الأحد، 8 مايو، 2016

مقدمة كتاب (الفردوس الأمريكي) لجون هيور ترجمة مازن مطبقاني

تقديم
مرحباً في الفردوس الأمريكي
لسنا منسجمين مع أنفسنا
        ثمة مشهد في فيلم قديم من زمن الحرب الباردة يطلق عليه "على الشاطئ" "On the Beach" حيث تخبر امرأة أسترالية زائرتها – أمريكية برتبة كابتن في غواصة-عن نوبات شربها الأسطورية. تنظر إليها الكابتن باستفهام وتسأل "ما الذي تحاولين نسيانه؟" وتصمت المرأة السكرانة فجأة كأنها طعنت في قلبها.
          وتموت كلتا المرأتان في القصة الأصلية فيما بعد الحرب النووية. ولكن من أجل مواصلة حديثنا دعونا نتقدم أربعين سنة إلى الأمام إلى وقتنا الحالي. يزور الكابتن الأمريكي-متقاعد الآن-صديقه القديم من أستراليا في منزله المؤثث تأثيثاً حديثاً ومجهزاً بأحدث موديل من المسرح المنزلي ب 999قناة بصفاء عال وبآخر ما توصل إليه من الترفيه. ويصف المضيف آخر ما تم التوصل غليه من الترفيه التلفزيوني والإنترنت التي تعزف أربعاً وعشرين سنة و365 يوماً في السنة. ويعرض أحدث التقنيات في السيطرة على المؤثرات الخاصة في هوليوود ومراكز الترفيه. ويضغط الكابتن المتقاعد على جهاز التحكم عن بعد ليوضح البرامج المختلفة في قنواته التلفازية-أفلام ورياضة وبرامج حديث وتقارير على الحرب والصحة والعيش الطيب. إنها مدهشة وساحرة وتأخذ الأنفاس ومشبعة.
          وأخيراً يستعيد الضيف حكمته بما فيه الكفاية ليسأل: "وما ذا تحاولون أيها الأمريكيون أن تنسوا؟" ويصاب المضيف الأمريكي بالصدمة يفقد معها السمع والفهم ويبدو تائهاً.
          بالطبع فالمجتمع الأمريكي اليوم يتحكم اليوم بأكثر وسائل الترفيه إبداعاً وحيوية في هذا الجانب من الإمبراطورية الرومانية. فأحسن الأمريكان وألمعهم منشغلون في أروع وسائل الترفيه والتشويق في العالم، وأفلامنا الهوليوودية لا توازيها أفلام في قدرتها على التسلية والترفيه. وكل فرد أمريكي وأقصد كل فرد وعلى مدار الساعة فكل شيء نفعله ملهم بفكرة التسلية والترفيه وتسلية أكثر وترفيه أكثر وزيادة.
          وبالتأكيد فحياتنا معترف بها عالمياً أنها "الهروبية العظمى" التي عاشها أي مجتمع. وبالتأكيد كما سأل الضيف المتحير "ما الشيء الذي نحاول الفرار منه؟"
          ففي مجتمعنا الحالي في أمريكا يوجد أبدع مكان للترفيه- الذي لم يشهد التاريخ البشري من قبل مثله في تنوعه وأصالته وشدته- فهل تلك الحقيقة الشعب الأكثر ترفيهاً وبالتالي "الأسعد" في العالم؟
          إن الهدف الأساسي لأي ترفيه هو صرف اهتمامنا وجعلنا ننسي. ولكن في مجتمع كهذا مرفّه وسعيد ما الشيء الذي نريد أن ننساه وأن يصرف اهتمامنا عنه؟ فلو كان المجتمع الأمريكي اليوم مجتمع رائع- لاحظ تفوقنا الاقتصادي والعسكري- فلماذا   نسعى بشدة لنهرب من أكثر رموز انجازتنا التي نفتخر بها- يعني- أنفسنا؟
          بالتأكيد لماذا؟
        انظر إلى المواد الآتية- مواد روتينية في أمريكا تلاحظ فقط لأنها ليست ملفتة للانتباه بصفة خاصة:
المادة الأولى: الاستطلاع السنوي "للمرأة التي نالت أكثر أعجاب" التي يختارها النساء الأمريكيات. لقد كانت الأم تريزا وأوبرا وينفري دائما الرقم واحد واثنين. فقد خصصت الأم تريزا حياتها كلها لأفقر الفقراء وتتهيأ الآن لتصبح قديسة بينما أوبرا ونفري من الشخصيات المشهورة لنجاحها في الإعلام.
المادة الثانية: نحكم العالم عسكريا وميزانية جيشنا أكبر من ثنتي عشر دولة مجتمعة، ومع ذلك لا نجد سلاماً بين أنفسنا حيث يخاف بعضنا بعضاً –أمريكيون ضد الأمريكيين- أكثر مما نخاف الإرهابيين.
المادة الثالثة: شاشات تلفازنا أكثر حدّة وأكثر إشراقاً من أي وقت مضى تظهر كل تفصيل في وضوح عظيم وبدقة متناهية، ولكن ما لذي يظهر بدقة ووضوح على شاشاتنا؟ وعلى خلاف التطور في نوعية الصورة فإن محتويات برامجنا تبقى على الدرجة نفسها من الإسفاف والطفولية والغباء..
المادة الرابعة: تبرز صفحة قومية المجاعة في أفريقيا بصورة لأطفال يكادون يموتون من الجوع، وتحت ذلك تماماً في الدعاية صورة لشاطئ البهاما الجميل مع إعلان: "إجازة خاصة في الكاريبي"
المادة الخامسة: يتخذ رئيس مجلس إدارة مايكروسوفت من موضوع "العمل الخيري العام" موضوع حديثه في جامعة هارفارد. وأن يأتي هذا من أغنى رجل في العالم يبيع أكثر آلية فعالية في عزل الإنسان وتحطيم المجتمع قد اخترعت (منذ التلفاز) وكل أمريكا تصفق ولا أحد يحفل بهذه السخرية.
        والغريب حول هذه المواد أنه لا أحد في أمريكا يعتقد أنها غريبة. ولا أحد يشعر بالغرابة حول سخرية وتناقض اشتراك هذه الأفكار. فالقديس الكامل والغارق في نفسه مقدم برنامج حواري هو الأكثر نيلاً للإعجاب والمرأة الثانية الأكثر إعجاباً في أمريكا ولا أحد يرمش جفنه عجباً. نحن شعب فخور بهيمتنا العسكرية النشطة ومع ذلك فإن بيوتنا وشوارعنا مرعبة تماماً مثل أرض معركة الأمريكان ضد الأمريكان. ولا أحد نظر من خلال ثقب صغير عن الحيرة. كل هذه يعطينا صورة عظيمة لموضوع لا معنى له والأطفال الجوعي والإجازة في شاطئ عند الغروب، وأغنى رجل في العالم يدعو إلى المثالية في عمل الخير وكل هذا جنباً إلى جنب في الإطار الفكري نفسه ومثل هذا الاختلاف الواضح للحياة والمجتمع يسيران بكل سهولة. وأغرب شيء في هذا كله لا أحد يلاحظ أننا لا نلاحظ أي شيء مطلقاً.
         ما هذه الأشياء سوى بعض رصد الأحداث والأفكار الخارجة عن الانسجام مع المنطق والعقل. –ومع ذلك تعد مقبولة عموماً- حتى إنها تصنع الحياة في أمريكا اليوم لتشبه زيارة متكررة لأخفض نقطة يصل إليها الضوء في المحيط.
        هل الأمر ببساطة نزع الحساسية من الأمريكيين لشدة المثيرات؟ هل أصبحنا غير قادرين على التفكير أو الإحساس بطريقة عادية كبشر؟ هل ممكن حتى أن نناقش الحياة في أمريكا بعقلانية وبمنطق؟ ماذا يمكن أن نستنتج من مثل هذا التحول في حياتنا ومجتمعنا؟
        بينما كنت أحاول أن أتصارع مع مثل هذه الأسئلة خطرت لي فكرتين غريبتين جعلتاني أرغب في كتابة هذا الكتاب.
        كانت الفكرة الأولى أنني أعرف كثيراً عن المجتمع الأمريكي بطريقة لا يشاركني فيها إلّا القليل. وقد خطر لي منذ وقت قريب فكرة تشبه الوحي –أنني لم أجمع تماماً كأستاذ في علم الاجتماع لعقود ثلاثة- كمية من المعرفة عن أمريكا أود أن أشارك غيري فيها. فطريقة معيشتنا وعملنا ونموت- وحدنا ومع الأمريكيين الآخرين –لها خفايا كثيرة يمكننا أن نقول أن هناك أمريكيتين الأولى نعتقد أننا نعرفها والأخرى مجهولة لنا تماماً. مثل هذه الخاطرة أجبرتني بما فيه الكفاية على أن أتحرك بصفتي عالم اجتماع لأبدأ بكتابة ما أعتقده عن أمريكا الخفية.
        والفكرة الثانية والتي ربما كانت أكثر قوة من الأولى أن المجتمع الأمريكي- وحياتنا فيه- تواجه نوعاً من المعضلة. ولا أقصد النوع الذي يناقش في التلفاز كل يوم بصفتها "مشكلات اللحظة" أعني المعضلة بالمعنى التي تؤثر في قلوبنا وأرواحنا وعقولنا وعلاقاتنا مع جيراننا ومع الغرباء في الوطن وفي الخارج. فإن كان هذا النوع من أمريكا لا يتلاءم مع ما نعرف أنه أمريكا الكبيرة السعيدة الملبية للطموحات نستطيع فقط أن نسأل أنفسنا سؤالاً بسطياً واحداً: لماذا نوجد مجتمع كهذا مليئاً بالإثارة والأفضل في العالم، وإذا لم نكن قلقين كثيراً حتى نهرب أو ننسي أنفسنا؟
         عندئذ ما ينتج من هذا الجهد هو صورة أمريكا التي تبدو مباشرة مألوفة ومع ذلك غريبة. فهي مألوفة بأنها إلى حد كبير هو ما نعيشه كل يوم: إنها أمريكا التي تتحدث إليها بصوت مرتفع وذات ألوان وبسرور. وفيها نلعب ونستمتع ونعيش. وفي هذه الألفة الشديدة هو الجزء غير المفيد لأهدافنا في اكتشاف أمريكا الخفية. إنه الجانب الغريب من أمريكا الذي يسبب المشكلات لنا ويخيفنا وربما يدفعنا إلى الهروب إلى اللاواقع الأكثر تلوناً وأكثر سروراً. وحيث يصبح الهروب أكثر إلحاحاً كل يوم وكذلك شهادته على فراغ حيانا ووحدة وجودنا المنعزل.
        وقد تناولت في هذا الكتاب هو الجانب الغريب من أمريكا لأني هذا البعد في الحياة الأمريكية يبقى إلى حد كبير غير ملاحظ ومنسي. وأفضل طريق لاكتشافه ومناقشته من خلال الأدوات التقليدية للسخرية والتناقضات والأوهام والتضليل، والمفارقات، والمعضلات، والسخافات التي جعلتها العنوان الفرعي لهذا الكتاب. وحدث أنني متخصص في علم الاجتماع ولكن الكثير من الأدباء والكتاب والمتخصصين في الدين يستطيعون استخدام هذه الأدوات لاكتشاف أنفسنا ومجتمعنا.
        ولتوضيح هذه الطريقة من النظر إلى الأشياء مرة أخرى فإن الرؤية "الاجتماعية" بصفتها واحدة –دعنا نقول إننا ننظر إلى رجل يحمل عشرة أسطوانات فيديو وصندوق من البيرة إلى بيته لنهاية الأسبوع فإن رد فعلنا المباشر للمنظر أنه سيكون "سعيداً" في عطلة نهاية الأسبوع. وفي الجانب الآخر حيث سخريتنا –ندرك أن الرجل يجب أن يكون تعيساً جداً من البداية. ولماذا إذن يحاول أن ينسي واقعه من خلال أسطوانات الأفلام والبيرة؟ فإن الصورة نفسها تعطينا صورتين ذهنيتين متناقضتين لحياة الرجل والمجتمع- السعادة والبؤس. وهذا الخيال هو ما اكتشفه الزائر من أستراليا سابقاً.
        ما الصورة التي تمثل الحقيقة عنه وعن المجتمع؟
        من المتوقع أن بائعي أسطوانات الأفلام المدمجة والبيرة سيقولان إن الرجل سعيد بأسطواناته وبيرته- على الأقل في نهاية الأسبوع- حتى يفرغ منهما. ومن المتوقع أن الرجل نفسه يمكن أن يجادل أنه رجل سعيد بسبب الترفيه واللهو الذي لديه.
        ولكن جانبنا الاجتماعي- الجانب المؤيد بالسخرية – سيرى أن الرجل يحتاج إلى الترفيه واللهو خلال نهاية الأسبوع لأنه تعيس للغاية وبائس في حياته ومجتمعه خلال الأسبوع. (نضيف "المجتمع" لحياته لأن حياة كل إنسان تتم في مجتمع.
        واعتماداً على الصورة التي نرى فيها الرجل نستطيع أن نقدم نوعين من العلاجات: الأول أن نجعل الترفيه أكثر ترفيهاً والتسلية أكثر تسلية حتى تكون الأفلام أكثر ترفيها وتكون البيرة أكثر تسلية للرجل. وهذا ما يريده البائعون ويعدوا بأن يفعلون كل يوم. أما الثاني يحتاج إلى تفكير ذكي واختيار-أن نوضح السخرية للرجل حتى يمكنه أن يرى الصورة كاملة بنفسه في ضوء آخر ويعيد تنظيم كل حياته والمجتمع.
        من الرجل في هذا الإيضاح؟ تماماً مثل الكابتن المتقاعد أعلاه إنه نحن وكل إنسان أمريكي. إنه جو العادي الذي نادراً ما يعي هذه السخريات في حياته كل يوم في أمريكا.


فردوس الغبي
        وهذا الكتاب باختصار هو الجانب الآخر من الحياة في أمريكا التي في جوهرها فردوس الغبي. فالجزء المألوف من أمريكا يؤكد على جانب الفردوس الذي يجذب غرورنا ورغباتنا وعاداتنا.ويحاول هذا الكتاب أن يُلقي الضوء على فردوس الغبي أكثر من الفردوس في الحياة الأمريكية والذي من الممكن أن يشعل العصف الذهني المجتمعي حول معيشتنا في المجتمع تماماً كما لم ير العالم من قبل.
ولأننا الأغنى والأقوى وليس لنا ند منذ الإمبراطورية الرومانية فكل مآسينا الشخصية وأمراضنا الاجتماعية سببها غباؤنا واختيارنا غير الحكيم. فإذا ظهرت أن المجتمع الأمريكي فردوس مزيف فلن نستطيع أن نلوم أحد بل أنفسنا. ولا يمكن أن يكون الواحد أمريكي إذا لم يعتقد أن أمته أرض نالت عناية الله ومختارة بخاصة للبركة. فهل هذا أساساً حلم الغبي في الجنة؟ إنه وهم صنعه تجارنا الذين يبيعوننا لا شي سوى حب الذات والتملق للذات وتضخيم الذات؟
إنني من أصحاب الفكر القديم بما فيه الكفاية لأؤمن بالخير الشر في المجتمعات وفي البشر. ما الخير؟ جوابي ببساطة: أي مجتمع أو سلوك إنساني يساعد كل أحد في كل مكان ليعيش في عدل وسلام على الأرض هو خير. والشر هو العكس تماماً: وأي سلوك مجتمعي أو إنساني يحرم الناس من حقهم في العدل والسلام على الأرض.
وكل المفاهيم الإنسانية مثل "الحرية" و"العدل" و"حرية التجارة" و "حقوق الإنسان" و"القوة العسكرية" و"الديمقراطية" وأي شيء هو خير فقط إن ساعد كل شخص ليكون سعيداً في عدل وسلام. وخلاف ذلك فإنها مجرد أعذار للمجتمعات الشريرة والسلوك الشيطاني. وكثير من مشكلاتنا- من صراعنا الشخصي إلى الحرب الجماعية والصراع- هو حقاً سلوك بين الخير والشر بشكل أو آخر.
وقد يجادل بعض القراء بطريقة هي شائعة اليوم بأنه ليس هناك اليوم شيء اسمه الخير والشر. هذا الجدال يسمى عموما نسبية ثقافية وهو وضع يقول أن العالم اليوم معقد بحث لا نستطيع أن نقول ما الخير وما الشر وكل مجتمع له حلوله لمشكلاته الاجتماعية. وفي الحقيقة تقول النسبية كل شيء رمادي. حسناً فإذا كان العالم اليوم معقد لدرجة يصعب معها معرفة ذلك (الخير من الشر) فإنني أصر إنه السبب الأقوى أن نتمسك بإرشادات فكرة التجربة والحقيقة للخير والشر. وبالإضافة إلى ذلك فإن الصخور وحدها والأشجار ومستوطنات النمل تستطيع أن تعيش في عالم رمادي. ففي كل مكان وكل لحظة تتصرف المجتمعات والبشر وفقاً لما يعتقدون أنه الخير ضد الشر.
ومباشرة نستطيع أن نفكر بالفكرتين الرئيستين للسعادة التي تهيمن علينا في أمريكا. أن نصبح أغنياء وأن نكون أقوياء عسكرياً. هذين العمودين يقفان ليكونا رؤيتنا الشخصية والجماعية لأمريكا. شخصياً نريد أن نكون أغنياء (يمكن أن نستخدم ألفاظ مثل "مرتاح" و"مكتف ذاتياً" أو "مستقل" ولكن أن نكون أغنياء يغطي كل تلك الرغبات) وجماعياً نريد المجتمع الأمريكي أن يكون لا يُغلب عسكرياً وليس فقط للحماية فقط ولكن بشكل طاغ متفوق على الجميع حتى لا يعتمد السلام على المفاوضات مع الآخرين كأنداء. وعمودي الرغبة المعشوق لدى معظم الأمريكيين في تصميم أن يخضع كل الناس لفكرتنا المشتركة عن الشخص "السعيد" والأمة.
أولاً بالنسبة للوصول للغنى فمعظمنا يعتقدون معظم الوقت أن السعادة مرتبطة إيجابياً بالمال. وحتى أولئك الذين يختلفون مع ارتباط المال بالسعادة لا زالوا ينكرون أن المال يشتري تقريباً كل شيء آخر وهو وضع سعيد للإنسان أن يكون فيه. ولكن المال الذي نريده لأنفسنا –وهو السبب الوحيد لإعطاء المال قيمة- لا يمكن مشاركته مع كل أحد بالتساوي ويجب أن ننكر على الآخرين الفرصة نفسها، لعبة الصفر وإلّا ستكون ملاييننا بلا قيمة، وتضيع سعادتنا من خلال المال. ولذلك فتلك طريقة غير جيدة لإيجاد السعادة في المجتمع وهكذا فإنها وعد زائف للسعادة.
وأما بالنسبة للجيش فالنتائج هي نفسها. فنحن في أمريكا نؤمن بوجود جيش قوي بما فيه الكفاية ليكون لنا عدو طبيعي. وعندما تكون التكاليف 400بليون سنوياً فبالتأكيد لدينا جيش يستطيع أن يدمر أي شيء في العالم. ولكن بقدر ما كان جيشنا ناجحاً خلال جرانادا وبنما والخليج وأفغانستان والآن العراق فهذا الاعتقاد بأقوى جيش يدعى الآن –العسكرة- لا يقدم بأي سعادة لنا أو لأطفالنا. لماذا.  تماماً مثل إيماننا بالمال يجب الافتراض بأن الطرف الآخر أضعف منّا. ولسنا أقرب إلى السلام العالمي –والسعادة العالمية من ذي قبل على الرغم من تفوقنا. وبصفته حل ذو اتجاه واحد فإن الانتصار الحربي يكون في صالح المنتصر، فالخاسر ليس سعيداً والنتيجة أنه يقسم على أخذ الثأر. فالخاسر وأصدقاؤه وأطفاله سيلاحقوننا لرد خسارتهم وبالتالي على جيشنا ان يحارب معركة أخرى قريباً أو بعيداً. ولن نكون سعداء أبداً بهذه الطريقة ولا يمكن تحقيق السلام عسكرياً.
ونحن نواجه مشكلات قومياً بسبب الحل الخاطئ بالمال من أجل السعادة حيث لا يوجد مال كاف لنا. وفي الخارج نواجه مشكلات لأن الحل العسكري ليس كافياً لأننا لن نستطيع أن نقتل أو ندمر عدوّنا وأصدقاءه وأطفاله. هذان فقط مصدران لتعاستنا الشديدة في أمريكا ولكن هناك العديد من الفرضيات الزائفة.
فمن بالتالي يستطيع أن يقول إن كانت طريقتنا في الحياة في المجتمع الأمريكي اليوم هي حقاً لنا أو ضدنا؟
الناقد الاجتماعي
يستطيع أي إنسان أن يقول رأيه في هذا الأمر. نقول إنها الديمقراطية. ولكن هذا التعبير الحر عن الرأي هو أحد عيوبنا أيضاً لأن العديد من الآراء تقدم دون معنى معين. فالآراء بهذه الطبيعة تقدم دون جدية وتؤخذ بلا جدية. وعندما تقوّم مثل هذه الآراء بجدية أكثر –أو أقل لا جدية- نسمّى ذلك علم اجتماع. ولذلك نستطيع أن نقول أن علم الاجتماع هو ببساطة رواية أخرى من رأي أكثر قيمة.
وأحد التقاليد التي لها زمن طويل في علم الاجتماع نطلق عليه النقد الاجتماعي. وهو ربما أهم جزء في  الدراسة المجتمع والأقل تقديراً ودعنا نعترف أنه لا أحد يقدر أن يُنتقد حتى لو كان الأمر لصالحه. ويكره المجتمع وبخاصة إن كان ناجحاً كالمجتمع الأمريكي أن ينتقد. ولكن علم الاجتماع بالإضافة إلى الأدب والنظرية والفلسفة وكثير من التعبيرات الإنسانية المتفردة تحفظ على الكرامة التي لها بسبب هذا التقليد النبيل. وهذا الكتاب ينتمي مثالياً لهذا التقليد.
فالناقد الاجتماعي هو المقتنع أن مجتمعه يحتاج إلى تحسين. والطريقة لهذا التحسين وفقاً للناقد أن يصبح المجتمع واعياً بعيوبه. ولكن هذه العيوب وفقاً لأي معايير؟ فبالنسبة لنقاد اجتماعي أمريكي  فالمعايير المثالية تعرف عموماً بما يجب أن يكون عليه المجتمع الأمريكي. وهذه المثاليات يمكن أن توجد في مراجعنا العامة في إعلان الاستقلال والدستور وقسم التحالف وخطاب الجتسبرج فهذه التصريحات تصنع "المثال الأمريكي". وتمثل هذه المثاليات آداب السلوك البسيطة والاعتدال مع بعضنا البعض ففي البلاد ونظهرها خارج الحدود التي تختلف مع الصفات الأمريكية المسيطرة – النهم للمال أو الانجاز العسكري السريع. وباختصار فهذا هو المفروض أن تكون أمريكا عليه. ويرى الناقد الاجتماعي أن أمريكا تتراجع عن مثالياتها. يشعر أنه مجبر بصفته باحث عمومي على يخبر أمريكا بانحرافها عن مثالياتها التي التزمت بها. فبالنسبة له أمريكا لم تعد أمريكية كما كانت في الماضي.
هل يكره الناقد أمريكا؟ هل هو السبب لانتقادهم؟ على العكس تماماً انظر مثلاً أنواعاً أخرى من الناقدي وأقصد نقاد الطعام ونقاد السينما ونقاد الفن. بالتأكيد هم يحبون ما ينتقدون. وبالنسبة للنقاد الاجتماعيين – والذين أعد نفسي تواضعاً واحداً منهم-يحبون مثاليات أمريكا التي لم تتحقق أكثر من إنجازاتها الواضحة في المادية والعسكرة. مثل هذه الإنجازات واضحة ومشهودة وموثقة مما يجعل تعليق مصير أمريكا كله عليها سيكون عديم الجدوى من أجل أي تقدم. وفي الحقيقة أناقش في هذا الكتاب إنه بسبب مثل هذا التفوق المادي غير المسبوق والتفوق العسكري أن أمريكا أخفقت في تحقيق مثاليتها. فلو أبعدنا هذه المثاليات من المجتمع الأمريكي فماذا يبقى فيه لن يكون هناك أي شيء أقل من المعادي للقيم الثقافية في العصر الحديث والصرّافين وجحافل الروم قدمت لحسن التدبير.
وقد يناقش بعضنا أننا فخورون أن لدينا أفضل الملتزمين بالثقافة وبجمع المال- شاهد هوليوود وشارع المال. ولكن يجب أن لا نستسلم لردود أفعالنا الساخرة لمثل هذا الرفض "للمثال الأمريكي" والذي هو الجانب الأفضل من شخصياتنا. فالسخرية متمثل للاستمتاع بشعبيتها ويحصل الساخر على التصفيق لأنه يناسب الجمهور بالعواطف الشعبية. ولكن نتيجة الجذب الساخر دائماً يدعو للندم. ومن الناجية الثقافية فإن السخرية تدعو شل النسبية ومن الناحية السياسية تخلق سلطة فاسدة مثل الفاشية.
وتعد الولايات المتحدة من بين كل أمم العالم الأمة الوحيدة التي لا تزال المجتمع المثالي للإنسان فقد عدّها البيورتان أرض الله وأن تكون الثانية بعد إسرائيل. وقد فهم الآباء المؤسسون أنها الجمهورية الحرة الكاملة حيث حريتها يستمتع بها كل المواطنين لأول مرة في التاريخ الإنساني وفي القصة الطويلة التالية من الحياة الأمريكية والمجتمع ثمة اعتقاد أن المثاليات الأمريكية قد تعرقلت. وهذا فالأرض الجديدة المختارة وأول جمهورية حرة- حصّنت وتم تقويتها من خلال التقنية والرأسمالية- قد دفعت لتوجد أغنى وأقوى أمة شهدها العالم.
ولكن بسبب كل السخريات والتناقضات والأوهام والخداع الخاصة بمثل هذه الأمة الغنية والقوية فإن وعود أمريكا التي كانت ذات مرة مثالية وثرواتها تهدد بأن تحوّل الأمة إلى فردوس الغبي.
لماذا وكيف حدث هذا هو موضوع الكتاب.

          🙊🙊🙊


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق