الثلاثاء، 3 يوليو، 2012

كيف يمكن أن نطور صحافتنا المحلية ؟


بسم الله الرحمن الرحيم 
                                     
تقديم: هذه مقالة قديمة كتبتها ونشرت في ملحق ألوان من التراث عندما انتقل إلى صحيفة البلاد، ولم أكن أعلم أن كبريات الصحف المحلية يتربع على عرشها رؤساء تحرير تمسكوا بمناصبهم أو تمسكت بهم الجهة المسؤولة حتى عدنا لعصر الديناصورات،لعل في المالة ما يفيد
          أصبح تطوير الصحافة المحلية مطلباً ملحاً لعدة أسباب أولها أن ما يزعمون بالعولمة الفكرية والثقافية لا تعرف الحدود وإن ما تنتجه هوليوود ويبث في وسائل إعلامنا يصل إلى أكثر من ستين في المائة من ساعات البث في بعض المحطات التلفزيونية وما لا نأخذه من الإعلام الغربي والأمريكي بصفة خاصة نقتبسه ونقلده والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى. أما الأمر الثاني فهو أن بلادنا تستقبل عشرات الصحف العربية والعربية العالمية والأجنبية يومياً، وثالثاً إننا بحاجة إلى التطوير الحقيقي لمواكبة الصحافة العالمية ولتحقق الصحافة رسالتها الحقيقية.

وقد أدرك هذا الأمر عدد من الكتاب والباحثين ومن هؤلاء الأستاذ محمد صلاح الدين الذي طالب أن تقوم صحافتنا المحلية بتبني بعض خريجي الكليات النظرية كالآداب والعلوم الاجتماعية وتدريبهم على أن يصبحوا متخصصين في مجالات معينة فلا بد لنا من المحرر الاقتصادي، والمتخصص في شؤون آسيا الوسطى ومتخصصين في جنوب شرق آسيا ومتخصصين في الشؤون الدبلوماسية والشؤون الأوربية والأمريكية. وذكر في اقتراحه إرسالهم إلى البلاد المراد التخصص في قضاياها حتى يكون لدينا مراسلين متمكنين من الموضوعات التي يقومون بتغطيتها.

وتطوير الصحافة المحلية مسؤولية الصحف التي تسعى إلى الربح ولكنها لا تفعل الكثير لتطوير القدرات الصحفية فأين الدورات في التحرير والإخراج، وأين الدورات في الصحافة الاقتصادية أو الصحافة الثقافية أو الصحافة المتخصصة في الشؤون الدولية؟ أين دورات اللغات التي يتلقاها الصحفيون حتى يستطيعوا أن ينقلوا الأخبار من مواقعها بدلاً من الاعتماد على النقل من وسائل الإعلام الغربية.

          وصحافتنا المحلية تحتاج إلى التطوير في الشكل والمضمون ، وأبدأ بالشكل فإن صحفنا المحلية تتنافس في من يكسب أكثر من الإعلان ولا يهمها إن كثر الإعلان أن لا تجعل للمادة التحريرية أية مساحة ولا يهم أين تنشر هذه الإعلانات ما دامت تأتي بالمال الذي يريده المساهمون ويعلي من شأن رئيس التحرير. ومن ذلك أن الصفحة الأولى تحتشد بالإعلانات أحياناً بحيث لا يبقى للأخبار الرئيسة في هذه الصفحة إلاّ أقل القليل. وكذلك الأمر بالنسبة للصفحة الأخيرة. بينما نجد أن الصحافة العربية التي تصدر في الغرب تحترم القارئ فلديها معايير دقيقة وحازمة على أن لا تتجاوز الإعلانات في هذه الصفحة حداً معيناً مهما كان المبلغ الذي يدفعه المعلن.

          ويأتي الإخراج للصفحات المختلفة في صحافتنا المحلية أشبه في كثير من الأحيان مثل إخراج الصحف الحائطية أو صحف الطلبة،  وقد أكد أحد المخرجين الصحفيين أن الأوامر تأتيه بأن يكون الإخراج كما يراه المسؤول في الصحيفة لا كما ينبغي أن يكون وفقاً للمعايير العلمية. ومنذ مدة طويلة والصحافة العالمية مقسمة إلى ثماني أعمدة وعندما يطلب من القارئ أن يعود إلى صفحة كذا عمود كذا فأين هذا في صحافتنا فالأعمدة متداخلة كثيراً فلا تمييز بينها؟

          أما في المضمون فإن الصحف العالمية تلتزم شكلاً معيناً في التبويب تحافظ عليه سنوات طويلة ولا يمكن أن تجد خلطاً بين قسم وقسم. فالمحليات لها مساحة معينة وكذلك الأخبار الخارجية والمجالات الثقافية. فما دامت الصحف وصلت عندنا إلى أكثر من ثلاثين صفحة فبالإمكان اعتماد تقسيم معين للصحيفة وفقاً لأبواب ثابتة. فلا يمكن أن تكون الأخبار المحلية من الصفحة الأولى حتى الصفحة الأخيرة.

ومن الاهتمام بالمضمون أن كل صحفنا المحلية خصصت صفحة للشعر الشعبي وكأن الجريدة لن تقرأ إن لم يكن فيها هذا النوع من الشعر أو ما يطلق عليه شعراً تجاوزاً. وكل صفحنا المحلية خصصت للرياضة أربع صفحات أو أكثر مع أن المعلنين لا يرغبون في الإعلان في الصفحات الرياضية فلماذا كل هذا الاهتمام بالرياضة على حساب الثقافة والفكر؟ وأين الملاحق الثقافية التي تسعى إلى تقديم الفكر الجاد الذي يرفع مستوى القارئ العادي وينوره بدلاً من الانغماس في النظريات الأدبية الغربية التي لم يقبلها حتى أهلها؟

ونأتي إلى جانب مهم من الصحافة المحلية وهو التعامل مع الكتّاب فإن هذا التعامل لا يستند في كثير من الأحيان إلى معايير ثابتة. فيغلب على هذه العلاقة في صحافتنا المحلية الميول والعلاقات الشخصية (الشللية). وقد تابعت عدداً من الصحف العربية الدولية  أكثر من عشر سنوات فرأيت استمرار بعض الكتاب مدة طويلة في صحيفة واحدة ، وقد تغير رئيس التحرير وبقي معظم الكتاب كما هم مع تغيير طفيف في الشكل وإخراج المقالات. فالصحف تُعرف بكتابها الكبار وليس بمحرريها. إن  القارئ يقبل على صحيفة من الصحف لأنها تحترم كاتبه المفضل وتلتزم بنشر موضوعاته في مكان واحد. وقد لاحظت في إحدى صحفنا المحلية أنها لمّا كثرت المقالات عندها أخذت تنشر هذه المقالات في صفحتين وبطريقة لا يمكن فهمها.

إن عملية تطوير الصحافة المحلية تحتاج إلى دراسات وبحوث ذلك أن مسألة التطوير والتجديد تحتاج إلى فكر عميق ودراسة واستشارة أهل الخبرة والعلم في هذا المجال. أما ما تعلنه الصحف بين الحين والآخر بأننا سوف نحدث تطوراً في الجريدة ثم لا تجد من التطور شيئاً.  ولكن هذا لا يمنع من إبداء بعض الآراء والمقترحات فيما يشبه التشاور حول وضع هذه الصحافة.

ومن الأمور التي تستحق التطوير في صحافتنا المحلية صفحة بريد القراء حيث يلاحظ أن هذه الصفحة في كثير من صحفنا المحلية أصبحت مقتصرة على بعض هواة الكتابة فتصبح هذه الصفحات مجالاً للأخذ والرد بين القراء أنفسهم حتى أصبح هؤلاء  الكتاب ( المبتدئين) يضعون عناوينهم وكأني بهم "تزببوا قبل أن يتحصرموا". وقلما أو نادراً أو من المستحيل أن تجد رسالة في البريد تناقش ما كتبه كبار الكتاب في الجريدة. إن مثل هذه الصحيفة يحق لها أن تفخر أنها استطاعت استكتاب مثل هذه الأقلام ولكنها في واقع الأمر تشعرك بأن هؤلاء الكتاب يكتبون في واد وصحيفتهم في واد آخر.

ويمكن أن تتعلم صحافتنا المحلية من الصحافة العربية التي تصدر في الخارج فإنها تنشر ثلاث إلى أربع رسائل للقراء ولكنها تناقش قضايا حيوية، حيث تناقش كبار الكتاب  وليست مجالاً للردح والمجاملات والكتاب أنصاف الكتاب. بعض هؤلاء الكتاب (تجاوزاً نسميهم كتاباً) يظلون عشرات السنين مسجونين في هذه الصفحات لأنه لا تتاح لهم فرصة التعلم فما داموا يجدون ما يكتبون منشوراً  وبصورة جيدة فلماذا يشغلون أنفسهم في التعلم؟

ومن الأمور اللافتة للانتباه أن الصحف المحلية تتنافس فيما بينها مع أن المملكة من أكبر الأسواق للصحف العربية والغربية وكثير من القراء لا يطلعون على الصحف المحلية وحدها ولكنها يقرأون الصحف العربية والدولية. فلماذا لا تنظر صحافتنا المحلية للصحف الأجنبية وتتعلم منها فليس من العيب أن نتعلم ونقتبس حتى يصبح لنا أسلوبنا الخاص وشخصيتنا الخاصة. لقد قلّدت الصحف المحلية غيرها بتخصيص صفحات للدين والتراث أو الشؤون الإسلامية أو الفكر الإسلامي مع أن الصحيفة كلها يجب أن تكون إسلامية. لا بأس من تخصيص صفحات شرعية للتعليم الشرعي أما أن يقتصر الدين على هذه الصفحات. إذا أردتم أن تقلدوا فانظروا إلى الجوهر وللشكل ولكن أن تأخذوا أقل القليل وتتركوا الخبرات الطويلة والتقدم والإنجازات الكبيرة في الصحافة العربية والعالمية فأمر لا يقبل.

أين أساتذة الإعلام في الصحف المحلية ليعملوا مستشارين إما بصفة دائمة أو مؤقتة ليأخذوا بيد صحافتنا المحلية للارتفاع بمستواها. إن لدينا العديد من أقسام الإعلام ولدينا أساتذة حصلوا على أعلى الدرجات العلمية في مجال الصحافة فأين دورهم في تطوير صحافتنا المحلية؟

وثمة جانب مهم وهي العلاقة بين الصحيفة وكتّابها، فكل ما يربطهم بالصحفية هو إرسال المقالة وانتظار نشرها أو الاستفسار من المحرر المسؤول عن وصول المقالة سليمة وواضحة. أما أن تكون الصلة وثيقة وحميمة فأمر لا ينطبق إلاّ على بعض العلاقات الودية والصداقة التي يمكن أن تجمع بين كاتب ومحرر أو مسؤول وهي ليست صلة عملية بقدر ما هي علاقة  صداقة شخصية. فإذا أراد الكاتب أن يتحدث إلى رئيس التحرير فدون ذلك خرط القتاد مع أن المتحدث مع رئيس التحرير قد يكون أستاذاً جامعياً وكاتباً بارزاً وله مكانته الاجتماعية التي لا ينكرها أحد ولكنه في صحيفته مجرد كاتب يمنون عليه أن سمحوا له بالكتابة. فإن السكرتارية تتفنن في حجب رئيس التحرير عن الكتاب أو المتصلين عموماً. أين التهنئات بالأعياد من رؤساء التحرير للكتاب؟ أين المناسبات التي يدعى فيها الكتاب إلى الصحيفة وإجراء التعارف بين الكتاب وكبار المسؤولين في الجريدة بل حتى صغار المحررين فإن هؤلاء يحبون أن يلتقوا بعض الكتاب الكبار وقد يرغبون إجراء اللقاءات الصحفية معهم.

فهل تستجيب صحافتنا المحلية لدوافع التطوير وتشرع في العمل الفعلي؟


















ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق