التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ثورة يوليو واختلال قيم المجتمع المصري؟

بسم الله الرحمن الرحيم

الكتاب: الانفجار الجنسي في مصر، تأليف ياسر أيوب، الناشر دار سفنكس- القاهرة 1995م
كاتب العرض: علي عطا
جريدة الحياة، العدد 11715 في 19 /3/1995م( 18/10/1415هـ)
    تقديم: هذه مقالة قديمة وجدتها في أرشيفي وقد ضاع الكثير بسبب النقل من بلد إلى بلد ووعود أخلفها مسؤولون غير مسؤولين ولكن الحمد لله ما بقي فيه البركة وهذه المقالة تتحدث عن زمن مضى ولكن فيها العبرة لمن يعتبر بأن حكم العسكر كارثة وأي كارثة ليس في مجال المال والاقتصاد ولكن في المجال الاجتماعي والأخلاقي
          يختلف مؤلف هذا الكتاب مع الرأي السائد الذي يقول إن سياسة الانفتاح التي اتبعتها مصر منذ منتصف السبعينيات هي السبب المباشر وراء تفشي الكثير من القيم السلبية في المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة، سواء على المستوى الفردي أو المؤسساتي، ما أدى خصوصاً إلى تزايد حوادث الاغتصاب وجرائم الزنا، فالمؤلف يخلص في البحث الذي يضمه الكتاب والذي استغرق إعداده ثلاث سنوات إلى أن ثورة تموز (يوليو) هي المسؤولة أساساً عن هذا الخلل.
يضم الكتاب 14 فصلاً يعرض المؤلف خلالها للكثير من النماذج الدالة على تطور الحياة الاجتماعية والقيم الأخلاقية في المجتمع المصري الحديث، ويقف طويلاً أمام مظاهر الارتداد القيمي التي ازدادت في السنوات الأخيرة واتخذت في كثير من الأحيان صورة عدم الاكتراث بعفة الجسد. ومن المظاهر على سبيل المثال: ترك أربع طبيبات شابات لمهنتهن والعمل راقصات في ملاه ليلية، وتزعم أستاذة جامعية لشبكة دعارة وازدياد معدلات حوادث اغتصاب الأطفال في المدارس ودور الحضانة..وهو ما تؤيده إحصائيات المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية.
ويشير المؤلف في مقدمة الكتاب إلى أن هذه الظواهر "تمثل واقعاً لن يقبله أو يفهمه كل من اعتاد الكلام والأحلام وتعاطي الحياة والتفكير بوجهة النظر الرسمية أو كل من اعتاد أن يغلق عينيه فلا يرى إلّا ما يريد ولا يسمع إلّا ما يحب..وإنما لن يراه ولن يلمسه إلّا كل من يخرج إلى الشارع من يجيد قراءة دفاتر يوميات الغلابة والأغنياء من يضطر إلى قراة صفحات الحوادث المكررة في الصحف اليومية ليس من أجل التسلية في وقت الفراغ وإنما كمحاولة للتفتيش عن هموم الناس وأحوالهم وحقائق حياتهم."
أزمة الأخلاق هذه التي تعتبر محور هذا الكتاب يرجعها المؤلف أساساً إلى انفتاح أبواب مصر واسعة أمام الأجانب والأوروبيين بصفة عامة خلال سنوات القرن التاسع عشر، فعدد هؤلاء كان لا يزيد على مائة شخص في العام 1800 ووصل إلى 250 ألف شخص في العام 1900م ويشير إلى أن مؤرخي تلك الفترة سواء من الوطنيين أو المستشرقين أجمعوا على "أن هؤلاء الأجانب علّموا المصريين بمختلف طبقاتهم تناول الخمور ومتعة الحفلات الضخمة التي كانت تسمى في ذلك الوقت بحفلات "الباللو" وعلّموهم كذلك ارتداء البنطلون ثم الرقص للمرة الأول على أنغام الموسيقى واستبدال لافتات الخط العربي والآيات القرآنية في حجرات الاستقبال باللوحات الزيتية وأثاث من طراز لويس الخامس عشر، كما أن هؤلاء الأجانب شرعوا بعد استقرارهم في البلاد في فتح الخمّارات والفنادق والمطاعم وبيوت الدعارة، ويوضح المؤلف أن الأمر ازداد سوءاً خلال سنوات الحرب العالمية الأولى حيث استغل بعض القوادين الدوليين قوانين حماية الأجانب وامتيازاتهم وعدم وجود رقابة على الموانئ والمطارات ودفعوا بالكثير من داعرات أوروبا للعمل في مصر وخصوصاً في حي "وش البركة" في القاهرة، ويضيف أن هذه الأجواء ساعدت في انتشار موجة من الأغاني الخليعة والكتب الفاضحة والمسرحيات التي يتضمن حوارها –المرتجل غالباً-الكثير من الألفاظ الصارخة والبذيئة، فضلاً عن تفشي مظاهر عدة للإنحلال الخلقي في الأندية والجامعات وحتى في المدارس الثانوية، وكل ذلك استمر رغم إلغاء البغاء الرسمي في العام 1949م وإصدار قانون لمكافحة الدعارة في العام 1951م.
وعندما اندلعت ثورة تموز (يوليو) كان من المبادئ الستة التي أعلنت أنها قامت لتحقيقها، مبدأ إقامة حياة اجتماعية سليمة ويرى المؤلف أن الثورة أهملت جوهر هذا المبدأ تماماً، ولولا ذلك لكان ممكناً تجريف تربة هذه الانحرافات الخلقية ومن ثم ما كان لرقعتها أن تتسع وتزداد حدّة مظاهرها في أعقاب تبني النظام المصري لسياسة الانفتاح ابتداءً من منتصف السبعينيات.
ويتفق المؤلف مع الرأي الذي يقول أن العدالة الاجتماعية كأحد شعارات ثورة 1952 كانت لا تعني أكثر من مجرد مجموعة من الإصلاحات كمجانية التعليم والعلاج مع بقاء الترتيب الاجتماعي كما هو، معتبراً أن التوجه الاجتماعي للثورة كان الغرض منه سياسياً أكثر منه اجتماعيا.
ويضيف "يبدو أن الثوار الذين تولوا مقاليد الحكم والسلطة تخيلوا أن المصريين كانوا يحيون حياة مثالية لم يكن يعيبها إلّا بعض الأزمات الاقتصادية والعرش الملكي والاحتلال الإنجليزي "، ويشير إلى أنه بدلاً من أن يكون قادة ثورة "يوليو" على الأقل قدوة للسلوك الاحتماعي القويم فإن كثيرين منهم تورطوا في علاقات حميمة مع بعض أميرات الأسرة المالكة وبعض سيدات الطبقة الثرية في مصر في صفقة استمتع الطرف الأول بنساء كن بالأمس على القمّة في مقابل خروج هؤلاء النساء من البلاد بأموالهن ومجوهراتهن"
ويشير المؤلف أيضاً إلى تورط جهاز المخابرات العامة برئاسة صلاح نصر في فترة حكم عبد الناصر في إدارة شبكة منافية للآداب وتضم مجموعة كبيرة من الممثلات والراقصات كما يذكر رواج روايات إحسان عبد القدوس الذي اكتفى بالحكايات المثيرة عن رجال ونساء الطبقات الجديدة التي زرعتها الثورة في نسيج المجتمع، ولم يهتم بتعرية الواقع مثلما تعرت بطلاته من فرط الرغبة"، وكذلك إلى ازدياد انتشار الأفلام المليئة بمشاهد الجنس والكتب الخليعة خصوصاً في أعقاب هزيمة 1967، ويضيف أن الناس كانت تتلقى رذاذ ما كان يحدث في القمة وما كان يجري في القاع خلال تلك الفترة فأصبحت مهيأة بعد ذلك لأن تتلقى بلا مبالاة أنباء حوادث وجرائم الاغتصاب التي بلغت أوجها في الثمانينات.

        

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تلخيص كتاب منهج البحث التاريخي للدكتور د. حسن عثمان

الطبعة: الرابعة. الناشر: دار المعارف بالقاهرة (تاريخ بدون). عدد صفحات الكتاب: 219 صفحة من القطع المتوسط. إعداد: مازن صلاح المطبقاني في 6 ذو القعدة 1407هـ 2 يوليه 1987م بسم الله الرحمن الرحيم المقدمة : يتحدث فيها المؤلف عن معنى التاريخ، وهل هو علم أم فن، ثم يوضح أهمية دراسة التاريخ وبعض صفات المؤرخ وملامح منهج البحث التاريخي. معنى التاريخ: يرى بعض الكتاب أن التاريخ يشمل على المعلومات التي يمكن معرفتها عن نشأة الكون بما يحويه من أجرام وكواكب ومنها الأرض، وما جرى على سطحها من حوادث الإنسان. ومثال على هذا ما فعله ويلز في كتابه "موجز تاريخ العالم". وهناك رأي آخر وهو أن التاريخ يقتصر على بحث واستقصاء حوادث الماضي، أي كل ما يتعلق بالإنسان منذ بدأ يترك آثاره على الصخر والأرض.       وكلمة تاريخ أو تأريخ وتوريخ تعنى في اللغة العربية الإعلام بالوقت، وقد يدل تاريخ الشيء على غايته ودقته الذي ينتهي إليه زمنه، ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة. وهو فن يبحث عن وقائع الزمن من ناحية التعيين والتوقيت، وموضوعه الإنسان والزمان، ومسائله أحواله الم...

رسالة إلى الشيخ محمد الصالح رمضان واستشارة علمية

    أستاذي الجليل الشيخ محمد الصالح رمضان    حفظه الله ورعاه السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد فهذه أول رسالة أكتبها إليكم بعد لقائنا الذي تم قبل أربع سنوات تقريباً حين كنت أجمع المادة العلمية لبحثي حول الدور الوطني لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين لقد أكرمني الله بإنجاز البحث وإهداء نسخة منه إليكم، وأرجو ان تكون قد نالت رضاكم فكم كان بودي أن أسمع وأيكم في ذلك العمل. أستاذي الكريم         لما وجدت أن ما لدينا من كتابات حول الجزائر قليلة بل نادرة، عزمت بعون الله أن أقدم ترجمة للشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله في سلسلة أعلام المسلمين التي تنشرها دار القلم بدمشق. وكما تعلمون فالكتابات عن حياة ابين باديس رحمه الله كثيرة في الجزائر، ولكن شخصيته المتعددة الجوانب والثرية تشجع دائماً على الكتابة عنها.        أمّا سؤالي فهو: ما هي الجوانب التي ترون أنه لم يتطرق إليها البحث بصبوره موسعة؟ وما هي الإضافات التي يمكن أن نتحدث عنها؟ أرجو أن تحدثوني عن نشاطاته رحمه الله، وعلاقاته بأفراد المجتمع الجزائري ا...

حوار مع المستشرق برنارد لويس

               عندما شرعت في إعداد بحث الدكتوراه حول منهج المستشرق برنارد لويس كان لا بد من الإعداد للقائه، وقد زرته في مكتبه في جامعة برنستون التي كان قد تقاعد منها ولكنه كان يحتفظ بمكتب فخم كبير. وأجريت معه لقاءً مطولاً قدمت له فيه عدة أسئلة فأجاب عنها وسجلتها في آلة التسجيل ثم نسخت المادة وبعثتها إليه لتوثيقها. وتأخر كثيراً في توثيق الحوار وفي الأخير أرسل الحوار مطبوعاً كله ومعه رسالة اعتذار يبدي فيها أسفه للتأخر في الرد ولو لم أزعجه بالتعقيب لما اعتذر.        وفيما يأتي الأسئلة وإجابات لويس ثم تعليقي على الإجابات. وعلى الرغم من أنني ناقشت تلك الإجابات في طيات رسالتي للدكتوراه لكني هنا جمعت تلك التعليقات في مكان واحد. الأسئلة والإجابات:        لهذا الحوار قصة طريفة، فقد سبقه مراسلات بين الباحث والمستشرق، وقد اتسم رد لويس بالتردد والممانعة. كما إنه كال التهم جزافاً للباحثين والمؤرخين في دول العالم (غير الحر) من حيث عدم تمتعهم بما يتمتع به الباحثون في (العالم الحر) من حرية الرأي، وأن بح...