الجمعة، 18 نوفمبر، 2016

ليس الخطر في الاستشراق بل غفلتنا ونومنا

                                بسم الله الرحمن الرحيم
                      
تطالعنا الصحف وكتّاب المقالات بعناوين من أمثال (خطر الاستشراق) أو(الخطر الاستشراقي) أو (أخطار الاستشراق) ومن ذلك ما كتبه الأستاذ سلمان جابر العبدلي في هذه الصحيفة (10رجب 1419) تحت عنوان (خطر الاستشراق!) استهل مقالته بقوله تعالى: )وَدَّ كثيرٌ من أهل الكتاب لو يَرُدّونَكم من بعد إيمانكم كفّاراً حسداً من عند أنفسِهم من بعدما تَبَيَّنَ لهم الحق(  ( البقرة109)والآية الأخرى التي كثيراً ما يستشهد بها الكتّاب في هذا المجال  )ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى((البقرة  120).
لا شك أن للاستشراق خطره المتمثل في أنه استطاع منذ مئات السنين أن يجتال عدداً من أبناء الأمة الإسلامية فيصبغ فكرهم بصبغته ويجعلهم أشد على الأمة من بعض أعدائها. وقد قال جمال الدين الأفغاني في هذا الأمر بأن الغرب يجعل من هؤلاء كوّة يدخل من خلالها إلى العالم الإسلامي، وهم أخطر في نظره من الجيوش الأجنبية. وذكر الشيخ محمود شاكر رحمه الله أن نابليون طلب من خليفته على مصر أن يختار خمسمائة من المشايخ والأشراف ويرسلهم إلى فرنسا ليعيشوا فيها فترة من الزمن ثم إذا عادوا إلى بلادهم يكونون قد أصبحوا حزباً لفرنسا. وفشلت خطة النائب وجاء محمد علي ونفّذ ما هو أخطر من ذلك حيث أرسل خيرة شباب مصر نباهة وذكاءً للدراسة في فرنسا. وفعلت دول عربية وإسلامية أخرى مثل مصر. وقد تلقفهم المستشرقون هناك فكانت البعثات العلمية في بدايتها وربما لا تزال-  تحظى بعناية هؤلاء حيث يحرصون على توجيههم وجهات معينة.فعاد كثير منهم كما أراد نابليون وربما أشد.بالإضافة إلى المعاهد والجامعات الغربية التي غرسها في بلادنا لتنفيذ مخططات الاستشراق.
واستمر خطر الاستشراق في أثناء احتلال الجيوش الأجنبية معظم أجزاء العالم الإسلامي حيث سبقت جيوشه ورافقتهم النشاطات الاستشراقية لتحقيق مزيد من المعرفة بالشعوب العربية الإسلامية التي يراد أن يؤخذ خيرات بلادها وتصبح أسواقاً للمنتجات الاستهلاكية وأن لا تقوم لهم قائمة صناعية أو ثقافية أو عمرانية حقيقية. وحتى بعد رحيل القوات الغازية استمر الاهتمام بنا في المعاهد ومراكز البحوث والأقسام العلمية وغيرها من المؤسسات العلمية والسياسية.
فهل هذا هو الخطر؟ إن الذي خَبِرَ الاستشراق يرى أن القوم يقومون بخدمة الأهداف القومية الغربية أولاً والأهداف الشخصية ثانياً. وإنهم لا ينفقون الأموال على هذه المؤسسات إلاّ لأنها تحقق لهم ما يصبون إليه من أهداف. فأين الخطر في ذلك؟ زعم أحد المستشرقين إنهم يفعلون ذلك من أجل المعرفة وحدها فقط. ويضيف إن التاجر يهمه أن يربح ومن خلال تحقيق الربح يوفر الوظائف والمصالح لعدد من الناس. وإن الحضارة الغربية تتميز عن غيرها من الحضارات بسعيها إلى تحقيق المعرفة بالشعوب الأخرى.
وهذا صحيح في جزء منه، إنهم يسعون إلى المعرفة بكل الوسائل الممكنة وكل الوسائل الشريفة وغير الشريفة. ولكن ما بال الشعوب الأخرى لا تسعى إلى التعرف على بعضها البعض من خلال الدراسات الأكاديمية والبحث العلمي المنظم؟ إننا مثلاً في العالم العربي لم نلتفت لدراسة الاستشراق وآثاره إلاّ منذ ثلاث عشرة سنة فقط في قسم وحيد في العالم الإسلامي في المدينة المنورة، وقامت ندوة أصيلة باقتراح مركز للدراسات الأمريكية ويوجد مركز أو معهد لهذه الدراسات في باكستان. فأين الأقسام العلمية للدراسات الأوروبية عموماً والألمانية والفرنسية والبريطانية والأوروبية الشرقية والدراسات حول جنوب شرق آسيا؟ أين تعليم لغات الشعوب الإسلامية في جامعاتنا؟

إنه لا يكفي أن نتحدث عن خطر الاستشراق وأنه فعل وفعل وما زال يفعل ويفعل. ما ذا فعلنا نحن وما ذا يمكن أن نفعل هل أسهمت وزارات الخارجية والاستخبارات الإسلامية في الدراسات الغربية وتعرفت إلى الشعوب الغربية معرفة وثيقة وتقربت إلى ذوي النباهة والشأن في العالم الغربي وعرفتهم معرفة وثيقة؟ لماذا هم يعرفوننا ونحن لا نعرفهم؟ متى نتحول من ذات موضع الدرس إلى ذات دارسة ونخلص من مركبّ النقص الذي وضعنا فيه من قبل الغربيين ومن تبنّى آراءهم من أبناء الأمة الإسلامية؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق