الثلاثاء، 12 أبريل 2016

من رحلة برنامج الزائر الدولي (التعليم الديني والتعليم العام في أمريكا)


        على الرغم من أن الطائفة البروتستانتية هي الغالب في أمريكا ولكن برنامج الزائر الدولي رتب لنا أن يكون المحاضر على الغداء هو البروفيسور وليام دنجزWilliam Dings من الجامعة الكاثوليكية الأمريكية في واشنطن ليحدثنا عن الدين والمجتمع، والدين والسياسة وأن ثمة فصل بين الدين والدولة في الولايات المتحدة الأمريكية. وتحدث عن الفرق بين الفصل بين الدين والسياسة في أوروبا وما حدث في أمريكا، فقال إن الفصل في أوروبا كان لحماية الدولة من الدين لأن أوروبا شهدت استبداد الكنيسة بالحكم والحياة والعلم وكل مناحي الحياة، أما في أمريكا فكان الفصل لحماية الدين من الدولة. وذكر أن كثيراً من المهاجرين الأوروبيين الذين قدموا إلى أمريكا عانوا اضطهاداً دينياً فكان الفصل لحمايتهم وحماية الدين. وتحدث عن الأديان في أمريكا وتناول قضية الإحصائيات التي تقدم لأعداد من ينتسب لكل دين. فقال إن الإحصاءات الرسمية التي تحدث في أمريكا كل عشر سنوات لا تسأل الناس عن أديانهم، ولكن أصحاب الأديان هم الذين يقدمون مثل هذه الإحصائيات فمثلاً بعض الكنائس يعدون أي أحد يزور الكنيسة ولو مرة واحدة. كما أن بعض الإحصاءات تتم عن طريق الباحثين الاجتماعيين وذلك بأخذ عينات من المجتمع ولكن تلك العينات يحدث فيها أخطاء. وأما المسلمون فهناك من يقول إنهم ستة أو سبعة ملايين وهم في الحقيقة لا يتجاوزون المليونين بكثير.
       وأما هذه الجامعة فعدد طلابها حوالي ستة آلاف وخمسمائة طالب في المرحلة الجامعية والدراسات العليا،وقد تأسست بأمر بابوي عام 1887م ويديرها مجموعة من القساوسة بصفتها المعهد القومي للكنيسة الكاثوليكية الأمريكية، وتتميز الجامعة في مجالي الآداب والعلوم كما أن المعهد الكاثوليكي القومي للخدمات الاجتماعية من المعاهد المميزة على مستوى الولايات المتحدة. ومن الكليات المتميزة في الجامعة كذلك كلية العمارة والتخطيط وكلية التمريض، وهذا التميز بلا شك يجذب إليها الطلاب من أنحاء أمريكا كافة ومن البلاد التي تدين بالكاثوليكية. وهذا يعطينا فكرة أن رجال الدين النصارى أو الجامعات الدينية في أمريكا لم تقتصر في دراساتها وتخصصاتها على تخصصات الدين والعقيدة ولكنها دخلت جميع مناحي الحياة الأكاديمية وأبدعت فأصبحت متقدمة على كثير من الجامعات غير الدينية. وإن كانت الجامعات الإسلامية المتخصصة في العلوم الشرعية في العالم الإسلامي مثل الأزهر فقد الصبغة الدينية فهل ارتفع مستواه الأكاديمي لينافس الجامعات الأخرى؟ وهل جامعاتنا الإسلامية كجامعة الإمام والجامعة الإسلامية استطاعت أن تنافس؟ ولكن نظراً لأنه ليس لدينا جهات مستقلة تقوم بتقويم الجامعات كما أن الجامعات لا زالت لم تنشئ إدارات للنوعية والجودة لتكون المراقب الأول لما تقوم به ثم يأتي دور المؤسسات الخاصة في المراقبة والتقويم فإننا سنظل لا نعرف حقيقة مستوى الجامعات.
       كما أنشئ في الجامعة معهد باسم (معهد دورة الحياة) عام 1974 للقيام بالبحوث الاجتماعية وتدريب طلاب الدراسات العليا في مجال التطور البشري. ويأتي أعضاء هذا المعهد من أقسام علم النفس وعلم الاجتماع والسياسة والتاريخ والتربية وعلم الإنسان. ويواصل الطلاب دراساتهم العليا للحصول على الدكتوراه من المعهد في هذه التخصصات. ويتركز البحث في الوقت الحاضر على التداخل بين الدين والمجتمع، وتطور الشباب والتربية والمجتمع المدني والحركات الاجتماعية.
     من الطريف أن المحاضر تناول صحن السَلَطة فقط وتأخرت الوجبة الرئيسة فلما جاءت كان الجميع يأكل بينما امتنع هو عن الطعام حتى يقدم محاضرته في الوقت المخصص وهو مدة ساعة. في الوقت الذي قد يصر صنف آخر من المحاضرين على تناول الطعام ويختصر المحاضرة. وقد أعجبني سلوكه فبإمكانه تناول الطعام بعد إنهاء المحاضرة ولو كان ذلك سيكون على حسابه.
        وكان النشاط التالي الاستماع لمحاضرة للأستاذ أكرم إلياس عن النظام السياسي الأمريكي وكان حديثه نوعاً من الدعاية للنظام السياسي الأمريكي ولعله يكون فيه كثير من الحقائق بلا شك. فتحدث عن الكونجرس ومجلس الشيوخ والولايات والتجمعات المدنية المختلفة. فأمريكا لها مجلس ممثلين هو الكونجرس ومجلس الشيوخ، ويتم اختيار ممثلين عن الولايات وفقاً لعدد سكانها أما مجلس الشيوخ فلكل ولاية ممثلان. وهناك داخل الولايات يوجد الحاكم لكل ولاية وهو منتخب كما أن للولايات مجالس ممثلين، بل إن التمثيل هناك يصل إلى ما دون الولاية فكل ولاية تتكون من عدد من المقاطعات.
          وأكد على أن الحكومة الفيدرالية تهتم بأمرين أساسين هما الدفاع والسياسة الخارجية وأن الولايات تدفع ضرائب يصل بعضها إلى الحكومة الفيدرالية والحكومة الفيدرالية تمول مشروعات في تلك الولايات في مجال التعليم. وأكد على أن استقلالية كل ولاية في نظامها القضائي والتشريعي والتعليمي، بل إن كل مقاطعة يكون لها نظام أو مجلس تعليمي يقر المناهج وغير ذلك. كما أكد المحاضر على أن مسألة انفصال الولايات أمر مستبعد لأنه لا داعي لمثل هذا الأمر فكل ولاية تكاد تكون شبه مستقلة بل هي المستفيدة من الحكومة الفيدرالية، وتميزت المحاضرة بعرض الجوانب الإيجابية من النظام الفيدرالي ولكنها لم تتطرق للسلبيات. ويمكن أن يكون الأمر صحيحاً، ولكن ليس من الطبيعي أو المعقول أن تدعو وزارة الخارجية شخصاً يظهر أية عيوب في نظام الحكم الأمريكي. وكان يردد بين الحين والآخر أن النظام الفيدرالي عظيم ولا يمكن لأية ولاية أن تفكر في الانفصال على الأقل في المنظور القريب. ولكن ما حدث منذ انتخاب بوش الابن في المرة الأولى والتنازع على عد الأصوات قلت في نفسي هذه بداية الانهيار في النظام الأمريكي لأنه ستبقى في نفوس الكثيرين أن بوش وصل إلى سدة الحكم بطريقة ملتوية حيث إن أخاه كان حاكماً لإحدى الولايتين المتنازع فيها على عد الأصوات.    وكاد يحصل الشيء نفسه في الفترة الثانية مع آل قور لولا أن آل قور أسرع في الاستسلام وقبول الهزيمة. كما أن نزول اليمين المسيحي المتطرف في انتخابات التمديد يدل على أن هذا اليمين المتطرف سيكون له كلمة في المستقبل وهو متطرف بمعاييرهم قبل معاييرنا. وهناك قضايا تتدخل فيها الحكومة الفيدرالية تضايق الولايات ولكنها ربما لا تزال صغيرة فربما يكبر حجمها وتبدأ بعض الولايات بالتململ.
        وعلقت على المحاضرة أن المحاضرة كانت مفيدة وأن هناك من قام بدراسة الحكومة الأمريكية من أمثال الدكتور أحمد البرصان الذي نشر مقالة في مجلة المجلة عام 1988م بعنوان (كيف تصنع الجامعات ومراكز البحوث قرارات الكونجرس والحكومة الأمريكية، كما أن الدكتور منصف السليمي أعد دراسة أخرى عن الحكومة الأمريكية، ولكننا مع ذلك بحاجة إلى مزيد من الدراسات. وما قلته عن اللامركزية في الحكومة الأمريكية الفيدرالية فإن الحكومة الإسلامية ظلت إلى قرون عديدة تترك الشعوب تحكم نفسها بنفسها وتقرر أمور التعليم والاجتماع والصحة وغير ذلك حيث كان اهتمام الحكومة المركزية لا يتجاوز الدفاع والأمن والسياسة الخارجية. وقد أصدر الدكتور أحمد الريسوني كتاباً رائعاً بعنوان (الأمة هي الأصل) وقال كان جزء الهرم الأعلى للدولة ولا يتجاوز ذلك الثلث، بينما أصبح الهرم مقلوباً في عصرنا الحاضر وصار للدولة تدخل في كل جوانب الحياة من التعليم الابتدائي إلى الجامعين والحكومات لها وزارات ثقافة ووزارات تعليم وتعليم عالي ووزارات اقتصاد ووزارات صحة. فصار ثلثي الحياة تسيطر عليه الدولة وتديره ولم يبق للشعوب إلاّ الثلث والثلث كثير.

        ويعجبني في هذا المجال تعريف الدكتور عبد الله النفيسي للسياسة حين يقول: "والسياسية في رأيي المتواضع هي القرار السياسي الذي نكون نحن إما أبطاله أو ضحاياه فهي التي تحدد كل شيء من المناهج الدراسية التي يدرسها أبناؤنا إلى البرامج التي نشاهدها على التلفزيون إلى الطعام الذي نأكله واللباس الذي نلبسه، وهي التي تحدد طريقة الحياة التي نعيشها وما يمكننا أن نتحدث فيه أو نسكت عنه إنها تحدد كل شيء تقريباً حتى النقود التي نحملها في حافظة النقود في جيوبنا فإذا كانت هذه هي السياسة كلها فلماذا تكون قاصرة على فئة معينة من الشعب ويحرم الشعب كله من الحديث فيها." وهذا يصدق على الأمريكان الذين عزفوا عن المشاركة في الانتخابات لما تتضمنه هذه الانتخابات من أساليب يمكن وصفها بالتنافس غير الشريف أو حتى تصل إلى أن تكون دنيئة، ويقول في ذلك جيمس زغبي كانت هناك حملة انتخابات لممثلي البرلمان (الكونجرس) فكان أحد المتنافسين يصف غريمه بالغشاش، والذي يصف الآخر بالكذاب، فهل يختار الناس غشاشاً أو كذاباً، فالعقل يقول إذن يترك الجميع.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق