا عرف الإسلام معرفة كبيرة ولكن من الناحية الآلية الميكانيكية فقط؛ عرفنا فروض الوضوء وسننه، وأركان الصلاة وواجباتها وسننها وعرفنا السنن والواجبات والمستحبات، ولكننا غفلنا عن الروح الحقيقي للدين الإسلامي. فجاءت سلوكيات البعض منّا خالية من الروح الإسلامي فكان الغش في المدارس وفي المصانع وفي الورش وفي التجارة وغيرها. وتشهد المحاكم المكتظة بالقضايا بهذا الخلل.
كانت روح الاستعلاء لدى بعضنا مضرة بالمملكة من حيث لا يدرون. فكانوا إذا انتقلوا إلى بلد من البلاد يبدأون بنقد تطبيقات الإسلام والتركيز على ما يرونه بدعة- وقد يكون رأيهم صحيحاً- لكن ما تأثير تلك البدعة في صلب الاعتقاد بالإسلام؟ ما تأثير تلك البدعة في التعامل؟ هل هذه البدع التي يهول بعضنا أثرها وخطرها أقل خطراً من الظلم والاستبداد والغش وسرقة الأموال العامة والخاصة؟ لا أقول هذا تقليلاً من شأن البدع أو ثناء عليها معاذ الله. ولكن هل ما يفعله بعض الدعاة المسلمين من هذا البلد إذا خرجوا إلى البلاد الإسلامية من الإسراع إلى تبديعهم الناس بل أحياناً تكفيرهم ناسين قول الله عز وجل (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك) وناسين قول المصطفى صلى الله عليه وسلم (ما كان الرفق في شيء إلاّ زانه وما نزع من شيء إلاّ شانه) وأنه صلى الله عليه وسلم ما خٌيّر بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما.
ومسألة أخرى عن خصوصيتنا وصفاء عقيدتنا وهو أمر طيب ولكن ما آثاره في البناء والحضارة؟ لماذا تحفر شوارعنا مئات المرات؟ لماذا نعاني أزمات متوالية مع السكن؟ لماذا لا يستطيع الإنسان المتوسط الدخل أن يجد قطعة أرض داخل مدننا الكبرى ولا حتى الصغرى؟ كيف علاقاتنا بجيراننا؟ كيف هي صلتنا للرحم؟ أين هي الآداب الإسلامية في الطريق حتى إن قيادة السيارة –وأجزم- من الأمور التي ترفع الضغط أكثر من ألف فنجان من القهوة. ولماذا تنتشر الواسطة بطريقة لا يستطيع أن يصل صاحب حق في كثير من الأمور أن يصل إلى حقه بدون واسطة؟ أين المبدعون في الفيزياء والكيمياء والرياضيات والهندسة والطب، بل أين المبدعون في العلوم الشرعية؟ نحن بحاجة إلى مراجعة صدق التزامنا بالإسلام في قضايا كثيرة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق