الجمعة، 11 مارس، 2016

من تجربتي في البحث العلمي (2) و(3)


        عندما أعددت خطة البحث التي كانت بعنوان (جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية من عام 1349-1358هـ/1931-1939م) لم أجد في مكتبة جامعة الملك عبد العزيز سوى أربعة أو خمسة كتب، ولكن استطعت والحمد لله إعداد الخطة في فترة وجيزة، واستطاع المشرف أن يقنع القسم والكلية بالموافقة على الخطة، وتلك ميزة أحسب أنها ممتازة لصالح قسم التاريخ في الأعوام 1402 و1403هـ أعددنا الخطة ثم لمّا بدأت الكتابة لم أجد مادة كافية في فصل أو أكثر فحذفت دون إجراءات مطولة. وكأنّ الأستاذ هنا مؤتمن على أن يقدم الطالب بحثاً جيداً.
        بدأت التفكير  بالسفر إلى الجزائر، والجزائر في تلك الأيام وربما حتى الآن، ليست بلداً سياحياً للعرب، الفنادق إما باهظة التكاليف، أو تعيسة قد ينقطع الماء فلا تجد ما تشرب أو تغسل وجهك أو تتوضأ. ولكن لمّا كنت أعمل في الخطوط كنت أطلب من مدير المحطة أن يقوم بالحجز، وربما الاستقبال والمساعدة. ومن الفنادق التي نزلت فيها الأورواسي- وهو الفندق الكبير الذي ينزل فيه ضيوف الدولة- ونزلت في فندق ألبير برميير (يعني ألبرت الأول)(من هو ولماذا يسمي الجزائريون فندقاً باسمه لا أدري) ونزلت في فندق الجزائر وفي فندق السفير. وأذكر مرة أنني نزلت في فندق بلا نجوم أو من الدرجة العاشرة فلم أتمكن من البقاء فيه ساعة لأنه غير مريح، غير نظيف، تعيس بكل معنى الكلمة. وكان لي صديق من الجزائريين فطلبت منه أن يستضيفني في بيته وفعل. وكان يركب التاكسي إلى بيته، فجاء إلى الفندق وحملت حقيبتي وقال تعال نُصلب! أي نقف فترة طويلة ننتظر أن يصل تاكسي، فقد كان عدد سيارات الأجرة قليلاً جداً في الجزائر في عام 1403هـ وكان ذلك في شهر شوال. أي بعد أن أمضيت أيام العيد مع أولادي انطلقت إلى الجزائر.
        وبينما أنا أتجول في شوارع العاصمة مررت بمكتب الخطوط إما لأمر يخص الحجز أو لشيء آخر، وطلبت من الفتاة التي تعمل في المكتب كأس ماء، فكان هناك أستاذ مصري فقال ما دمت تعرفهم فهل تتوسط لي للحصول على الحجز للحج؟ فقلت سأحاول، ودار الحديث بيننا عن سبب مجيئي إلى الجزائر فأخبرته بأنني أبحث في التاريخ الجزائري وبخاصة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. فقال غداً يبدأ ملتقى الفكر الإسلامي السابع عشر في قسنطينة وستجد عدداً من العلماء في المؤتمر، ويمكنك زيارة وزارة الشؤون الدينية ويرتبوا لك الاشتراك في المؤتمر والسفر مع ضيوف المؤتمر في الطائرة الخاصة. وكان معه سيارته الخاصة فاصطحبني إلى الأستاذ حمودة من كبار المسؤولين عن الملتقى، فلما عرف سبب زيارتي رحب بي. وبالفعل كنت في الموعد المحدد في المطار وركبت معهم. وفي أثناء الرحلة سمعت بعض المشايخ يتحدثون عن جمعية العلماء، فالتفت إليهم وقلت أنا طالب ماجستير من السعودية وجئت لأبحث في تاريخ الجمعية. فرحبوا بي وبدأ الحديث لأتعرف منهم على أسماء العلماء الذين مازالوا على قيد الحياة ومن المهم أن أقابله وأخذت معلومات كثيرة.
        وصلنا قسنطينة وهي مدينة تقع شرق العاصمة الجزائر وتبعد حوالي ثلاثمائة كيلومتراً أو أقل قليلاً. بدأ توزيع الضيوف على الفنادق فقيل لي إنك جئت متأخراً فليس لك غرفة في فندق ولكن ستسكن مع بعض ضيوف المؤتمر في سكن الطلاب في مدرسة الإدارة. فقلت لا بأس وكان خيراً حيث في هذا المكان المتواضع تعرفت إلى عدد طيب من الإخوة الجزائريين الذين أصبحوا أصدقاء، ومنهم الأخ الذي استضافني في بيته عدة مرات. وهذا الأخ هو الأستاذ عبد القادر برهومي (درس الفلسفة في بغداد) والآخر محمد شيوخ. وقابلت الشاعر الأخضر وشاعراً آخر هو مصطفى الغماري (وكان شاباً وزار إيران وتحمس للثورة في إيران، ولعله تراجع الآن عن تلك المواقف) وقابلت آخرين – كنت أدون مذكراتي في الرحلات ومازلت وكثير من الأسماء حينما أبدأ في تنقيح هذه المذكرات إن شاء الله سأسجلها (الدفاتر ليست بين يدي الآن)
        أمضيت أسبوعاً جميلاً حضرت كثيراً من محاضرات الملتقى الذي كان عن الاجتهاد وحضره من السعودية الدكتور عبد الله التركي وقدم بحثاً عن الاجتهاد عند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله.
        عدت إلى الجزائر وبدأت في زيارة المكتبة الوطنية للاطلاع على الصحف الجزائرية القديمة والسؤال عن الوثائق. وفي اليوم الأول بعد أن اطلعت على بعض الصحف القديمة وقلبتها أردت أن أصور بعض المقالات. فقيل لي لا يسمح لك بتصوير أكثر من عشر صفحات. فغضبت وانفعلت وقلت له أحضر إلى هنا من السعودية وتسمح لي بعشر صفحات فقط في اليوم فلو كنت أريد تصوير مائة صفحة لاحتجت إلى عشرة أيام، وأنا موظف وليس لدي الإمكانية أن أبقى مدة طويلة. ثم قلت له مستعد أن أشتري لكم الورق. فقال لا نريد منك ورقاً ولا نحتاج لمالك، هذا هو النظام. وبعد محاولات عدة معه سمح لي بأن أصور أكثر واسم هذا الموظف محمد رحومة. وصورت ما استطعت تصويره. ولكن قبل أن أستطيع استخدام المكتبة كان لا بد أن أمر على مدير المكتبة، وكان يأتي يوماً ويغيب الآخر، وأخيراً لما جاء دار بيني وبينه حديث عرفني وعرف رسالتي، فوافق على أن أستخدم المكتبة.
        وأخبرني أحدهم أن الصحف الجزائرية القديمة موجودة في المكتبة الوطنية في باريس في الفرع التجاري وبإمكاني شراؤها. فأخذت ما أستطيع، واشتريت كتباً، وربما قابلت بعض العلماء في هذه الرحلة. وكان لا بد من رحلة أخرى. ولكني علمت أن زميلاً من جامعة الإمام يبحث في الجمعية ويمتاز باللباقة وطيب المعشر، فحصل على كثير من المعلومات التي لم يبخل بتقديم نسخ منها لي كما أنني قدمت له ما حصلت عليه من الجزائر في رحلاتي المتعددة، لأنني كنت موظفاً في الخطوط السعودية، أما هو فمعيد و لا تسمح إمكاناته بأكثر من سفرة واحدة. واسم هذا الباحث الدكتور اسحق عبد الله السعدي. وتخصصه ثقافة إسلامية بينما كنت متخصصاً في التاريخ الحديث. وأشرف عليه أستاذ فاضل هو عمر الخطيب رحمه الله ، وجاءت رسالته في ثلاث مجلدات بينما لم تزد رسالتي عن مائتين وستين صفحة.ولمّا عرف الدكتور أبو القاسم سعد الله أنني قدمت بعض المادة العلمية لزميلي إسحق قال الباحثون في موضوع واحد يستأثر كل منهم بما عنده من وثائق ليأتي بحثه متميزاً. فقلت له أنا لا أؤمن بهذه الفلسفة. وكدت أضيف سيكون بحثي مميزاً مهما كانت الأمور.
        زرت الجزائر ثانية وثالثة ورابعة أجمع مادتي العلمية وأقابل العلماء وأجري معهم لقاءات علمية أسجلها بالمسجل لأفيد منها في كتابة البحث، وكن من هؤلاء المشايخ محمد خير الدين رحمه الله وهو من الأعضاء المؤسسين للجمعية والشيخ حمزة بوكوشه، وله صوت مميز وكبير في السن ومن الأعضاء القدامى، وقابلت محمد الصالح الصديق، وقابلت محمد صالح رمضان، وقابلت محمد قنانش، وهو من حزب الشعب الذي أسسه مصالي الحاج وهو من المتغربين رحمه الله، وكان قنانش يكيل السباب للجمعية لأنها مؤسسة على الدين وهم لا يرون الدين يصلح أن يكون أساساً للعمل السياسي.
        كما قابلت أمين مكتبة رئاسة الجمهورية، وحاول أن يوهمني بدوره الكبير في أمور الحركة الوطنية، ولكن نبرة صوته كانت تنبي عن غير ما يقول. وكان من أدلتي على ذلك أنه امتدح رجلاً كان يقول: "حيثما تكون ثورة أكون، وحيثما أكون تكون ثورة" ومثل هذا الكلام يقوله المعجب بنفسه. وقديماً قيل" كفى بالمرء جهلاً أن يُعجب بكل ما عمل". وهذا المعجب بذاته أحمد توفيق المدني.
وقابلت وزير الشؤون الدينية الشيخ الأستاذ عبد الرحمن شيبان- أصبح رئيساً للجمعية بعد إعادة تنشيطها، ولكن شتان بين جمعية حاربت الاستعمار الفرنسي وجمعية تحارب العلمانية والتغرب والتفرنس. ورجال زمان ليسوا مثل رجال اليوم، وإن كنت لم أطلع على نشاطاتهم تماماً ولكني أميل إلى أن الجمعية الأولى كانت أقوى.
        وفي لقائي مع الوزير سألته عن رأيه في كاتب صحفي أو رئيس تحرير صحيفة الشعب الجزائرية محمد عباس وكان يكتب مقالات ينتقد الجمعية وينتقص منها ومن رجالها ويسخر. فقال أقول لك بيتين هما ما أقوله فيه: وبدأ يقول الأبيات وأحببت أن أكتب فقال لا لا تكتب. ولكني حفظت، والبيتان هما:
        وشادن قلت له ما اسمك يا فتي         فقال باللثغة عبّـــاثُ
        فصرت من لثغته ألثغ                   وقلت أين الكاث والطاثُ.
وحدثت لي قصص طريفة أذكر واحدة منها أنني كنت في الجزائر في وقت قدوم الحجاج وكانت طائرات السعودية مزدحمة، وتذكرتي المجانية لا قيمة لها، فذهبت إلى الجزائرية، أبحث عن مقعد لأنني مضطر للعودة إلي العمل، فبت الليل كله في  المطار أنتظر رحلة الخطوط الجزائرية في صباح اليوم التالي. واشتريت تذكرة بالعملة الصعبة أو ببطاقة الائتمان. ولكن كانت ليلة عصيبة لم أعرف أنني سأعود إلى المملكة بعد يوم أو يومين أو شهر. وركبت الطائرة ولم يكن فيها مقعد واحد شاغر والركاب معظمهم من كبار السن ومن القرى وبعضهم لم يركب الطائرة من قبل فكانت رحلة صعبة، ولكن ما أجمل الرجوع إلى الوطن.
        وفي أثناء البحث في تاريخ الجمعية زرت مدينة إكس إن بروفانس وباريس وكانت لي تجارب طريفة فيهما.


تجربتي في البحث العلمي (3)
        عندما كنت في الجزائر أبحث عن المادة العلمية لبحثي كانت مجلة (الثقافة) من المجلات المهمة التي لا بد من الاطلاع على أعدادها المختلفة، فذهبت إلى مقر المجلة ودخلت إلى مكتب رئيس التحرير فطلبت منه أن يعطيني الأعداد القديمة المتوفرة عندهم، فقل ليس عندنا أعداد قديمة يمكن أن نعطيك إياها. فقلت له ولكني حينما دخلت رأيت رفوفاً فيها أعداد قديمة كثيرة وبعضها مكرر. عندها لم يملك نفسه إلاّ أن قال خذ ما شئت من تلك الرفوف. فخرجت واشتريت حقيبة صغيرة ورجعت إليه وملأتها من تلك الرفوف.
        أما في فرنسا فذهبت إلى المكتبة الوطنية القسم التجاري وكان بجوار متحف اللوفر، وبعد أن اشتريت الصحف الجزائرية القديمة في صورة مايكروفيلم خرجت وإذ بي أرى من بعيد برج إيفل وكان الفندق الذي نزلت فيه يقع خلف البرج، فقلت أمشي حتى أصل إلى الفندق، ولمن لا يعرف باريس فبرج إيفل شارع من ثمانية مسارات، ورصيف، ويُرى من كل أنحاء باريس. فمشيت ومضت ساعة ومضت الساعتان والثلاث، وأنا مثل البدوي لا ألتفت إلى الخلف وأصررت أن لا أركب سيارة أجرة أو أية مواصلات أخرى. وبدأت الشمس في الغروب وأنا في عنادي لا بد أن أصل الفندق مشياً. ووصلت مشياً. ومما يقال أنه من طباعي أنني عنيد أو أصر على أمر حتى أحققه. ومن الصفات التي وصفني بها عميد كلية الدعوة قديماً- غريمي لا أحتاج لذكر اسمه- بقوله: "وأخذ مازن يصول ويجول" والحمد لله ما زلت أصول وأجول، ومن لم يعجبه فليضع ما شاء من الحواجز والعقبات والعراقيل. وأسمع أحياناً من يقول: لقد أُصبت بالإحباط، فردي عليه من يقبل الإحباط يحبط. ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ومن لا يظلم الناس يُظلمِ.
        وزرت المكتبة الوطنية بباريس وأردت الاطلاع على ما عندهم من وثائق أو كتب عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان الكمبيوتر لم يدخل في خدمات المكتبات آنذاك (1403هـ/1983م) فطلبت مني الموظفة الهوية، فقدمتها لها وكذلك خطاب كنت أسمّيه (خطاب التسول) وهو إفادة من الكلية أنني أبحث في موضوع كذا. فأعطتني رقماً وقالت جميع المقاعد الآن مشغولة فانتظر قليلاً وسينادى عليك.
ونودي علي لأدخل المكتبة، فوجدت طاولات ورفوفاً ومناضد وأثاثاً قد أصبحت من قدمها كأنها قطع في متحف، ولكن وجدت حركة عجيبة موظفون وموظفات يتحركن بين تلك المناضد والرفوف، ويذهبون ويعودون وفي أيديهم وأيديهن ما طلب القارئون والقارئات والباحثون والباحثات. لأن النظام في المكتبة يتيح لك أن تطلب عدداً محدداً من الوثائق والكتب. ورأيت رجالاً تقدمت بهم السن يجلسون الساعات الطوال يبحثون، قلت هؤلاء أجدادنا حين كانوا زعماء الدنيا في العلم، حين كان الواحد يؤلف كتاباً بين المغرب والعشاء، أو حين كان يؤلف المجلدات العظام، نحن علّمنا العالم الكتابة الموسوعية والعلم الموسوعي قبل أن يحصرونا في تخصصات ويقولون بعد التخصصات تخصصات، وكأن العالم لا يرى إلاّ من عدسة صغيرة. لا بأٍس بالتخصص والإبداع فيه، لكن أن يكون الإنسان لا يعرف من الدنيا إلاّ ساق الفيل، فالفيل كبير.
        وصورت من المكتبة الوطنية ما استطعت تصويره، ومن بين تلك الكتب التي صورتها ولم يكن لها علاقة مباشرة ببحثي، كتب تعليم اللغة العربية الدارجة، كما تتناول المناسبات الدينية التي يحتفل بها المغاربة عموماً مثل عاشوراء، وعندما تتاح لي الفرصة لتنقيح هذه التجارب سأقدم إن شاء نماذج من تلك الكتب.
        وبناء على اقتراح المشرف اتصلت بالبروفيسور روبرت مانتران أستاذ التاريخ العثماني في جامعة إكس إن بروفانس، ورتبت الزيارة معه في شهر مارس عام 1983م وحين وصلت إلى الموعد وبعد حديث موجز عرفت أنه غير متخصص فيما أدرسه، ولكنه ذكر لي أستاذ آخر اسمه برونو اتيان المتخصص في علم الاجتماع في المغرب العربي، واتصلت بمنزله وردت عليه ابنته باللغة الإنجليزية وقالت إن والدها في باريس وقد يتأخر، فلم أحصل على موعد معه، ولكني قابلت الباحث (المغمور حينذاك) فرانسوا بورجا الذي عاش في الجزائر سبع سنوات وتعلم اللغة العربية فيها وفي مصر. وهو الآن في مدير البحوث في مركز البحوث حول العالم العربي والإسلامي. (ألقي محاضرة في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية حول نظرة الغربيين للحركات الإسلامية، في شهر ربيع الأول 1427هـ) وتحدثت معه عن الجزائر وأشياء أخرى وسجل لي عنوانه في الدفتر الذي كنت أحمله. وبورجا قد أصبح الآن من الباحثين المشهورين جداً حول العالم وبخاصة في كتاباته حول الحركات الإسلامية. وبخاصة في دول المغرب العربي.
        وذهبت إلى الأرشيف الوطني لما وراء البحار. وكانت ثمة صعوبة للتفاهم مع الموظفين لقلة من يعرف اللغة الإنجليزية، وإن كان المدير يعرفها، شرحت لهم ما أريد وساق الله لي باحث جزائري يعد الدكتوراه في فرنسا فساعدني قليلاً. ولكن صحبته لم تعجبني فقد ذكرني بنماذج من الطلاب العرب في أمريكا –حين كنت مبتعثاً في الفترة 1388-1393هـ/1968-1973م) الذين لا همّ لخك إلاّ المال والنساء والمتعة. (ورضا الأوروبي) حتى إذا سألته عن مسجد في المدينة قال : دع المساجد للعباد... لا أذكر بقية البيت ولكن عرفت أنه لا تهمه المساجد.
        وأعطيت العلبة تلو العلبة وصورت ما شاء الله أن أصور مما اعتقدت أن له علاقة ببحثي، ولا أنكر مساعدة هذا الأخ في بعض العناوين، وإن كنت أحاول أن أخمن أن معنى العنوان بالفرنسي يعني الشيء نفسه بالإنجليزية مثل (تقارير الأمن) أو الجزائر في نصف قرن، أو غير ذلك. وجئت بالوثائق وبدأت أبحث عمّن يترجمها ولم يكن الأمر صعب أبداً، فدفعت بعض النقود (وكان راتب الخطوط محترماً) وترجم لي موظف أمريكي زوجته تعرف الفرنسية فتمت الترجمة إلى الإنجليزية.
        وعرفت عن رسالة دكتوراه أنجزت في معهد الدراسات الإسلامية بجامعة مقيل، وكنت في رحلة عمل مع وفد من الخطوط السعودية للتفاوض مع الطيران المدني الأمريكي،  ففي واشنطن تركتهم في سهرة خاصة وذهبت إلى جامعة قريبة نسيت اسمها الآن فبحثت عن ملخصات الرسائل في أمريكا وكندا، ووجدت المعلومات كاملة عن الرسالة وكيفية الحصول عليها وأنه لا بد من شيك أو أمر مصرفي، وغادرنا واشنطن لقضاء ليلة في مدينة اتلانتك سيتي، وفي  تلك المدينة ذهبت إلى أحد البنوك وحصلت على أمر مصرفي وأرسلته إلى الجامعة وكان العنوان التي سترسل إليه الرسالة هو مكتب الخطوط السعودية في نيويورك حيث كان مدير الفرع حينذاك الزميل الأستاذ فهد حمّاد, وأخبرته أنه عندما تصله الرسالة فليبعث بها إليّ في جدة. وأحمد الله أن وصلت الرسالة وأفدت منها كثيراً، وربما كنت الوحيد في الباحثين العرب الذي اطلع على الرسالة وأفاد منها.
        وعرفت من خلال شركة الميكروفيلم العالمية (تحتفظ وتبيع كل رسائل الماجستير والدكتوراه في أمريكا) عن وجود رسالتي دكتوراه حول تاريخ الجزائر الحديث وحصلت عليهما من خلال إرسال حوالة مالية للشركة.
        وأختم هذه الجولة بقصة الوثائق مع المشرف (المحترم) فقد كان رأيه أن نضع بعض الوثائق ملحقات للرسالة، فطلب منّي المشرف أن أحضر له الوثائق ليساعدني في اختيار بعضها، ولكنّي قبل أن أذهب إليه بالوثائق قمت بتصويرها. وتركت الوثائق عنده مدة وأعتقد أنني أخبرته أنني احتفظت بصورة منها. وكنت كلما سألته عن طريقة ترتيب الوثائق أو الوثائق التي تصلح ملاحق للرسالة ماطلني وقال لي مشغول أو ما عندي وقت، وفي النهاية قال لي قم أنت باختيار ما تراه مناسباً وأطلعني على اختيارك. وفعلت وقبل ما فعلت. ولكني رجعت أطلب منه الوثائق بعد حين (وكان ذلك العام عامه الأخير في الجامعة)، فقال لي إنني أرسلتها مع العفش إلى مصر. قلت له ولكنها وثائقي وأنا الذي تعبت من أجل الحصول عليها. ولكن كان عليّ أن أصبر حتى المناقشة. واجتزت المناقشة والحمد لله ولكن لم ترجع الوثائق إلاّ بعد حين.
        فما أن عاد إلى مصر حتى أمطرته بالرسائل وفي واحدة منها قلت له بالحرف الواحد: أستاذي الجليل عندما كانت الحجاز فقيرة كان المصريون أثرياء وكانوا طيبين فكانوا يبعثون بالمساعدات إلى الحجاز. وأراد الله أن تغتني الحجاز والمملكة عموماً فجاء أبناء أو أحفاد أولئك الكرماء فأرادوا أن يستردوا ما قدمه أباؤهم أو أجدادهم. ولكن بأسلوب غير مهذب. وثائقي أعدها إلي، أيها الأستاذ فقد ظننت أنني غبي، ولكني كنت تحت حكمك ويا لك من مستبد طاغية. وأعاد إليّ الوثائق وقال أرجو أن لا يعاملك طلابك بمثل هذه الطريقة. فقلت له لو فعلتُ ما فعلتَ فليعاملوني بأسوأ من هذا.
        وكانت الوثائق كثيرة كما قال أحد المناقشين، فقلت ما قاله لي المشرف، أردت أن يطلع الباحثون على هذه الوثائق. قال هذا عذر أقبح من ذنب. إنّك إن وضعت الوثائق ملحقة بالرسالة فأنت مسؤول عن كل كلمة فيها وكان عليك أن ترد عليها أو تناقشها وأنت لم تفعل. فسكت.
        هذه المرحلة انتهت بحمد الله وفضله، وكانت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بركة علي والحمد لله كما كانت بركة على الجزائر حتى قال فيها أحد علماء المدينة الشيخ محمد الحافظ رحمه الله إنها كانت أكثر بركة على الجزائر من المطر.


ملحق
تجربتي في البحث العلمي (3)
كنت قد ختمت الحديث عن تجربتي في البحث العلمي عند حصولي على الماجستير، ولكني بحثت في مكتبتي عن وثائق البحث في الدكتوراه فوجدت أن لدي ملفاً حول المراسلات التي قمت بها للحصول على المعلومات والكتب في أثناء إعداد رسالة الماجستير.
وحديثي عن هذه المراسلات وإثبات بعض الوثائق من تلك الفترة إنما هي لتشجيع الباحثين الشباب على المضي في طريق البحث العلمي بعزيمة وإصرار وأن لا ينتظروا أن تكون طريق البحث العلمي سهلة ميسورة أو كما يقولون مفروشة بالورود والرياحين، ولكنها طريق شاق وطويل. وفي الوقت نفسه ممتع وجميل.
كنت ذات مرة في مكتب أحد أساتذة قسم التاريخ بجامعة الملك عبد العزيز فرأيت طرداً عنده من دار نشر وتوزيع بريطانية، واسمها دواوسون وابنه Dawson and Son فأخذت قلماً وورقة ودونت اسم تلك الشركة. ولما بدأت البحث تذكرت تلك القصاصة فأرسلت رسالة إلى مدير الشركة أخبره أنني باحث في مرحلة الماجستير وأرغب معرفة الكتب التي تناولت تاريخ الجزائر الحديث عندهم. فأرسل إليّ قائمة بتلك الكتب وعرفت من جوابهم اسم المدير واسمه إي ويلزA.Wales، وكانت رسالتي التي أطلب فيها الكتب مؤرخة في 24 يوليو 1984م. ومن تلك الكتب ما يأتي:
1-                            جاك بيرك، شمال أفريقيا الفرنسي: المغرب بين حربين عالميتين، ومترجم إلى اللغة الإنجليزية، صدر عام 1967م.
2-                            سعيد أبو عداو. كنت قسيساً جزائرياً. صدر 1971 (مترجم إلى الإنجليزية)
3-                            لورنا هاهن. أفريقيا الشمالية من القومية إلى الدولة.
4-                            وليام كواندت. الثورة والقيادة السياسية: الجزائري 1954-1968م، صدر عام 1969م.
وطلبت أن ترسل الكتب إلى مكتب الخطوط السعودية بلندن، وراسلت مدير الفعل ولعل اسمه نزار سنبل وكان أحد التلكسات مؤرخ في 22سبتمبر 1984م، كما راسلت دار الساقي بلندن ووجدت لديهم عدداً من الكتب منها: الاستعمار الفرنسي في الجزائر لعدي هواري، وذكريات اجتماعية وسياسية لمحمد علي علوبة، ومذكرات بن بله.
وبعد زيارتي للأرشيف الوطني الفرنسي لما وراء البحار وحصولي على مجموعة من الوثائق عرفت بوجود تقرير لوزير الداخلية الفرنسي لعام 1929م، فأرسلت رسالة موجهة إلى رئيس المحفوظات للأرشيفات الوطنية في 16 يوليو 1984م وجاءني الرد 7أغسطس من المدير العام للأرشيفات الفرنسية ب. ماهيو B. Mahieu.
أما رسالة الدكتوراه للباحث الكندي فقط طلبتها في البداية من الشركة الأمريكية الميكروفيلم الجامعي الدولي University Microfilm International فراسلتهم في 13أغسطس 1984 وجاءني ردهم مؤرخاً في 24 أغسطس 1984 بالاعتذار أن الرسائل الكندية لديهم قليلة، وما طلبته غير موجود، ولكن نصحوني أن أتصل بالمكتبة الوطنية الكندية في أوتاوا. Ottawa. فأرسلت رسالة إلى مدير المكتبة الوطنية الكندية في 6 ديسمبر 1984 طالباً إليهم إرسال المعلومات إلى مكتب السعودية في نيويورك، وبالفعل تمت المراسلة من مشرف خدمات العملاء بفرع الخطوط السعودية في كندا دانيال كاتراندجيان مرفقاً لهم شيكاً بقيمة الميكروفيلم للرسالة وكان ذلك في يناير 1985م.
ولمّا حصلت على الميكروفيلم للصحف الجزائرية اشتريت قارئاً وكان يدوياً، فأرسلت إلى الشركة أسألهم عن إمكانية تركيب محرك آلي للجهاز وكان ذلك في 18 فبراير 1985م، ولكن يبدو أنهم لم يهتموا بالرسالة وذلك لأنه لدينا وكيل محلي ولا بد أن يتم كل شيء عن طريقه حتى يكسب في كل قطعة نشتريها.
ومن الجهات التي راسلت للحصول على كتب باللغة الإنجليزية حول التاريخ الجزائري شركة هاي وهوكلاند Haigh & Hockland Books وكانت المراسلة بيني وبينهم في 17 نوفمبر 1984 ولمّا لم يردوا أرسلت رسالة ثانية في 20 فبراير 1985م وأخبرتهم أن لدي بحث ماجستير ويجب أن ينتهي في وقت محدد، ولذلك فأطلب منهم أن يرسلوا الكتب بالطرود الجوية ويبلغوني بجميع التكاليف.
ولم تكن الأمور تجري كما ينبغي دائماً فقد رحب مدير السعودية في البداية بمساعدتي في الحصول على الكتب، ولكن حدث تأخر في إرسال الكتب مما جعلني أرسل له رسالة مؤرخة في 24 فبراير 1985م أنبهه فيها إلى أنه رحب بمساعدتي ثم تأخر وصول الكتب. وقلت له في الرسالة: أشكرك على الدرس العظيم الذي تعلمته منكم وهو أن عليّ أن أعتمد على نفسي في قضاء حوائجي."
وعثرت على رسالة كنت قد وجهتها إلى صديق جزائري ممن قابلت في قسنطينة في أثناء ملتقى الفكر الإسلامي السابع عشر وهو الأستاذ محمد شيوخ الذي قام بترجمة بعض المواد العلمية حول الجمعية، ولكنه أغفل أن يدون معلومات النشر، كما حدثته عن مولودة جديدة رزقتها هي الابنة الخامسة أسماء وسبب تسميتها تيمناً باسم الصحابية الجليلة أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وطلبت إليه أن لا يرسل شيئاً عن طريق البريد خوفاً من ضياعه، وأن يتحمل مدير الخطوط السعودية شريطة أن يبلغني بوقت إرسال الأوراق أو الكتب لأستقبل ما يرسل في المطار. وكانت الرسالة مؤرخة في 15ربيع الآخر 1404هـ الموافق 14يوليو 1984م.
ومن الرسائل الطريفة ما كتبته إلى الأستاذ محمد الهادي الحَسَني مدير إدارة النشر في الشركة الوطنية للكتاب (يسمونها بالفرنسية الإسناد) وقد قلت فيها ما يأتي:
مازال لساني يلهج بالثناء عليكم وشكركم على كريم الأخلاق واللطف الذي قوبلت به من قبلكم في الجزائر الطيبة.
عدت إلى جدة فوضعت أوراقي أمامي فزادتني حيرة من أين أبدأ، وكيف مالي إلاّ التوجه إلى الله أن ينير لي السبيل، وييسر الأمور، كامن من الواجب أن أكتب لكم من قبل هذا ولا عذر في التقصير غير أني أطمع في عفوكم.
إن البحث الذي اخترت ليحتاج إلى أضعاف الوقت والجهد الذي أتوقع أن أستغرقه وأبذله، ولكني أتمثل بقول أحد كتابنا القدامى:" ما رأيت أحداً كتب معجماً أو كتاباً إلاّ قال لو جعلت هذا مكان هذا أو لو عدلت هذا لكان أفضل، ولن يرضى الإنسان عن عمله مهما كان.
ومما أجده عذراً –وقد لا يكون- أنني أرجو أن يكون هذا البحث بداية صلتي بالبحث العلمي سواء عن الجزائر أو غيرها وبالذات جمعية العلماء وحركات الإصلاح فإنها دروس نفيسة لا بد أن نقدمها لأمتنا أملاً أن تعود إلى رشدها وترى الطريق الصحيح الذي عرفه الأسلاف فاتبعوه وتنكبناه.
وفي الرسالة طلبت إليه أن يرسل إليّ صفحات من رسالة ماجستير قدمها باحث لبناني (يساري) عن جمعية العلماء واسمه أحمد الخطيب، وقامت الشركة الوطنية الجزائرية بنشرها.
تيسر لي في أثناء إعداد رسالة الماجستير أن ألتقي بعض أساتذة الجامعات الجزائرية الذين دار بيني وبينهم مراسلات علمية جميلة ومنها هذه الرسالة التي بعثتها إلى الدكتور أحمد الشرفي الرفاعي ومن المهتمين بجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وبخاصة العربي التبسي أحد العلماء الذين لم يخرجوا من الجزائر في أثناء حرب التحرير واختطفه الفرنسيون وقتلوه. وجاء في رسالتي للشرفي الرفاعي قولي: سعدت كثيراً بجوابكم على خطابي وحمدت الله على ما وفقكم إليه من الإجابة على تساؤلاتي حول الشيخ عبد الحميد بن باديس رحمه الله.
اطلعت على كتاب (ليل الاستعمار) لفرحات عباس فوجدت فهمه للأمور عجيباً، فإن كان ذلك لثقافته الفرنسية لكن الفرنسيين أنفسهم اهتموا بالجمعية ودورها في كفاح الجزائر من أجل الاستقلال أكثر مما ذكره في هذا الكتاب، وهل كان تفكير الرجل لائكي (علماني، لا ديني) إلى هذا الحد ففي معظم الكتاب لا تجد إلاّ الحديث عن الماديات: ظلم فرنسا، نهب وقتل وتشريد وتجويع للشعب الجزائري، أما محاربة العقيدة الإسلامية وهدم المساجد والاستيلاء على الحبوس (الأوقاف) التي كانت دعامة الحركة التعليمية فكان قليل الأهمية في نظره.
وتصفحت كتاب أحمد توفيق المدني-الجزء الأول- فتذكرت ورقة من التقويم تقول: كفي بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله" وهو رحمه الله كان شديد الإعجاب بنفسه، وكأني به لم يقرأ قول الله تعالى (ولا تزكوا أنفسكم، هو أعلم بمن اتقى) ويتساءل البعض وهو محق: "إذا كان المدني بهذه الصورة من القدر على قلب الحقائق وادعاء الفضل لنفسه، فلماذا وثقت فيه الجمعية وأدخلته إلى مجلسها الإداري وجعلت منه كاتبها العام؟ ثم إني عندما استجوبت بعض رجال الجمعية مؤخراً وجدتهم ينتقدون المدني رحمه الله، فأين صراحتهم وشجاعتهم آنذاك؟

وصلت إلى منتصف الملف وفيه أشياء كثيرة تستحق أن تروى 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق