السبت، 12 مارس 2016

تجربتي في البحث العلمي مرحلة الدكتوراه (1)


وعهد تولّى
راودتني فكرة الكتابة عن تجربتي في المعهد العالي للدعوة الإسلامية (كلية الدعوة) فرع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية مرات عديدة (جامعة طيبة الآن)، ولكنّي كنت أصرف هذه الفكرة على أنها نوع من الكتابة عن النفس وربما كان فيها شبهة تزكية النفس أو الحديث عن الابتلاء الذي تعرضت له. وكنت أعتقد أن من انتسب إلى العلم عليه أن يبتعد عن كتابة ما مر به من مآسي أو ابتلاءات ويتركها لغيره ليكتبها.
ولكني فكرت في المسألة من جهة أخرى أنه لم يقيض لي من التلاميذ أو الزملاء الذين عاشوا التجربة بتفاصيلها وعرفوا ما مررت به بدقة، كما أن هذه المرحلة تدل على صورة من صور الاضطهاد الفكري الذي يمارسه بعض المسؤولين ضد مرؤوسيهم، وهي صورة لكيفية ضياع الأعمار والأوقات والأزمان والطاقات فيما لا فائدة منه في الوقت والذي كان من الممكن أن يستفاد في مصلحة الأمة الإسلامية التي يزعم البعض أنه حريص عليها، وأنه ملهم في معرفة هذه المصلحة، وأن كل ما يقومون به إنما يريدون به المصلحة العامة التي قال عنها أحدهم أنها أصبحت مشجباً لكل عمل نريد تنفيذه. ويزعمون أيضاً أنهم يدينون الله عز وجل بهذه التصرفات رغم ما فيها من مخالفة حقيقية لدين الله ولو اجتمعت الناس كلها على تخطئتهم فهم على صواب وصواب مطلق.
بعد أشهر من حصولي على درجة الماجستير من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الملك عبد العزيز بجدة (صفر 1406هـ) علمت أنه يوجد قسم لدراسة الاستشراق بالمعهد العالي للدعوة الإسلامية بالمدينة المنورة ويمنح درجتي الماجستير والدكتوراه ويمكنني الالتحاق به للحصول على الدكتوراه. فتقدمت إلى المعهد بخطاب رسمي من قسم التاريخ يفيد حصولي على المؤهل وأجريت لي المقابلة الشخصية التي لم أكن أعلم أنها مقابلة شخصية حيث اجتمع رئيس القسم ومدير المعهد وأحد أساتذة القسم المقربين لمدير المعهد وأحد المحاضرين في القسم. فكانت جلسة ودية تبادلنا فيها الحديث وكنت أُسأل وأجيب دون علمي أنها مقابلة. ومرت بسلام حيث قرروا أنني أصلح لهم. أما من جانبي فقد كنت أتوق للانتقال إلى المدينة المنورة والعيش فيها وكذلك كنت أتطلع إلى إكمال دراستي والحصول على الدكتوراه. وكنت أتخيل أنني سأعيش جواً إسلاميا تسود فيه المحبة والإخوة والأمانة والصدق، أعيش في جو قريب لعهد الصحابة رضوان الله عليهم. وبخاصة أنني كنت أسمع الكلام الجميل، والعمل للإسلام ولصالح الأمة الإسلامية.
بدأت إجراءات نقل خدماتي من الخطوط السعودية التي عملت فيها أكثر من اثنتي عشرة سنة وصلت فيها إلى وظيفة مدير الاتفاقيات الثنائية، وكنت أشغل هذه الوظيفة منذ شعبان 1402حتى 26رجب 1406هـ. وكانت إجراءات النقل طويلة نوعاً ما مما سبب لي آلاماً حول العينين (انقباضات) فراجعت الطبيب فوصف لي دواءً مهدئاً فلما قرأت نشرة الدواء تعجبت أنني مصاب بمرض نفسي أو بالأرق والقلق فتناولت الدواء لبضعة أيام، ثم لمّا علمت أن الأوراق قد وُقّعت انتهت الأعراض التي كنت أشكو منها فتوقفت عن تناول الدواء.
وكان ينبغي في أثناء الإجراءات أن أزور الرياض وأوقع بعض الأوراق فسألت عن الراتب الذي سأتقاضاه فقال لي مدير شؤون الموظفين (عبد الله الشايع) وبعامية قد تعرفون مقصدها (حِنّا نِبي نعطيك المربوط الأول) أي ستة آلاف وستمائة وخمسة وعشرين ريالاً وهو المربوط الأول لدرجة محاضر. فذهبت إلى ديوان الخدمة المدنية فحسبوا خدمتي قبل الحصول على المؤهل فقيل لي إنك لا تستحق في الدولة أكثر من المرتبة التاسعة التي لا يتجاوز راتبها هذا الراتب. فقلت ألا تراعوا أنني أتقاضى في الخطوط السعودية ثلاثة عشر ألفاً وثمانمائة وستين ريالاً بالإضافة إلى راتب إضافي في شهر شعبان من كل عام وكذلك ثمانية عشر ألف ريال بدل سكن بالإضافة إلى العلاج المجاني في المستشفيات الخاصة والتخفيضات في السفر وغير ذلك. قالوا ليس عندنا أي تعديل على الراتب فإما أن تقبل أو ترفض. وحاولت الاتصال بمدير المعهد فلم أجده، واتصلت بوالدي فلم أجده كذلك، فقبلت الوظيفة وعندما عدت إلى المدينة المنورة قال لي والدي رحمه الله ما قمت به هو الصحيح وكان عليك أن تقبل حتى لو كان راتبك الجديد ربع راتبك القديم. والحمد لله أنني قبلت. ولكن أحدهم انتقل إلى المعهد وكان مدرسا في مدرسة متوسطة فجاء قرار تعيينه مع مراعاة إعطائه مربوطا اعلي لمعادلة راتبه السابق، فكان هذا أول ظلم أشاهده في جامعة إسلامية.
وبدأت العمل في الصيف حيث طلب منّي تقديم دورة في اللغة الإنجليزية لبعض المعيدين والمحاضرين، وكذلك المراقبة في الامتحانات. ثم بدأنا دورة مكثفة في اللغة العربية مع الدكتور أحمد الخراط وكانت ثلاثة ساعات كل يوم أحد واستمرت هذه الدورة أربعة أشهر حصلت في نهايتها على 78من مائة. وتلقيت خطاب شكر من مدير المعهد (كنّا ما نزال في شهر العسل)
 ثم بدأت السنة الدراسية حيث طلب منّي تدريس بعض المواد والإعداد لخطة بحث للدكتوراه في الاستشراق. ولمّا كانت رسالتي للماجستير بعنوان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في الحركة الوطنية الجزائرية 1348-1359هـ الموافق 1931-1939م. فكان من الطبيعي أن يكون بحث الدكتوراه امتداداً لهذا الموضوع أو قريباً منه حيث إن الفكرة في الدكتوراه أن يتعمق الباحث في موضوع بحثه للماجستير. واخترت الاستشراق الفرنسي وأثره في الحياة الفكرية أو الصراع الفكري في المغرب العربي بين الحربين العالميتين وبدأت المراسلات مع العديد من الجهات في كل أنحاء العالم العربي ممن أتوقع أنه يعرف شيئاً عن الموضوع.
وطلب منّي أن أقيم حلقة بحث حول الموضوع أقدمه أمام أساتذة القسم وطلابه ومن يرغب من غيره من الأقسام. وبالفعل أقمت الحلقة وكان الحضور يتجاوز العشرين، وعرضت الموضوع وبدأت أتلقى الأسئلة والاستفسارات، وأرد عليها. وكان أحد الأساتذة فطيناً عرف من لهجة العميد أنه لا يرغب أن أكمل في هذا الموضوع، فقال لي بالحرف الواحد: "لو طلعت السما ونزلت الأرض لن يقبل العميد هذا الموضوع. فقلت له ولكنه لم يصرح بذلك. قال يكفيك تلميحاته وأسئلته. قلت أنا هنا لا أتعامل إلاّ مع الكلام الصريح، أما أن رغبة العميد أو ابتسم العميد للموضوع أو لم يبتسم فليس لها حساب في البحث العلمي أو في العلاقة العلمية. فأنا لم آت هنا لإرضاء العميد ورغباته الشخصية إن كان عنده اعتراض علمي فليتقدم به وإلاّ فسأكمل المسيرة. وأثبتت الأيام أنني كنت مخطئاً.
وكوّن العميد لجنة لمتابعة كتابتي لخطة البحث، وفيما كان هذا الأمر جارياً كنت أواصل مسيرة البحث عن الاستشراق الفرنسي فبدأت المراسلات مع العديد من الباحثين في أنحاء العالم الإسلامية وكان ممن راسلتهم الدكتور نسيب نشّاوي - رحمه الله- (أستاذ الأدب العربي في جامعة عنّابة بشرق الجزائر) لأنني قرأت له مقالة في مجلة الثقافة حول الصراع الفكري في الجزائر. فكتب يرد عليّ برسالة مؤرخة في 30/7/1987م الموافق 4/12/1407هـ وجاء فيها: "سرّني أن قرأت مقالتي (الحضارة العربية المعاصرة) ولكن الأجمل من هذا أنك تتابع كل شيء أن أنك تعيش روح العصر بهمة عالية ودأب لا تقدر عليه إلا النفوس العالية...وقد رأيت فيك هذه الصفات من خلال مطالعاتك ومعرفتك بآفاق الثقافة السائدة والتيارات الفكرية والاجتماعية.. وولعك في الولوج إليها، ولو كان الدرب شوكاً، وهذا شأن كبار المفكرين وأرجو الله أن يجعلك منهم، ففيك صفاتهم ومزاياهم وهمتهم، وعلى أمثالك تبنى الأمم وتتجدد الشعوب وتترسخ جذور حضارتها.
ومن الشخصيات العلمية البارزة الذين راسلتهم في الجزائر الدكتور عبد الله الركيبي الذي رحب بزيارتي للجزائر وأشار إلى أن الخطة لا بأس بها مبدئياً، وستصقل بزيادة القراءة وتعلم اللغة الفرنسية.
        وبقيت بين لجنة ولجنة وموعد واجتماع قسم، وقد صمدت صموداً قل من يصمده، وأخيراً اجتازت الخطة مجلس القسم وكان المفروض أن يطلب رئيس القسم من العميد أن يتصل بالجامعة لابتعاثي إلى فرنسا مدة ستة أشهر لدراسة اللغة وجمع المادة العلمية. ثم انتقلت الخطة إلى مجلس الكلية وكان الزمن رمضان والعميد أرسل للدعوة في الخارج، وناقش أعضاء مجلس المعهد الموضوع وأقروه ولكن كان بقي موضوع المشرف وهذا من صلاحيات العميد لأن العميد هو الوحيد الذي يفعل ذلك متجاوزاً صلاحيات مجلس القسم الذي من صلاحياته أن يختار المشرف، ولكن العميد هو المسؤول (ولا أزيد). ونظراً لغياب العميد فلم يدون في المحضر ما دار حول موضوعي.
        وعاد العميد بعد رمضان وتغيرت أمور فقد بلغه أنني وصفته بالمستبد الدكتاتور، وبدا له أن والدي يحتاجني لخدمته (مؤامرة دبرت بليل) فأخبرت أبي بالأمر فجاء إلى العميد ليخبره أنه ليس بحاجتي وأنه لا يمكن أن يقف في طريق ابنه العلمي. فقال له العميد مازن يقول عنّي مستبد دكتاتور. قال له أنت الرئيس وهو المرؤوس وقد قال الشاعر
        لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب               ولا ينال العلا من طبعه الغضب.
فقال العميد ولكن مازن مصر أن يتخصص في موضوع أنا لست راض عنه، قال له هذا شأن داخلي بينك وبين مازن أنا لا علاقة لي به.
        وبدأت أطالب بإنجاز الموافقة لأبدأ وفي الوقت نفسه ذهبت إلى أكثر من أستاذ يعتقد أنهم يصلحون للإشراف على موضوع في الاستشراق الفرنسي، فكان منهم الدكتور الحبيب الهيلة أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة أم القرى بمكة المكرمة وهو من تونس ويتقن الفرنسية، والدكتور مبارك عبد الرحيم بالجامعة الإسلامية الذي كتب موافقته مع الثناء على الباحث. فأغضب المعهد كيف يثني عليك وهو لا يعرفك. وفي حديث مع العميد قلت له أنت تخاف على مازن من مشرف ليس متدين أو لا تنطبق عليه معاييرك ولكن طلاب المرحلة الجامعة يدرسون مع أساتذة يصرحون بعلمانيتهم ولهم انحرافات. فكيف لا تخاف عليهم وتخاف عليّ وأنا الذي قد جف عودي وقد أؤثر في المشرف أكثر مما يؤثر في. فلم يعجبه هذا الجواب.
        واستمر الصراع والجدال حتى كان الثاني عشر من ربيع الأول وكنت أدرس مادة السيرة النبوية وقلت للطلاب من سمع بالموالد ولم يعرفها ويحب أن يعرفها فأنتم ناضجون فبإمكانكم الاطلاع عليها في المكان الفلاني.
        وهنا بدأت مرحلة جديدة في الصراع مع إدارة المعهد العالي للدعوة الإسلامية وإلى لقاء في حلقة جديدة (إن أحببتم)


من طرائف رحلاتي العلمية (الرحلة الأولى)
بعدما سجلت رسالة الدكتوراه بعنوان (منهج المستشرق برنارد لويس في دراسة الجوانب الفكرية في التاريخ الإسلامي) وافق مجلس القسم ومجلس الكلية على أن أقوم برحلة علمية إلى كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية لأجمع المادة العلمية ولأجري لقاءً مع المستشرق برنارد لويس في مقر إقامته بمدينة برنستون بولاية نيوجرسي بالولايات المتحدة الأمريكية.
ودارت بيني وبين لويس مرسلات عدة كان يبدو فيها متردداً أن يوافق على مقابلتي لأنني قادم من جامعة محمد بن سعود الإسلامية، ومن كلية الدعوة ومن المدينة المنورة، فكان متخوفاً ألاّ أكون موضوعيا -بزعمه- ولا بد أن يقرأ فصلاً مما كتبت. فقمت بترجمة خطة البحث وتخفيف لهجتها في المواضع التي تنتقده بشده، وأرسلتها إليه. ولكنه أصر على قراءة فصل مما كتبت. وهنا أدركت أنه لن يعطيني موعدا، فلأذهب إليه وأفاجئه بحضوري. ورتبت سفري، وأعددت ما لدي من مال للإقامة شهرين. كما اتصلت بالمشرف الدكتور جميل المصري رحمه الله، فأملي عليّ بعض الأسئلة ثم كان لي لقاء بعميد الكلية الدكتور عبد الله الرحيلي فأملى عليّ أسئلة أخرى أو كتبها بخط يده. ولأطمئن من سلامة الأسئلة وأنها تصلح لطرحها على المستشرق ذهبت إلى الدكتور أكرم ضياء العمري- أستاذ التاريخ الإسلامي بالجامعة الإسلامية- غادرها لأن السعودة كانت مهمة في نظر بعض المسؤولين-
وتعجب الدكتور أكرم من الأسئلة وفجاجتها، وأنها هجوم مباشر على المستشرق، فحذرني من أن أقدم تلك الأسئلة للمستشرق وإلاّ طردني وغضب مني، فقلت لأذهب وهناك أرى رأيي فيها.
وكان للرحلة جانب آخر، فكنت محاضراً بالجامعة وكان من المفروض أن تكون رحلتي انتداباً أو على الأقل أن يحسب لي مكافأة معقولة للبقاء شهرين في برنستون ولندن. ولكم أن تتخيلوا المكافأة وكان هذا عام 1408هـ(1988م) لقد كانت المكافأة ألفين وستمائة ريال شهرياً بالإضافة إلى مصروفات التنقل من مدينة لأخرى أو النسخ. وكان المبلغ تافهاً يصرف لبعض المسؤولين في أيام وليس في شهرين. وأخبرني الأستاذ الدكتور نعمان السامرائي أن الجامعة كانت ترسل بعض الأساتذة للدعوة في بعض الدول الأفريقية (رخيصة نسبياً، وربما حصلوا على الضيافة) وتدفع لهم ألف ومائتي ريال يومياً بالإضافة إلى الإركاب في الدرجة الأولى، وبعضهم لا يغادرون فنادق الخمس نجوم، وهذا ما يسمى دعوة فنادق النجوم الخمسة، ولكن كانت وسيلة لاستصناع البعض ومكافأتهم على الولاء للإدارة...
المهم ألفان وستمائة ريال شهرياً لا تكفي، بل إن أحقر غرفة في مدينة برنستون، وهي بالمناسبة مدينة للأثرياء ولأبناء الأثرياء فجامعتها من الجامعات الكبرى والباهظة التكاليف. نعم نزلت في فندن (بيكوك Peacock) –وهو الفندق الذي نزل فيه ألبرت إنشتاين عندما زار برنستون. هذا الغلاء جعلني أخاطب العميد: يا سيادة العميد كان ينبغي أن أحمل معي كيس خبز جاف، وخيمة وأقيم في إحدى الحدائق العامة؟ أهذا مبلغ يعطى لباحث في الولايات المتحدة الأمريكية. (ذهب زملاء لي في رحلة شبيهة ولكنهم اتصلوا بمعهد العلوم الإسلامية والعربية التابع للجامعة فتمت استضافتهم.)
لن أتحدث عن لقائي ببرنارد لويس، ولكن أتحدث أنني عدت من تلك الرحلة لأؤلف وأنشر عدة كتب هي
1- من آفاق الاستشراق الأمريكي المعاصر
2- الغرب في مواجهة الإسلام
3- من أصول التنصير في الخليج العربي (ترجمة لرسالة ماجستير، قدمت في جامعة برنستون) وجدتها على الرف فأبحت لنفسي أخذ نسخة منها، وسألت عن صاحبها وعنوانه وراسلته لأستأذنه في ترجمتها فعادت إلي الرسالة.
4- نبش الهذيان من تاريخ جورجي زيدان لأمين بن حسن الحلواني المدني، تحقيق.
وشاء الله أن أبيع نسخاً من هذه الكتب لوزارة الإعلام وبسعر متواضع (لم أكن أعرف اللعبة) ولكني عوضت ما أنفقته في تلك الرحلة.
أما في لندن فتيسر لي الاتصال بأحد الاخوة الذين كانوا يدرسون في لندن، فاتصل بدار الرعاية الاجتماعية ليسمحوا لي بالإقامة لديهم، وفي غرفة فيها ست أو سبع أسرّة وأجرة السرير سبعة جنيهات وتقع الدار في شمال لندن، ولكن يمكن الوصول إليها في قطار الأنفاق. وكانت فرصة عظيمة أن لقيت اثنين من الزملاء من جامعة الإمام ومن قسم التاريخ بالرياض هما عبد اللطيف الحميد وعمر العمري. ولم يكن هناك صعوبة في لندن بل تيسر لي الحصول على مادة علمية لطيفة.

كنت أسير في أحد الممرات ومعي الأخوين العمري والحميد فمر بنا رجل عجوز فسلمت عليه وسألته أتعرف برنارد لويس، قال نعم، قلت له أريد أن أعرف الرسائل العلمية التي أشرف عليها خلال تدريسه في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية. قال نعم من الممكن أن تحصل على هذه المعلومات في كتيب اسمه (التقرير السنوي للهيئة المشرفة على مدرسة الدراسات الشرقي والأفريقية) وبالفعل حصلت على التقارير  لهذه المدرسة للسنوات من عام 1938 وحتى عام 1974م. وهذا التقرير يقدم معلومات رائعة عن نشاطات الأساتذة من محاضرات عامة وحضور مؤتمرات ومشاركات إذاعية أو تلفازية وما كتبوه صحفياً أو كتب عنهم. إنه رصد رائع للنشاط وتقديراً للكفاءات والمواهب. كما علمت من هذا التقرير السنوي ما قامت به المدرسة في بعض الأعوام من تدريب عدد من الطلاب العرب والمسلمين على الإعداد للمؤتمرات وتنظيمها والمشاركة فيها. وهو فن يتقنه الأوروبيون وما زلنا نتعلم في هذا المجال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق